لاخيار أمام الدول العربية إلا أن يحكمها ديكتاتور دموي مثل صدام حسين، أو أن تتعرض لاحتلال فوضوي غاشم مثل الاحتلال الأمريكي. هذا مايقوله الوضع اليوم في العراق، وهذا ماتقوله الوثائق التي نشرها موقع "ويكيليكس" المتخصص في كشف الأوراق والوثائق الرسمية الصادرة عن البنتاغون الأمريكي والذي قام بضربة العمر حين نشر وثائق رسمية تثبت قيام الجيش الأمريكي بتعذيب عراقيين مناهضين للاحتلال الأمريكي وبالقيام بالنقيض تماما مما قالت الولايات المتحدة إنها قادمة للقيام به في العراق الجريح.
لنعد الحكاية من البدء، ولنتذكر أن أمريكا قالت إنها تريد تحرير العراق من ديكتاتورية صدام، وتريد نشر الديمقراطية فيه، وتريد تمكين شعوب المنطقة المحيطة بالعراق من العيش في سلام دون تهديد بأسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها الرئيس العراقي المطاح به والمشنوق ذات عيد أضحى شهير. مرت الآن كم سنة تقريبا على كل هذا الكلام؟ لم نعد نتذكر عددها بالتحديد، لكننا نتذكر أن الكلام قيل لنا بحدة وتأكيد شديدين جعلانا نقتنع تماما أنه صدق حقيقي ولا يمكن إلا أن يكون صدقا.
لذلك صفق الكثيرون لتدخل الأميركان في العراق، وقالوا إن الحاكم العربي الذي يعتبر شعبه قطيعا من الخرفان من الممكن أن يضعه قربه لسنوات طويلة منذ الاستيلاء الأول على الحكم، والذي لايؤمن بديمقراطية انتخابات، ولا بتداول على السلطة ولا بأي شيء آخر من هذا القبيل هو حاكم يستحق أن تنكل به دولة كبرى وضعته في مكانه ذاك فترة من الوقت، ثم قررت أنه لم يعد صالحا لها على الإطلاق.
سوى أن الصورة لم تكتمل بهذا الشكل أبدا. الفوضى الخلاقة التي وعدتنا العزيزة كوندي (من يتذكر الآن كوندوليزا رايس؟) بأنها ستكون بوابة المنطقة العربية للدخول إلى جنان الديمقراطية الكبرى اتضح أنها فوضى فعلية، لكنها غير خلاقة نهائيا. هي بالعكس من ذلك فوضى قاتلة، وضعت المنطقة كلها أمام شيء لم نكن نتبينه بهذه الصراحة الجارحة إسمه تنظيم القاعدة اكتشفنا منذ انهيار العراق / الدولة أنه تنظيم يوجد لدينا جميعا، وأن كل دولة عربية لديها منه بعبع صغير يخيف الأبرياء الذين يقطنونها، و تضعه جهة ما (لايمكن أن تكون هي ماما أمريكا؟) على رأس الحكام في تلك البلاد، تقول لهم به إن البديل جاهز عنهم، وأن المطلوب هو تنفيذ التعليمات كلها بأقصى الصمت الممكن ، والانسحاب فور الأمر بذلك.
وفلسطين في كل هذا؟ السؤل لم يعد مطروحا. عوضه أصبح السؤال هو: وإسرائيل في كل هذا ؟ العديدون في الغرب الأوربي أو الأمريكي ممن يعتبرون أنفسهم تقدميين ملزمين بقول الحقيقة يشيرون إلى أن المستفيد الأكبر من كل هذا الصراع الضاري الذي وقع في المنطقة هي الدولة العبرية. هي التي كانت تقول إن نظام صدام حسين يهددها، هي التي لم تنس أبدا أن الديكتاتور العراقي قصفها بسكوداته الشهيرة في حرب الخليج الأولى، وهي التي تعيش اليوم بحبوحة فعل كل ماتريده وتشتهيه بالفلسطينيين دون أن يرتفع ولو صوت صغير بالاحتجاج لأن الاحتجاج أضحى عملة ممنوعة في عالم عربي شاهد بأم عينيه في الفيديوهات وفي وسائل الإعلام كلها كيف يمكن لأمريكا أن تشنق رئيسا عربيا كان يعتبر نفسه الأقوى في المنطقة، ومتى؟ يوم العيد الكبير.
لهشام الجخ الشاعر المصري الشاب قصيدة بالدارجة المصرية الجميلة، (تلك التي لم تجعل المصريين ينسون في يوم من الأيام لغتهم العربية الجميلة هي الأخرى، عكس مايقوله الخائفون من دارجتنا المغربية، وهذا موضوع آخر) أسماها "تلات خرفان وحكاية" يتحدث فيها عن خراف تعيش خائفة من بعضها، وتلجأ لذئب لكي يحميها من الخرفان الأخرى، ولأنها خرفان" فهي تصدق أن الذئب سيحميها بالفعل، وفي الختام يأكل هذا الذئب كل هاته الخرفان لأنها...خرفان. ولا أعرف حقيقة العلاقة بين ذبح الرئيس العراقي يوم عيد نذبح فيه الخرفان، وبين القصيدة، لكننا ملزمون بالاعتراف أن التشبيه جائز، بل قوي ومستفز إلى درجة تدفع إلى الذهول فعلا
هل نقول بصريح العبارة إننا أصبحنا خراف المنطقة؟ البعض سيرفض وسيقول لا. والبعض سينحو باللائمة على الحكام، وسيقول "هم الذين أوصلونا إلى هذه الحالة. لكني من النوع الذي لاينحو باللائمة في أي سوء وقع له إلا على نفسه، وفي حالة عالم الخرفان الذي نعيش فيه، لا أجد من ألومه سوى هذه الشعوبة الثملة، الفرحة بمصيرها الميت، والمصرة على القتال يوميا من أجل ضمان موتها في "أفضل الظروف الممكنة" .
من يصيخ السمع جيدا في العالم العربي الذي أسماه الراحل الماغوط قبلنا جميعا "التابوت الممتد من الماء إلى الماء" لن يسمع إلا "التبعبيع". وحده صوته لايعلو على شيء عداه. وفي تابوت ليس فيه إلا صوت الخراف، من يجرؤ على تكذيب أننا نعيش داخل حظيرة؟
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
وعد السيد غيريتس المحيطين به من الحواريين وأتباعهم ومن تبعهم باعتداء على الكرة إلى يوم الدين أنه سيجلب للمغرب الكثير من الألقاب، وقال في تصريح للصحافة المحلية إن اختياره لبلدنا كان "اختيار القلب". ونحن نفهمها جيدا لأننا لازلنا لم نستوعب بعد كيف ترك غيريتس كل تلك الملايير السعودية وأتى إلى جامعة علي الفاسي الفهري المغلوبة على أمرها.
كل هذا الكلام طيب ، لكن يلزمه شيء صغير واحد فقط: أن يشرع السيد في التطبيق، وأن نرى النتائج على أرض الواقع. في انتظار ذلك "ماعندنا غير الهضرة ندوزو بيها الوقت" في انتظار الجزائر.
الأحد، 31 أكتوبر 2010
الثلاثاء، 26 أكتوبر 2010
العيون عينيا !
ماذا يقع في العيون؟ الصوت الذي وصل إلينا مؤخرا ممن أضحوا يسمون أنفسهم "الأسر النازحة" يطرح علينا جميعا هذا السؤال: ماالذي يقع بالتحديد في العيون؟
هناك الجزء الظاهر من جبل الجليد هذا : أناس معدمون في أغلبيتهم يعتبرون أنهم لم ينالوا حقهم من تجزئات سكنية وزعت على آخرين دون استحقاق، ويعتبرون أن هذا المطلب الذي لم تستجب له السلطات المحلية انضاف إلى مجموعة مطالب كانت لهم في السابق تعامل معها مسؤولوهم المحلين باستخفاف كبير، وبترويع لها لإخراجها من الطابع الاجتماعي، وإرهاب كل من يتجرأ على رفع العقيرة بالاحتجاج إلى أن وصلت إلى ماوصلت إليه اليوم.
"الله يرحم ادريس البصري ويغفر ليه" يقول الكثيرون اليوم، وهم يدينون التعامل مع سكان تلك المناطق الذي دشنه وزير الداخلية الأسبق، وسار على خطاه مسؤولون كثر أغلبيتهم مرت من مطابخ الداخلية يوم كان البصري عرابها، ماجعلها تحافظ على نفس النهج في التعامل وتحول مطالب بسيطة اجتماعيا من الممكن أن تحرج للمطالبة بها كل المدن المغربية إلى"مطالب يختفي وراءها "مناصرون للأطروحة الانفصالية" مثلما كا يأتي باستمرار في كل التقارير التي تبعث من هناك إلى هنا، ماجعل السلطات المركزية تتعامل مع سكان ذلك الإقليم باعتبارهم جميعا من "المؤلفة قلوبهم" أي الذين لايسكتون إلا إذا تم مدهم بمقابل سكوتهم، وهو التعامل الذي أنتج لنا الوضع المتفجر هناك والذي ينذر بالمزد.
أرعبني يوما أحد المسؤولين الأصدقاء وهو يقول لي "سكان داك القنت عطيهم لحلقهم ينساو اللي خلقهم". قلت في نفسي حيها إن هذا المسؤول يتعامل مع هذا الملف بهذه العقلية، ومن الأكيد أنه سينقل إلى رؤسائه المباشرين وإلى مرؤوسيه أيضا هذه العقلية، لذلك سيبدو لهم كل سكان تلك الأرض أناسا يبحثون عن المصلحة المادية فقط، ويضعون المغرب باستمرار أمام ابتزاز رخيص للغاية: "ديرو لينا اللي بغينا ولا غاديين نمشيو للبوليساريو."
لحسن الحظ الأهل هناك ليسوا على هذه الشاكلة، وقد اقتنعت مؤخرا بأن عددا من المسؤولين الذين تعاقبوا على المنطقة الجنوبية من مغربنا كانو يحرصون على الكذب في هذه النقطة بالتحديد لكي يطيلوا أمد بقائهم في منطقة يعجزون تماما عن التعامل معها بذكاء لازم وضروري.
بالعكس، هذه المرة كان الأهل في العيون أذكياء جدا وقطعوا الطريق على البوليساريو الذي يحاول الآن استغلال قضيتهم، وقطعوا الطريق أيضا على المتخاذلين من مسؤوليهم المركزيين الذين يحولون أي حركة احتجاجية بسيطة إلى طريقة مقنعة لمناصرة الانفصاليين. أهلنا في العيون اليوم يحملون الرايات الحمراء والخضراء، رايات بلادنا أولا وصور جلالة الملك لكي يؤكدوا أنهم مغاربة وأن هذا النقاش غير ذي موضوع بالنسبة إليهم وهو ليس حتى مسألة للجدال. وبالمقابل يطالبون بأن يتم الاستماع لمطالبهم، تماما مثلما يفعل أهلنا في بوعرفة، وتماما مثلما فعل أهلنا في صفرو ذات سنة سابقة، وتماما مثلما انتفض أهلنا في سيدي إيفني ذات لحظة فارطة.
المغربي لم يكن في يوم من الأيام ذليلا لكي يرى الظلم ينزل عليه ويبقى ساكتا. المغربي هو كائن حي يحب بلده ويحب أن يعيش في بلده بكرامة، لذلك على دولتنا أن تفهم أن هذه الحركات الاحتجاجية لتي تراها في غير مامكان من المغرب هي دليل حب للبلد أولا، ودليل رغبة في العيش فيه وفق مايحلم به المغربي، لا وفق مايفرض عليه.
ولنعترف هنا أن مايفرض على شعبنا قاس بعض الشيء وأن البون شاسع بين أغنياء الأزمة وبين بقية الشعب، وأن أقل من واحد في المائة من أهلنا يعيشون في بحبوبحة مبالغ فيها ماأنزل الله بها من سلطان وأن التسعة وتسعين في المائة المتبقية تكابد لكي تتعايش، أو مثلما يقول المغاربة شي عايش شي مخبي فيه".
أمر لاينبغي له أن يدوم بهذا الشكل الصارخ. وهنا لاأحد يطالب بإزالة الثروات عن القلة القليلة من الأغنياء، لكننا جميعا نطالب بتمكين الفقراء من العيش بكرامة فوق هذا التراب. لامعنى لمغرب اليوم يفصل بين أبنائه بهذا الشكل المحزن والمهين، ولا معنى لمغرب اليوم فيه أناس يبحثون عن لقمة العيش في "صناديق القمامة" . لامعنى اليوم لمغرب تصرخ فيه أسر بعشرة أفراد ويزيد، مطالبة فقط بقبر للحياة لايتعدى الخمسين مترا، ومعنا مسؤولون يراكمون الفيلات في زمن توليهم لمسؤولياتهم، والمفارقة هي أن الهراوة تنزل على رأس الأسرة التي طالبت بسكن لائق، وتنسى تماما المسؤول الذي أحسن اللعب جيدا فلم يترك وراءه أي آثر.
هذا البراح الشاسع المسمى وطني قادر على احتمالنا جميعا، وعليه أن يثبت لنا ذلك، مثلما يطالبنا باستمرار أن نثبت له حبنا، وأن نثبت له قبل الحب وبعده أن حبنا له هو بدون مقابل. وهذا أهم مافي الموضوع.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
لم أفهم هذا الأسبوع لماذا قدمت "دوزيم" سهرة باذخة للغاية مثل "شذى الألحان" في توقيت ظالم للغاية يوم الجمعة، وهي لاتتوفر على سهرة ليوم السبت، إذ اكتفت بتقديم أقوى فقرات الجرة التي يعرفها برنامج "سهران معاك الليلة".
حين يكون البرنامج متوفرا مرحبا، لكن عندما لاتكون هناك حلقة جديدة أو تكون "مشاكل" قد أِثرت على تصويره ورغم ذلك تقدم منه أفضل اللقطات ويقصى برنامج جيد إلى وقت ظالم، حينها علينا أن نطرح فعلا السؤال.
"الدراري فدوزيم، آش واقع بالتحديد فهاد الشي ديال المنوعات؟"
هناك الجزء الظاهر من جبل الجليد هذا : أناس معدمون في أغلبيتهم يعتبرون أنهم لم ينالوا حقهم من تجزئات سكنية وزعت على آخرين دون استحقاق، ويعتبرون أن هذا المطلب الذي لم تستجب له السلطات المحلية انضاف إلى مجموعة مطالب كانت لهم في السابق تعامل معها مسؤولوهم المحلين باستخفاف كبير، وبترويع لها لإخراجها من الطابع الاجتماعي، وإرهاب كل من يتجرأ على رفع العقيرة بالاحتجاج إلى أن وصلت إلى ماوصلت إليه اليوم.
"الله يرحم ادريس البصري ويغفر ليه" يقول الكثيرون اليوم، وهم يدينون التعامل مع سكان تلك المناطق الذي دشنه وزير الداخلية الأسبق، وسار على خطاه مسؤولون كثر أغلبيتهم مرت من مطابخ الداخلية يوم كان البصري عرابها، ماجعلها تحافظ على نفس النهج في التعامل وتحول مطالب بسيطة اجتماعيا من الممكن أن تحرج للمطالبة بها كل المدن المغربية إلى"مطالب يختفي وراءها "مناصرون للأطروحة الانفصالية" مثلما كا يأتي باستمرار في كل التقارير التي تبعث من هناك إلى هنا، ماجعل السلطات المركزية تتعامل مع سكان ذلك الإقليم باعتبارهم جميعا من "المؤلفة قلوبهم" أي الذين لايسكتون إلا إذا تم مدهم بمقابل سكوتهم، وهو التعامل الذي أنتج لنا الوضع المتفجر هناك والذي ينذر بالمزد.
أرعبني يوما أحد المسؤولين الأصدقاء وهو يقول لي "سكان داك القنت عطيهم لحلقهم ينساو اللي خلقهم". قلت في نفسي حيها إن هذا المسؤول يتعامل مع هذا الملف بهذه العقلية، ومن الأكيد أنه سينقل إلى رؤسائه المباشرين وإلى مرؤوسيه أيضا هذه العقلية، لذلك سيبدو لهم كل سكان تلك الأرض أناسا يبحثون عن المصلحة المادية فقط، ويضعون المغرب باستمرار أمام ابتزاز رخيص للغاية: "ديرو لينا اللي بغينا ولا غاديين نمشيو للبوليساريو."
لحسن الحظ الأهل هناك ليسوا على هذه الشاكلة، وقد اقتنعت مؤخرا بأن عددا من المسؤولين الذين تعاقبوا على المنطقة الجنوبية من مغربنا كانو يحرصون على الكذب في هذه النقطة بالتحديد لكي يطيلوا أمد بقائهم في منطقة يعجزون تماما عن التعامل معها بذكاء لازم وضروري.
بالعكس، هذه المرة كان الأهل في العيون أذكياء جدا وقطعوا الطريق على البوليساريو الذي يحاول الآن استغلال قضيتهم، وقطعوا الطريق أيضا على المتخاذلين من مسؤوليهم المركزيين الذين يحولون أي حركة احتجاجية بسيطة إلى طريقة مقنعة لمناصرة الانفصاليين. أهلنا في العيون اليوم يحملون الرايات الحمراء والخضراء، رايات بلادنا أولا وصور جلالة الملك لكي يؤكدوا أنهم مغاربة وأن هذا النقاش غير ذي موضوع بالنسبة إليهم وهو ليس حتى مسألة للجدال. وبالمقابل يطالبون بأن يتم الاستماع لمطالبهم، تماما مثلما يفعل أهلنا في بوعرفة، وتماما مثلما فعل أهلنا في صفرو ذات سنة سابقة، وتماما مثلما انتفض أهلنا في سيدي إيفني ذات لحظة فارطة.
المغربي لم يكن في يوم من الأيام ذليلا لكي يرى الظلم ينزل عليه ويبقى ساكتا. المغربي هو كائن حي يحب بلده ويحب أن يعيش في بلده بكرامة، لذلك على دولتنا أن تفهم أن هذه الحركات الاحتجاجية لتي تراها في غير مامكان من المغرب هي دليل حب للبلد أولا، ودليل رغبة في العيش فيه وفق مايحلم به المغربي، لا وفق مايفرض عليه.
ولنعترف هنا أن مايفرض على شعبنا قاس بعض الشيء وأن البون شاسع بين أغنياء الأزمة وبين بقية الشعب، وأن أقل من واحد في المائة من أهلنا يعيشون في بحبوبحة مبالغ فيها ماأنزل الله بها من سلطان وأن التسعة وتسعين في المائة المتبقية تكابد لكي تتعايش، أو مثلما يقول المغاربة شي عايش شي مخبي فيه".
أمر لاينبغي له أن يدوم بهذا الشكل الصارخ. وهنا لاأحد يطالب بإزالة الثروات عن القلة القليلة من الأغنياء، لكننا جميعا نطالب بتمكين الفقراء من العيش بكرامة فوق هذا التراب. لامعنى لمغرب اليوم يفصل بين أبنائه بهذا الشكل المحزن والمهين، ولا معنى لمغرب اليوم فيه أناس يبحثون عن لقمة العيش في "صناديق القمامة" . لامعنى اليوم لمغرب تصرخ فيه أسر بعشرة أفراد ويزيد، مطالبة فقط بقبر للحياة لايتعدى الخمسين مترا، ومعنا مسؤولون يراكمون الفيلات في زمن توليهم لمسؤولياتهم، والمفارقة هي أن الهراوة تنزل على رأس الأسرة التي طالبت بسكن لائق، وتنسى تماما المسؤول الذي أحسن اللعب جيدا فلم يترك وراءه أي آثر.
هذا البراح الشاسع المسمى وطني قادر على احتمالنا جميعا، وعليه أن يثبت لنا ذلك، مثلما يطالبنا باستمرار أن نثبت له حبنا، وأن نثبت له قبل الحب وبعده أن حبنا له هو بدون مقابل. وهذا أهم مافي الموضوع.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
لم أفهم هذا الأسبوع لماذا قدمت "دوزيم" سهرة باذخة للغاية مثل "شذى الألحان" في توقيت ظالم للغاية يوم الجمعة، وهي لاتتوفر على سهرة ليوم السبت، إذ اكتفت بتقديم أقوى فقرات الجرة التي يعرفها برنامج "سهران معاك الليلة".
حين يكون البرنامج متوفرا مرحبا، لكن عندما لاتكون هناك حلقة جديدة أو تكون "مشاكل" قد أِثرت على تصويره ورغم ذلك تقدم منه أفضل اللقطات ويقصى برنامج جيد إلى وقت ظالم، حينها علينا أن نطرح فعلا السؤال.
"الدراري فدوزيم، آش واقع بالتحديد فهاد الشي ديال المنوعات؟"
الاثنين، 25 أكتوبر 2010
آيتنا المغربية !
لاأعرف ماهو شعور والدي الطفلة آية التي نشرت الزميلة "الصباح" قصتها, لكنني أعرف أن القصة التي قرأتها منذ يومين هي قصة مخجلة إذا صحت كل التفاصيل التي رواها والدا الطفلة للجريدة. الحكاية ومافيها هي أن آية التي تعاني من وزن زائد وجدت نفسها محرومة من الدراسة في مدرسة عادية بسبب وزنها, ووجدت نفسها فوق هذا وذاك وهي تتعرض للسب والشتم بعد أن طالب مسؤولو المدرسة والديها بإدخالها إلى "مدرسة ديال المعوقين".
جملة واحدة تقول لنا كل شيء عن حالة نظامنا التعليمي الذي يعتبر أولا أنه من الممكن جرح طفلة في بداية حياتها بهذا الشكل المهين, والذي يضرب ثانيا كل الخطابات الرسمية حول إدماج ذوي الاحتياجات الخاصة في البلد مادام مسؤولو هذه المدرسة اعتبروا أن إرسال طفلة سليمة ولا تعاني من أي مرض عقلي إلى ماوصفوه ب"مدرسة ديال المعوقين" هو عقاب لها لأنهم يعتبرون هذا النوع من المدارس معزلا يرسل إليه الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة لكي يتم إخفاؤهم فيه, لا لكي يتم تأهيلهم حسب قدرات كل واحد منهم للخروج من الحالة التي حكمت عليهم الظروف بها.
الأنكى في حالة آية أنها لاتعاني من أي مرض عقلي أو تخلف ذهني يفرض هذا الإرسال, لكن عقلية التخلف الفعلية التي تعاملت بها المدرسة معها هي التي فرضت هذا النموذج المخجل والمهين في التعامل الذي يؤكد لنا أن الهيئة التعليمية ببلدنا قد تسلل إليها في غفلة منا جميعا أناس لاعلاقة لهم بها جعلوها على الشكل الذي هي فيه اليوم.
ولعله سيكون حسنا لو قارنا _ مادمنا قد قاربنا هذا الموضوع اليوم _ بين التعامل الملكي مع فئة الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة وبين تعامل أخر موجود في المجتمع نلاحظ للأسف الشديد آثاره المدمرة على الصغار وعلى أسرهم, وعلى المحيط العام الذي يعيشون فيه إلى الدرجة التي تجعلنا نحكم على هؤلاء بالموت منذ اليوم الأول لاكتشاف مرضهم أو حالتهم, ونفترض أننا ابتلينا بما يجب إخفاؤه, وعدم إطلاع الناس عليه, ما ينتج لنا في الختام تأزما حقيقيا لوضعية الطفل المعني بهذه الحالة الذي نحرمه حتى من محاولة عيش حياته وفق القدرات التي قد تكون متوفرة له ولا نشتبه نحن في توفرها لأننا انطلقنا منذ البدء من مسلمة أنه لن يكون قادرا على شيء إطلاقا.
المسألة لاتنفع معها الحملات التحسيسية الضيقة, ولا بعض المبادرات الشخصية هنا وهناك, ولكنها تتطلب منا تأهيلا فعليا لمجتمعنا الذي يمكن اعتباره مجتمعا ذا احتياجات خاصة لكي يفهم ماتريده هذه الفئة وما يتطلبه التعامل معها من مرونة كبرى, ومن تدقيق للوقوف عند التفاصيل الصغرى التي تصنع حكاية كل واحد من هؤلاء شخصيا رفقة أسرته ورفقة المحيط العام الذي يحيا فيه.
وفي هذا الصدد يمكن الاستفادة من تجارب متقدمة جدا في دول أخرى لاتحكم على هؤلاء الصغار منذ اللحظة الأولى بالإعدام, بل تفتح لهم المجال لإبراز مالديهم, وبعدها تتم متابعة حالة كل واحد منهم حسب تطوراتها وحسب قدرته على التأقلم مع وضعيته. بل إن دولا مثل الدول الاسكندنافية ذهبت بعيدا في المجال وهي تفرض في السنوات الأولى وضع هؤلاء الأطفال مع الأطفال الذين يوصفون "بالعاديين" من أجل منحهم أكبر قدر ممكن من محاولة الاندماج في المجتمع, وهو أمر لايمكن تخيله في مجتمع مثل مجتمعنا لازال مريضا بالشتائم الرخيصة التي يوجهها لهؤلاء دونما ذنب جنوه.
لا, بل إننا قد تجاوزنا مرحلة سب صغارنا أو كبارنا من ذوي الاحتياجات الخاصة لكي ندخل اليوم مرحلة توصف فيها طفلة سليمة تماما بأنها تعاني من تخلف ذهني فقط لأنها سمينة بعض الشيء وهو مايظهر لنا المسافات الكبرى التي علينا أن نقطعها بالعقل المغربي لكي نخرجه من حال إلى حال إذا ماأردنا لهذا الموضوع التي تعيشه المئات من الأسر المغربية في صمت حلا ذات يوم.
وإذ أنسى, لن أنسى منظر أب شاب التقيته منذ حوالي الشهرين عند طبيب صديق رفقة صغيره الذي يعاني من مرض التوحد. قال لي ذلك الأب إن "على وسائل إعلامنا التي تشغل بالها بالتوافه أن تخصص لهؤلاء في إعلامنا السمعي البصري أي الذي يصل إلى أكبر قدر من الناس فقرات خاصة لتحسيس الأسر بما يجب فعله ومايجب تفاديه عندما يكون لديها طفل يتطلب بعض العناية الإضافية", مضيفا أن رب الأسرة لايعرف لمن يتوجه إذا ما كان لديه طفل من هذه النوعية أو من نوعية مشابهة من الحالات الخاصة وأن رد الفعل الطبيعي الذي يلجأ إليه هو أن يخفي إبنه عن الناس, منتظرا شيئا سيئا للغاية : أن يختفي ذلك الطفل, لأن المجتمع الذي نحيا فيه لايعطي لهؤلاء أي اختيار آخر في الحياة.
هذه هي القضايا التي ينبغي فعلا أن تشغلنا على هذا المغرب الذي نعيش فيه: أن يصبح بلدنا قادرا على احتضاننا جميعا بخصوصياتنا كلها, وأن يمنحنا القدرة على الحلم فيه بإمكانية العيش حتى ولو كانت البداية غير مشجعة كثيرا.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
عينت الجزائر سفيرا جديدا لها في المغرب هو أحمد بن يمنية عوضا للججنرال العربي بلخير الذي توفي مطلع السنة الجارية بعد صراع مرير المرض. تعيين سفير جديد عادة هو فرصة لمساءلة العلاقات الثنائية بين البلدين موضع التعيين، وهو لحظة يترجى فيها البلدان معا أن يضيف ذلك السفير شيئا ما لخصوصية العلاقات مع الدولة التي عين فيها.
وهذا طبعا في الحالات العادية، أما في حالتنا مع جارتنا هاته، فاللحظة هي لحظة وضع اليد على القلب وترقب الأسوء، فللأسف الشديد لم يعد يأتينا من شرقنا إلا مايدمي الفؤاد ويكبده كثير الخسائر
جملة واحدة تقول لنا كل شيء عن حالة نظامنا التعليمي الذي يعتبر أولا أنه من الممكن جرح طفلة في بداية حياتها بهذا الشكل المهين, والذي يضرب ثانيا كل الخطابات الرسمية حول إدماج ذوي الاحتياجات الخاصة في البلد مادام مسؤولو هذه المدرسة اعتبروا أن إرسال طفلة سليمة ولا تعاني من أي مرض عقلي إلى ماوصفوه ب"مدرسة ديال المعوقين" هو عقاب لها لأنهم يعتبرون هذا النوع من المدارس معزلا يرسل إليه الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة لكي يتم إخفاؤهم فيه, لا لكي يتم تأهيلهم حسب قدرات كل واحد منهم للخروج من الحالة التي حكمت عليهم الظروف بها.
الأنكى في حالة آية أنها لاتعاني من أي مرض عقلي أو تخلف ذهني يفرض هذا الإرسال, لكن عقلية التخلف الفعلية التي تعاملت بها المدرسة معها هي التي فرضت هذا النموذج المخجل والمهين في التعامل الذي يؤكد لنا أن الهيئة التعليمية ببلدنا قد تسلل إليها في غفلة منا جميعا أناس لاعلاقة لهم بها جعلوها على الشكل الذي هي فيه اليوم.
ولعله سيكون حسنا لو قارنا _ مادمنا قد قاربنا هذا الموضوع اليوم _ بين التعامل الملكي مع فئة الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة وبين تعامل أخر موجود في المجتمع نلاحظ للأسف الشديد آثاره المدمرة على الصغار وعلى أسرهم, وعلى المحيط العام الذي يعيشون فيه إلى الدرجة التي تجعلنا نحكم على هؤلاء بالموت منذ اليوم الأول لاكتشاف مرضهم أو حالتهم, ونفترض أننا ابتلينا بما يجب إخفاؤه, وعدم إطلاع الناس عليه, ما ينتج لنا في الختام تأزما حقيقيا لوضعية الطفل المعني بهذه الحالة الذي نحرمه حتى من محاولة عيش حياته وفق القدرات التي قد تكون متوفرة له ولا نشتبه نحن في توفرها لأننا انطلقنا منذ البدء من مسلمة أنه لن يكون قادرا على شيء إطلاقا.
المسألة لاتنفع معها الحملات التحسيسية الضيقة, ولا بعض المبادرات الشخصية هنا وهناك, ولكنها تتطلب منا تأهيلا فعليا لمجتمعنا الذي يمكن اعتباره مجتمعا ذا احتياجات خاصة لكي يفهم ماتريده هذه الفئة وما يتطلبه التعامل معها من مرونة كبرى, ومن تدقيق للوقوف عند التفاصيل الصغرى التي تصنع حكاية كل واحد من هؤلاء شخصيا رفقة أسرته ورفقة المحيط العام الذي يحيا فيه.
وفي هذا الصدد يمكن الاستفادة من تجارب متقدمة جدا في دول أخرى لاتحكم على هؤلاء الصغار منذ اللحظة الأولى بالإعدام, بل تفتح لهم المجال لإبراز مالديهم, وبعدها تتم متابعة حالة كل واحد منهم حسب تطوراتها وحسب قدرته على التأقلم مع وضعيته. بل إن دولا مثل الدول الاسكندنافية ذهبت بعيدا في المجال وهي تفرض في السنوات الأولى وضع هؤلاء الأطفال مع الأطفال الذين يوصفون "بالعاديين" من أجل منحهم أكبر قدر ممكن من محاولة الاندماج في المجتمع, وهو أمر لايمكن تخيله في مجتمع مثل مجتمعنا لازال مريضا بالشتائم الرخيصة التي يوجهها لهؤلاء دونما ذنب جنوه.
لا, بل إننا قد تجاوزنا مرحلة سب صغارنا أو كبارنا من ذوي الاحتياجات الخاصة لكي ندخل اليوم مرحلة توصف فيها طفلة سليمة تماما بأنها تعاني من تخلف ذهني فقط لأنها سمينة بعض الشيء وهو مايظهر لنا المسافات الكبرى التي علينا أن نقطعها بالعقل المغربي لكي نخرجه من حال إلى حال إذا ماأردنا لهذا الموضوع التي تعيشه المئات من الأسر المغربية في صمت حلا ذات يوم.
وإذ أنسى, لن أنسى منظر أب شاب التقيته منذ حوالي الشهرين عند طبيب صديق رفقة صغيره الذي يعاني من مرض التوحد. قال لي ذلك الأب إن "على وسائل إعلامنا التي تشغل بالها بالتوافه أن تخصص لهؤلاء في إعلامنا السمعي البصري أي الذي يصل إلى أكبر قدر من الناس فقرات خاصة لتحسيس الأسر بما يجب فعله ومايجب تفاديه عندما يكون لديها طفل يتطلب بعض العناية الإضافية", مضيفا أن رب الأسرة لايعرف لمن يتوجه إذا ما كان لديه طفل من هذه النوعية أو من نوعية مشابهة من الحالات الخاصة وأن رد الفعل الطبيعي الذي يلجأ إليه هو أن يخفي إبنه عن الناس, منتظرا شيئا سيئا للغاية : أن يختفي ذلك الطفل, لأن المجتمع الذي نحيا فيه لايعطي لهؤلاء أي اختيار آخر في الحياة.
هذه هي القضايا التي ينبغي فعلا أن تشغلنا على هذا المغرب الذي نعيش فيه: أن يصبح بلدنا قادرا على احتضاننا جميعا بخصوصياتنا كلها, وأن يمنحنا القدرة على الحلم فيه بإمكانية العيش حتى ولو كانت البداية غير مشجعة كثيرا.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
عينت الجزائر سفيرا جديدا لها في المغرب هو أحمد بن يمنية عوضا للججنرال العربي بلخير الذي توفي مطلع السنة الجارية بعد صراع مرير المرض. تعيين سفير جديد عادة هو فرصة لمساءلة العلاقات الثنائية بين البلدين موضع التعيين، وهو لحظة يترجى فيها البلدان معا أن يضيف ذلك السفير شيئا ما لخصوصية العلاقات مع الدولة التي عين فيها.
وهذا طبعا في الحالات العادية، أما في حالتنا مع جارتنا هاته، فاللحظة هي لحظة وضع اليد على القلب وترقب الأسوء، فللأسف الشديد لم يعد يأتينا من شرقنا إلا مايدمي الفؤاد ويكبده كثير الخسائر
الأحد، 24 أكتوبر 2010
مرتاحو مهنة المتاعب !
اطلعت مؤخرا عبر الأنترنيت على مقال للباحث الإعلامي الصديق يحيى اليحياوي يتحدث فيه عن مهنة الصحافة ويقول إنها في المغرب لاتخضع للتوصيف الذي يطلق عليها في الغرب باعتبارها مهنة للمتاعب.
دليل صديقنا اليحياوي هو أن الصحافي المغربي لايشغل باله بالتحقيق أو الاستطلاع الحقيقي أو غيرهما من الأجناس النبيلة في الصحافة، بل يكتفي باقتعاد مكتبه والإبحار في الأنترنيت لغرضين إثنين: الشات والدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي أولا، ثم أخذ الأخبار وفق تقنية "القص واللصق" اللعينة لتي ابتليت بها الحرفة منذ زمان، وكانت بداية تقهقرها بعد أن اقتنع الناس أن بإمكانهم الذهاب قدما إلى الأنترنيت وقراءة مايريدونه فيه عوض دفع ثلاثة دراهم في جريدة تأخذ أخبارها من نفس الأنترنيت.
من زاوية المعالجة هاته لايمكن إلا الاتفاق مع صديقنا اليحياوي في طرحه، خصوصا وأننا نستطيع أن نضيف إليه المزيد مما نعايشه بحكم الاحتكاك اليومي بالحرفة وأهلها مما يؤكد طرحه ويكرسه. لكن النظر إلى المسألة من هذه الجهة فقط يتركها ناقصة بعض الشيء، إذ بغض النظر عن هذا الجانب التقصيري الفظيع في عمل صحافتنا على الأجناس الكبرى، وهو تقصير تتحمل مسؤوليته إدارات التحرير بجرائدنا الوطنية، ويتحمل مسؤوليته الصحافيون، لكن يتحمل القارئ الكريم أيضا جزءا لابأس به من المسؤولية فيه، أعتقده الأساسي بعد أن اقتنعت الحرفة بأن القارئ المغربي لايهتم بتحقيقات أو استطلاعات كبرى ولا يمكنه أن يجعلها سبب اقتنائه للجريدة التي يقبل عليها، مقابل اهتمامه بأجناس ثانية من حقه طبعا أن يوليها كل الاهتمام، ومن حق الصحافي أن يضع في اعتباره أنها هي التي تلقى القبول ولو اضطره الأمر ختاما إلى نسيان مهنته الأصلية وممارسة تفرعات وتنويعات عنها، إذا ما دقق فيها جيدا سيجد أن لاعلاقة لها بالصحافة.
(بغض النظر عن كل هذا ) الصحافة في المغرب هي مهنة المتاعب وأكثر، والمتاعب تنضاف إذا ما علمنا بطريقة الحصول على الخبر في بلدنا الأمين.
ذلك الوهم الكبير المسمى الحق في الوصول إلى المعلومة دونه الجبال. والخبر عندنا حالتان لاثالث لهما إلا في بعض الاستثناءات القليلة التي تعد في حكم الشاذ الذي لايقاس عليها نهائيا: إما جهة تصفي حسابا مع جهة "فتتطوع" لكي تعطيك ماتشاء من الأخبار التي تهدم صروح الجهة المراد تحطيمها، وإما جهة يهمها أن يخرج ذك الخبر في ذلك اليوم وفي ذلك التاريخ وبذلك العنوان وبتلك الصيغة بالتحديد لأغراض تهمها قد لاتبدو للصحافي، لكنها تكون مسطرة في عقل من قام بتسريبها أو إيصالها إلى الصحافة.
وللأسف الشديد، ورغم كثير الفقاعات الإعلامية العابرة للمجال، ورغم العديد من المحاولات الجادة بالمقابل التي يعرفها ميداننا والتي تحاول التأسيس لصحافة استقصاء وتحقيق، لانتصور أن الصحافة المغربية بارحت مكانها الأول، بل ربما تراجعت في السنتين أو الثلاث سنوات الأخيرة أكثر عما شهدته بداية الألفية الجديدة من نزوع نحو الشغب الصحفي الحقيقي: شغب البحث عن مكامن الغموض في كثير مجالات تهم المجتمع، لا البحث فقط عما يثير أعصاب الحاكمين مما تخصصت فيه صحافة وصلت اليوم إلى حتفها النهائي.
أكثر من هذا تبدو المحاولة التي قد تقوم بها جرائد جادة اليوم لتأسيس صحافة راقية تحقق وتستقصي فعلا محاولة أشبه ماتكون بالانتحار وسط مناخ صحفي يتم العمل بكل قوة على تمييعه قدر الإمكان، وجعله ساحة "المناقرة والسباب" المعروفة التي يعاين الكل خسائرها اليوم مما لم نعد قادرين على مجاراته أو الدخول في حيثيات استراره وبقائه.
هذا عن الخبر أما في مجال الرأي فالمسألة أفظع. تصور أنه من الممكن أن تقرأ يوميا لصحافيين يكتبون من وحي عقلهم وملاحظاتهم ومايفكرون هم فيه فقط هو تصور أضحى ينقرض يوما بعد يوم. عوضه أصبحت كتابة الرأي في الصحافة الوطنية في الغالب الأعم نقلا لتقارير استخباراتية، أو تصفية حسابات من الدرجة الدنيا، أو هرطقات ماأنزل الله بها من سلطان تعرض كاتبها ومن سمح له بنشرها للمساءلة القضائية لو كان للميدان رب يحميه.
لكنها بحمد الله ورعايته "سداح مداح". ومن الممكن أن تخلق فيها وتختلق ماتشاء من أجناس جديدة دون أن تخشى لومة لائم مما أنتج لنا "سنوات الضياع" المغربية التي تعيشها صاحبة الجلالة المسكينة لدينا. ألا يلقبون الصحافة في البلدان الأخرى بهذا اللقب الغريب والعجيب؟
بلى يفعلون ذلك، وهم يعرفون لماذا. أما لدينا فمن الممكن اختيار ألقاب أخرى تكون أقرب إلى الصحة وأبعد عن التمشخير الذي نحسه جميعا عندما يقول لنا شخص ما إنكم تشتغلون ضمن رحاب صاحبة الجلالة.
هي مهنة متاعب فعلا، لكن المتاعب لايحس بها إلا من كان مؤمنا بهذه الحرفة فعلا. أما "النجارة" فيحسون بالارتياح الكامل فيها، وهي تعيد لهم في ظروفها الحالية الراحة براحة أفضل منها.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
"دابا عاد بدا المعقول" فيما يخص غيريتس وعلاقته بنخبتنا. الآن لم نعد قادرين على ابتلاع الآكذوبة التي تقول إن غيريتس منقسم قسمين بين منتخبنا وبين الهلال، ولم نعد متقبلين للكلام الطيب الذي يروم طمأنتنا على نخبتنا ويحاول تطويل أمد الصبر عليها وعلى نتائجها السلبية.
ماانتظرناه طويلا وقع وتم الآن وغيريتس هو اليوم بين يدي جامعتنا ومنتخبنا، والأمل أن لايكون دهاقنة جامعتنا بصدد البحث عن مشاجب جديدة لتعليق القادم من الأفعال عليها..
دليل صديقنا اليحياوي هو أن الصحافي المغربي لايشغل باله بالتحقيق أو الاستطلاع الحقيقي أو غيرهما من الأجناس النبيلة في الصحافة، بل يكتفي باقتعاد مكتبه والإبحار في الأنترنيت لغرضين إثنين: الشات والدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي أولا، ثم أخذ الأخبار وفق تقنية "القص واللصق" اللعينة لتي ابتليت بها الحرفة منذ زمان، وكانت بداية تقهقرها بعد أن اقتنع الناس أن بإمكانهم الذهاب قدما إلى الأنترنيت وقراءة مايريدونه فيه عوض دفع ثلاثة دراهم في جريدة تأخذ أخبارها من نفس الأنترنيت.
من زاوية المعالجة هاته لايمكن إلا الاتفاق مع صديقنا اليحياوي في طرحه، خصوصا وأننا نستطيع أن نضيف إليه المزيد مما نعايشه بحكم الاحتكاك اليومي بالحرفة وأهلها مما يؤكد طرحه ويكرسه. لكن النظر إلى المسألة من هذه الجهة فقط يتركها ناقصة بعض الشيء، إذ بغض النظر عن هذا الجانب التقصيري الفظيع في عمل صحافتنا على الأجناس الكبرى، وهو تقصير تتحمل مسؤوليته إدارات التحرير بجرائدنا الوطنية، ويتحمل مسؤوليته الصحافيون، لكن يتحمل القارئ الكريم أيضا جزءا لابأس به من المسؤولية فيه، أعتقده الأساسي بعد أن اقتنعت الحرفة بأن القارئ المغربي لايهتم بتحقيقات أو استطلاعات كبرى ولا يمكنه أن يجعلها سبب اقتنائه للجريدة التي يقبل عليها، مقابل اهتمامه بأجناس ثانية من حقه طبعا أن يوليها كل الاهتمام، ومن حق الصحافي أن يضع في اعتباره أنها هي التي تلقى القبول ولو اضطره الأمر ختاما إلى نسيان مهنته الأصلية وممارسة تفرعات وتنويعات عنها، إذا ما دقق فيها جيدا سيجد أن لاعلاقة لها بالصحافة.
(بغض النظر عن كل هذا ) الصحافة في المغرب هي مهنة المتاعب وأكثر، والمتاعب تنضاف إذا ما علمنا بطريقة الحصول على الخبر في بلدنا الأمين.
ذلك الوهم الكبير المسمى الحق في الوصول إلى المعلومة دونه الجبال. والخبر عندنا حالتان لاثالث لهما إلا في بعض الاستثناءات القليلة التي تعد في حكم الشاذ الذي لايقاس عليها نهائيا: إما جهة تصفي حسابا مع جهة "فتتطوع" لكي تعطيك ماتشاء من الأخبار التي تهدم صروح الجهة المراد تحطيمها، وإما جهة يهمها أن يخرج ذك الخبر في ذلك اليوم وفي ذلك التاريخ وبذلك العنوان وبتلك الصيغة بالتحديد لأغراض تهمها قد لاتبدو للصحافي، لكنها تكون مسطرة في عقل من قام بتسريبها أو إيصالها إلى الصحافة.
وللأسف الشديد، ورغم كثير الفقاعات الإعلامية العابرة للمجال، ورغم العديد من المحاولات الجادة بالمقابل التي يعرفها ميداننا والتي تحاول التأسيس لصحافة استقصاء وتحقيق، لانتصور أن الصحافة المغربية بارحت مكانها الأول، بل ربما تراجعت في السنتين أو الثلاث سنوات الأخيرة أكثر عما شهدته بداية الألفية الجديدة من نزوع نحو الشغب الصحفي الحقيقي: شغب البحث عن مكامن الغموض في كثير مجالات تهم المجتمع، لا البحث فقط عما يثير أعصاب الحاكمين مما تخصصت فيه صحافة وصلت اليوم إلى حتفها النهائي.
أكثر من هذا تبدو المحاولة التي قد تقوم بها جرائد جادة اليوم لتأسيس صحافة راقية تحقق وتستقصي فعلا محاولة أشبه ماتكون بالانتحار وسط مناخ صحفي يتم العمل بكل قوة على تمييعه قدر الإمكان، وجعله ساحة "المناقرة والسباب" المعروفة التي يعاين الكل خسائرها اليوم مما لم نعد قادرين على مجاراته أو الدخول في حيثيات استراره وبقائه.
هذا عن الخبر أما في مجال الرأي فالمسألة أفظع. تصور أنه من الممكن أن تقرأ يوميا لصحافيين يكتبون من وحي عقلهم وملاحظاتهم ومايفكرون هم فيه فقط هو تصور أضحى ينقرض يوما بعد يوم. عوضه أصبحت كتابة الرأي في الصحافة الوطنية في الغالب الأعم نقلا لتقارير استخباراتية، أو تصفية حسابات من الدرجة الدنيا، أو هرطقات ماأنزل الله بها من سلطان تعرض كاتبها ومن سمح له بنشرها للمساءلة القضائية لو كان للميدان رب يحميه.
لكنها بحمد الله ورعايته "سداح مداح". ومن الممكن أن تخلق فيها وتختلق ماتشاء من أجناس جديدة دون أن تخشى لومة لائم مما أنتج لنا "سنوات الضياع" المغربية التي تعيشها صاحبة الجلالة المسكينة لدينا. ألا يلقبون الصحافة في البلدان الأخرى بهذا اللقب الغريب والعجيب؟
بلى يفعلون ذلك، وهم يعرفون لماذا. أما لدينا فمن الممكن اختيار ألقاب أخرى تكون أقرب إلى الصحة وأبعد عن التمشخير الذي نحسه جميعا عندما يقول لنا شخص ما إنكم تشتغلون ضمن رحاب صاحبة الجلالة.
هي مهنة متاعب فعلا، لكن المتاعب لايحس بها إلا من كان مؤمنا بهذه الحرفة فعلا. أما "النجارة" فيحسون بالارتياح الكامل فيها، وهي تعيد لهم في ظروفها الحالية الراحة براحة أفضل منها.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
"دابا عاد بدا المعقول" فيما يخص غيريتس وعلاقته بنخبتنا. الآن لم نعد قادرين على ابتلاع الآكذوبة التي تقول إن غيريتس منقسم قسمين بين منتخبنا وبين الهلال، ولم نعد متقبلين للكلام الطيب الذي يروم طمأنتنا على نخبتنا ويحاول تطويل أمد الصبر عليها وعلى نتائجها السلبية.
ماانتظرناه طويلا وقع وتم الآن وغيريتس هو اليوم بين يدي جامعتنا ومنتخبنا، والأمل أن لايكون دهاقنة جامعتنا بصدد البحث عن مشاجب جديدة لتعليق القادم من الأفعال عليها..
الخميس، 21 أكتوبر 2010
موتى والله أعلم
أتابع هذه الأيام النقاش الدائر في التلفزيون الفرنسي حول عدد من الإصدارات الأدبية الجديدة وفي مقدتمها الجزء الثالث من كتاب سامويل بنشتريت "chroniques de l'asphalte" وأجدني أتساءل باتمرار: متى سيآتي اليوم الذي سيتقن فيه التلفزيون المغربي لعبة تحبيب القراءة إلى مشاهديه عبر برامج خفيفة، غير ثقيلة، ومرحة غير قاتلة، وثقافية فعلا غير مملة تتحدث عن الكتب ومع كتابها، وتفتح مجال متعة المطالعة أمام شعب يحتاجها فعلا؟
لاأجد الجواب، ولكنني أجد التفسير في غياب هذا النوع من البرامج عن تلفزيوننا لكثير المشاكل التي نحياها على مستوى تواصلنا فيما بيننا، وعلى مستوى تقبلنا أو فهمنا لكثير من الأمور الإبداعية التي قد تقع في بلدنا.
طبعا لست حالما ولا واهما، وأعرف أننا بلد يعيش بقسط أمية كبير تحافظ عليه الطبقة الستفيدة بكل ماأوتيت من قوة لأنه سبب بقائها في "بلاصتها"، لكنني في الوقت ذاته غير قادر على منع نفسي من المقارنة، وغير قادر على عدم التحسر على المآل الذي يراد لشعبنا في هذا المجال: مآل التجهيل، والدفع نحو التافه من الأمور وتصويرنا جميعا باعتبارنا أناسا نهتم فقط بما نزدرده وونهضمه ثم نرسله، أي أناسا لافارق بيننا وبين الحيوانات إلا في بعض الفاصيل القليلة التي لاتقيم فارقا حقيقيا في نهاية المطاف.
وبنفس الحماس نتابع جميعا النقاش الدائر في فرنسا بين نقاباتها وبين حكامها حول قانون رفع سن التقاعد، ونرى كيف أن الصغار من أبناء الرابعة عشرة والخامسة عشرة قد نزلوا إلىالشارع يبحثون عن معركتهم الشخصية التي سيؤثثون بها القادم من الآيام، مثلما أسس أسلافهم لمعركتهم الشخصية ذات ماي 1968 ، وأسمع للطبقة السياسية الفرنسية كلها يمينا ويسارا وهي تتحدث عن معركة الشارع الفرنسي مع رئيسه ومع حكومته، ونتابع النقاش الحيوي الدائر هناك، فننقل - لعن الله البارابول الذي فتح أعيننا هكذا - النقاش إلى البلد، ونبحث عن شخص واحد قادر على أن يقوده فلانجد إلا ضبابا كبيرا، ورغبة في تعويم كل شيء، وعدم قدرة على فتح أي ملف من أجل مناقشته.
حالة موت حقيقية، لا مثقفون يشغلون بالهم بما يهم شعبهم، فينتفضون ضد حالة الركود ويبحثون عن السبل الملائمة لمس الناس وإعادة نبض الحياة لهم، لا صحافيون يمتلكون فعلا الحاسة اللازمة للضرب حيث يوجع الألم الصحفي، والبحث عن مواضيع تنقذ الناس من حالة السب الشاملة التي اعترت الوطن، ولا طبقة سياسية قادرة أن تعطينا الإحساس أنها طبقة فعلا، وأنها سياسية ثانيا، ولا فنانون يشغلون البال هم الآخرون بالبحث عن الجديد المفيد لإبداعنا وذائقتنا وحسنا الفني، بل الأنكى والأمر لارياضيون يرفعون معك وبك "المورال" قليلا، ويرفعن راية البلد في محفل دولي أو إثنين ننسى بهم بؤس انهزامنا الكامل.
كل م في الأمر غرفة كبرى إسمها المغرب، تحيا الليل والنهار بطولهما علي إيقاع السيار اليومي المبتذل، تعيش "آوجور لوجور" مثلما يقول الفرنسيون، وشعارها "كل نهار برزقو" و"يدوز هاد النهار ومن بعد يحن الله". هله هي صورة متشائمة "بزاف"؟
لاأدري، وأعرف أنني أبعد الناس عن التشاؤم في هذا البلد، لكن المقارنة الظالمة لعنها الله تدفع العقل إلى شواطئه الأكثر تطرفا، وتحث عليه بالسؤال "علاش الخرين وحنا لا؟":
قديما قالها الكواكبي وشبع العرب منه ضحكا يوم طرح السؤال "لماذا تقدم الآخرون وتخلفنا نحن؟" قبل أن يجيب في طبائع الاستبداد أن "الاستبداد أس كل بلية" لكن الأجداد لم يسمعوا له مثلما لم يسممع له من أتوا بعدهم، فحولنا القولة إلى "المعدة أصل كل داء"، وجعلنا من الأكل الشرب وبقية العادات الحيواينية الأولى مبلغ علمنا الأخير، ماحولنا إلى هذه الكا'نات الصعب توصيفها اليوم.
ومع ذلك لامفر من قليل أمل لئلا نعتنق مذهب الموت حلا لكل هذا البوار. هناك بالتأكيد حل ما لكل هذا، هناك منفذ علينا أن نسلكه لكي نخرج من هذه الحالة التي لاتسر عدوا ولا صديقا، وعلى مايبدو لن يكون المرج إلا من بواب مابدأنا به هذا العمود: أن نعود للقراءة جميعا، أن نقلد السابقين في عصور انحطاطهم حين فهموا أن الل هو أن يترجموا وأن يزدردوا الكتب والمؤلفات، وأن يعيدوا بناء شخصيتهم الثقافية والحضارية من جديد، لأن الشخصية الثقافية والحضارية القديمة ماتت أو تكاد.
عدا ذلك ستجدنا فعلا "خير" أمة أخرجت للناس ذات تخلف، تأمر بالتطرف، وتنهى عن العلم والتقدم، وترى الشر محيطا بها من كل جانب أتتها منه أمور لاتعرفها، فالمرء عدو مايجهل، ومشكلتها هي أننا نجهل كل شيء ماجعلنا في الختام أعداء كل شيء، وهذه حالة لاتوصف حقا إلا بحالة الموت والله أعلم على كل حال. و"سمحو لينا على الديرانجمون" في كل الأحوال.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
تعيش العيون مثل بوعرفة تماما حالتي غليان اجتماعي مفهومتين فالغلاء يقبض بيده من حديد على رقاب الناس، والأجور الهزيلة التي يتقاضاها المغاربة في أغلبهم غير قادرة على الاستجابة لاحتياجات هذا الزمان، سوى أن المشكل بين العيون وبوعرفة يختلف تماما.
ففي العيون لدينا انفصاليون يرغبون في تسييس هذا الغليان الاجتماعي وتصويره باعتباره أمرا له علاقة لما يقع في تندوف والحق أنه غليان يشبه غليانا. علينا نحن فقط أن لانقع في الفخ
لاأجد الجواب، ولكنني أجد التفسير في غياب هذا النوع من البرامج عن تلفزيوننا لكثير المشاكل التي نحياها على مستوى تواصلنا فيما بيننا، وعلى مستوى تقبلنا أو فهمنا لكثير من الأمور الإبداعية التي قد تقع في بلدنا.
طبعا لست حالما ولا واهما، وأعرف أننا بلد يعيش بقسط أمية كبير تحافظ عليه الطبقة الستفيدة بكل ماأوتيت من قوة لأنه سبب بقائها في "بلاصتها"، لكنني في الوقت ذاته غير قادر على منع نفسي من المقارنة، وغير قادر على عدم التحسر على المآل الذي يراد لشعبنا في هذا المجال: مآل التجهيل، والدفع نحو التافه من الأمور وتصويرنا جميعا باعتبارنا أناسا نهتم فقط بما نزدرده وونهضمه ثم نرسله، أي أناسا لافارق بيننا وبين الحيوانات إلا في بعض الفاصيل القليلة التي لاتقيم فارقا حقيقيا في نهاية المطاف.
وبنفس الحماس نتابع جميعا النقاش الدائر في فرنسا بين نقاباتها وبين حكامها حول قانون رفع سن التقاعد، ونرى كيف أن الصغار من أبناء الرابعة عشرة والخامسة عشرة قد نزلوا إلىالشارع يبحثون عن معركتهم الشخصية التي سيؤثثون بها القادم من الآيام، مثلما أسس أسلافهم لمعركتهم الشخصية ذات ماي 1968 ، وأسمع للطبقة السياسية الفرنسية كلها يمينا ويسارا وهي تتحدث عن معركة الشارع الفرنسي مع رئيسه ومع حكومته، ونتابع النقاش الحيوي الدائر هناك، فننقل - لعن الله البارابول الذي فتح أعيننا هكذا - النقاش إلى البلد، ونبحث عن شخص واحد قادر على أن يقوده فلانجد إلا ضبابا كبيرا، ورغبة في تعويم كل شيء، وعدم قدرة على فتح أي ملف من أجل مناقشته.
حالة موت حقيقية، لا مثقفون يشغلون بالهم بما يهم شعبهم، فينتفضون ضد حالة الركود ويبحثون عن السبل الملائمة لمس الناس وإعادة نبض الحياة لهم، لا صحافيون يمتلكون فعلا الحاسة اللازمة للضرب حيث يوجع الألم الصحفي، والبحث عن مواضيع تنقذ الناس من حالة السب الشاملة التي اعترت الوطن، ولا طبقة سياسية قادرة أن تعطينا الإحساس أنها طبقة فعلا، وأنها سياسية ثانيا، ولا فنانون يشغلون البال هم الآخرون بالبحث عن الجديد المفيد لإبداعنا وذائقتنا وحسنا الفني، بل الأنكى والأمر لارياضيون يرفعون معك وبك "المورال" قليلا، ويرفعن راية البلد في محفل دولي أو إثنين ننسى بهم بؤس انهزامنا الكامل.
كل م في الأمر غرفة كبرى إسمها المغرب، تحيا الليل والنهار بطولهما علي إيقاع السيار اليومي المبتذل، تعيش "آوجور لوجور" مثلما يقول الفرنسيون، وشعارها "كل نهار برزقو" و"يدوز هاد النهار ومن بعد يحن الله". هله هي صورة متشائمة "بزاف"؟
لاأدري، وأعرف أنني أبعد الناس عن التشاؤم في هذا البلد، لكن المقارنة الظالمة لعنها الله تدفع العقل إلى شواطئه الأكثر تطرفا، وتحث عليه بالسؤال "علاش الخرين وحنا لا؟":
قديما قالها الكواكبي وشبع العرب منه ضحكا يوم طرح السؤال "لماذا تقدم الآخرون وتخلفنا نحن؟" قبل أن يجيب في طبائع الاستبداد أن "الاستبداد أس كل بلية" لكن الأجداد لم يسمعوا له مثلما لم يسممع له من أتوا بعدهم، فحولنا القولة إلى "المعدة أصل كل داء"، وجعلنا من الأكل الشرب وبقية العادات الحيواينية الأولى مبلغ علمنا الأخير، ماحولنا إلى هذه الكا'نات الصعب توصيفها اليوم.
ومع ذلك لامفر من قليل أمل لئلا نعتنق مذهب الموت حلا لكل هذا البوار. هناك بالتأكيد حل ما لكل هذا، هناك منفذ علينا أن نسلكه لكي نخرج من هذه الحالة التي لاتسر عدوا ولا صديقا، وعلى مايبدو لن يكون المرج إلا من بواب مابدأنا به هذا العمود: أن نعود للقراءة جميعا، أن نقلد السابقين في عصور انحطاطهم حين فهموا أن الل هو أن يترجموا وأن يزدردوا الكتب والمؤلفات، وأن يعيدوا بناء شخصيتهم الثقافية والحضارية من جديد، لأن الشخصية الثقافية والحضارية القديمة ماتت أو تكاد.
عدا ذلك ستجدنا فعلا "خير" أمة أخرجت للناس ذات تخلف، تأمر بالتطرف، وتنهى عن العلم والتقدم، وترى الشر محيطا بها من كل جانب أتتها منه أمور لاتعرفها، فالمرء عدو مايجهل، ومشكلتها هي أننا نجهل كل شيء ماجعلنا في الختام أعداء كل شيء، وهذه حالة لاتوصف حقا إلا بحالة الموت والله أعلم على كل حال. و"سمحو لينا على الديرانجمون" في كل الأحوال.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
تعيش العيون مثل بوعرفة تماما حالتي غليان اجتماعي مفهومتين فالغلاء يقبض بيده من حديد على رقاب الناس، والأجور الهزيلة التي يتقاضاها المغاربة في أغلبهم غير قادرة على الاستجابة لاحتياجات هذا الزمان، سوى أن المشكل بين العيون وبوعرفة يختلف تماما.
ففي العيون لدينا انفصاليون يرغبون في تسييس هذا الغليان الاجتماعي وتصويره باعتباره أمرا له علاقة لما يقع في تندوف والحق أنه غليان يشبه غليانا. علينا نحن فقط أن لانقع في الفخ
الأربعاء، 20 أكتوبر 2010
تصرفيقة فلسطينية !
صفعة حقيقية وجهها جلالة الملك لكل المزايدين على دفاع المغاربة عن قضية فلسطين ممن تلقفوا الخبر القائل بأن جلالته سيستقبل الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز . الموقف الملكي كان واضحا للغاية: مرحبا ببيريز في المغرب...لكن بعد وقف بناء المستوطنات.
موقف ينخرط فيه المغرب باستمرار، ويؤكد تناغمه مع ذاته باعتباره بلدا يؤمن بأن السلام هو الحل لقضية الصراع في الشرق الأوسط مهما علا صوت السلاح وتجبر، لكن المؤمن أيضا أن على إسرائيل أن لاتساعد المتطرفين في الجانب الفلسطيني على إضعاف القدرات التفاوضية للسلطة الوطنية الشرعية في فلسطين التي تجد نفسها وحيدة ومعزولة في وجه كل مايقع للقضية الفلسطينية من تطورات.
وقد أدهشني فعلا موقف أحد الأصدقاء وفتح عيني على حقيقة تاريخية لاأعتقد أننا في المغرب فكرنا فيها يوما وهي المتعلقة بموقف الفلسطينيين منا ومن الاحتلال الموجود في بلدنا. قال لي ذلك الصديق "تخيل، أننا لم نسمع في يوم من الآيام أي تشكيل من التشكيلات السياسية الفلسطينية يعبر عن تضامنه مع المغرب في وجه الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية". بقيت صامتا أتأمل وجه ذلك الصديق، قبل أن يضيف "بل إنهم لم يتجرؤوا أبدا على معارضة الجزائر فيما تفعله بالمغرب في صحرائه، ولم يفتحوا فمهم يوما لكي يقولوا لحكام الجار إن ماتفلعونه بالمغرب سيء للغاية، ويدل على أنكم لاتريدون مغربا عربيا هادئا في يوم من الأيام".
اختلقت الكثير من الأعذار لكي أرد على ذلك الصديق نها أن الفلسطينيين مشغولون بما هو أهم، أي تحرير أرضهم، وبعدها لكل حادث حديث، ومنها أننا لايمكن أن نطالب شعبا يموت كل يوم عشرات المرات على يد إسرائيل بأن يتضامن مع شعب يعيش في أرضه بهناء وطمأنينة، ومنها أننا إذا أردنا أن نطاع علينا أن نأمر بما يستطاع، وواضح هنا أن الإخوة في فلسطين ليست لديهم القدرة - خصوصا في تاريخ وزمان آخرين - على قول لا للجزائر التي كانت تحتضن مؤتمرات منظمتهم، وكانت تعطيهم الكثير من المال.
ذكرني صديقي أن بيت مال القدس الذراع المالي لوكالة القدس هو الجهة الوحيدة لتي بقيت منتظمة في أداء الواجبات لصالح فلسطين، وأن الاعتراف أتى من طرف الأعداء قبل الأصدقاء بأن المغرب لم يمل ولم يكل من مساندة الكفح الفلسطيني، وأنه بقي البلد الوحيد عربيا الذي لم يربط يوما بين مزايدات سياسية وبين دعم لامشروط للعشب الفلسطيني ونضاله العادل. وفعلا أفحمني ذلك الصديق ووجدتني أردد الكلام المغربي الشهير "حنا المغاربة دايرين بحال هاكا، ماعندنا مانديرو".
كلام لم يمنعني بعد فراق ذلك الصديق من التفكير مليا فيما قاله، وتذكر ذلك الخطاب الشهير للراحل الحسن الثاني عن الفلسطينيين يوم اصطفوا إلى جانب الليبيين والجزائريين ونددوا بالمغرب (الدولة التي استضافتهم ورحبت بهم دون منة أوتفضل) ويومها قالها الحسن لثاني رحمه الله مدوية وكان يقصد بها أبا عمار رحمه الله هو الآخر "اللي عاود ذكر ليا الفلسطينيين..." والتتمة يتذكرها من استمعوا لذلك الخطاب أو من تابعوا قليلا من التاريخ المرتبط به.
تذكرت أيضا عدد المزايدات الفارغة التي أدخل إليها الكثيرون بلدنا باتهامه بالتطبيع السري مع إسرائيل، واتهامه بالتعاون معها لإدخالها إلى العالم العربي، واتهامه بأنه سبب كثير البلاءات التي مست الجسم الفلسطيني رغم أننا بعيدون جدا عن فلسطين وكان من الممكن أن نمثل دور من لايسمعون عنها إلا في نشرات الأخبار بين الفينة والأخرى، لكن المغرب اختار الحل الأصعب فعلا: أن يكف عن التفرج في الدم الفلسطيني وهو يسيل وأن يبذل قصارى جهده لكي يجد لهذه القضية حلا سليما هو الذي يدوم في نهاية المطاف.
طبعا هناك محترفو "الغوات" من عبدة المظاهرات الذين يتمنون أن لاتتوقف نافورة الدم الفلسطيني عن السيلان، والذين يعتبرون فلسطين رسما تجاريا يزايدون به على الجميع كل مرة. هؤلاء لايريدون حلا سلميا لأنهم لايتصورون شكلهم بعد حل قضية فلسطين، لايعرفون أي شعار سيحملونه حينها، وأي صراخ سينخرطون فيه، مثلما لايتخيلون وجود العالم دون قضية بعيدة عنهم لايتضررون من آثارها المدمرة لكنهم يستغلونها لكي يبقوا على قيد الحياة السياسية.
هؤلاء و أمثالهم وهم موجودون لدينا في المغرب ومنتشرون في كل مكان من العالم العربي، وقد وجد الرئيس الفلسطيني أبو مازن الرد المفحم عليهم في قمة سرت الأخيرة حين خاطب الرئيس السوري بشار الأسد الذي يدعي أنه يقود تيار "الممانعة" وقال له في صفعة فعلية "إذا كانت الدول العربية تريد الحرب فلتعلنوها ونحن سنكون معكم، لكن رجاء لاتقاتلوا بنا، كفاكم قتلا لنا"
فعلا ماأحوج شعبنا الفلسطيني اليوم لقولها للكثيرين "لاتقاتلوا بنا وكفاكم قتلا لنا". أيها الكاذبون
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
من رأوا لقاء الترجي التونسي والأهلي المصري والمجزرة التحكيمية التي حدثت فيه وأهدت للترجي تأهلا غير مستحق للنهاية ومن رأوا الحكم الذي قاد لقاء الفت الرباطي والصفاقسي التونسي وهو يختال في الملعب "بكرشه الكبيرة" ويجد صعوبات كبرى في متابعة أطوار المباراة أو الوقوف قرب الموقع الذي توجد فيه الكرة، فهموا أن مسارات كبرى تنتظر الكرة في قارتنا الإفريقية من أجل العثور على موطئ قدم في الخارطة الكروية العالمية.
سنظل لسنوات مقبلة منجما لتصدير المواهب الكروية للآخرين، فقط لاغير، وهذا بفضل مافيا السيد عيسى حياتو ومن معه. هكذا وبكل اختصار
موقف ينخرط فيه المغرب باستمرار، ويؤكد تناغمه مع ذاته باعتباره بلدا يؤمن بأن السلام هو الحل لقضية الصراع في الشرق الأوسط مهما علا صوت السلاح وتجبر، لكن المؤمن أيضا أن على إسرائيل أن لاتساعد المتطرفين في الجانب الفلسطيني على إضعاف القدرات التفاوضية للسلطة الوطنية الشرعية في فلسطين التي تجد نفسها وحيدة ومعزولة في وجه كل مايقع للقضية الفلسطينية من تطورات.
وقد أدهشني فعلا موقف أحد الأصدقاء وفتح عيني على حقيقة تاريخية لاأعتقد أننا في المغرب فكرنا فيها يوما وهي المتعلقة بموقف الفلسطينيين منا ومن الاحتلال الموجود في بلدنا. قال لي ذلك الصديق "تخيل، أننا لم نسمع في يوم من الآيام أي تشكيل من التشكيلات السياسية الفلسطينية يعبر عن تضامنه مع المغرب في وجه الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية". بقيت صامتا أتأمل وجه ذلك الصديق، قبل أن يضيف "بل إنهم لم يتجرؤوا أبدا على معارضة الجزائر فيما تفعله بالمغرب في صحرائه، ولم يفتحوا فمهم يوما لكي يقولوا لحكام الجار إن ماتفلعونه بالمغرب سيء للغاية، ويدل على أنكم لاتريدون مغربا عربيا هادئا في يوم من الأيام".
اختلقت الكثير من الأعذار لكي أرد على ذلك الصديق نها أن الفلسطينيين مشغولون بما هو أهم، أي تحرير أرضهم، وبعدها لكل حادث حديث، ومنها أننا لايمكن أن نطالب شعبا يموت كل يوم عشرات المرات على يد إسرائيل بأن يتضامن مع شعب يعيش في أرضه بهناء وطمأنينة، ومنها أننا إذا أردنا أن نطاع علينا أن نأمر بما يستطاع، وواضح هنا أن الإخوة في فلسطين ليست لديهم القدرة - خصوصا في تاريخ وزمان آخرين - على قول لا للجزائر التي كانت تحتضن مؤتمرات منظمتهم، وكانت تعطيهم الكثير من المال.
ذكرني صديقي أن بيت مال القدس الذراع المالي لوكالة القدس هو الجهة الوحيدة لتي بقيت منتظمة في أداء الواجبات لصالح فلسطين، وأن الاعتراف أتى من طرف الأعداء قبل الأصدقاء بأن المغرب لم يمل ولم يكل من مساندة الكفح الفلسطيني، وأنه بقي البلد الوحيد عربيا الذي لم يربط يوما بين مزايدات سياسية وبين دعم لامشروط للعشب الفلسطيني ونضاله العادل. وفعلا أفحمني ذلك الصديق ووجدتني أردد الكلام المغربي الشهير "حنا المغاربة دايرين بحال هاكا، ماعندنا مانديرو".
كلام لم يمنعني بعد فراق ذلك الصديق من التفكير مليا فيما قاله، وتذكر ذلك الخطاب الشهير للراحل الحسن الثاني عن الفلسطينيين يوم اصطفوا إلى جانب الليبيين والجزائريين ونددوا بالمغرب (الدولة التي استضافتهم ورحبت بهم دون منة أوتفضل) ويومها قالها الحسن لثاني رحمه الله مدوية وكان يقصد بها أبا عمار رحمه الله هو الآخر "اللي عاود ذكر ليا الفلسطينيين..." والتتمة يتذكرها من استمعوا لذلك الخطاب أو من تابعوا قليلا من التاريخ المرتبط به.
تذكرت أيضا عدد المزايدات الفارغة التي أدخل إليها الكثيرون بلدنا باتهامه بالتطبيع السري مع إسرائيل، واتهامه بالتعاون معها لإدخالها إلى العالم العربي، واتهامه بأنه سبب كثير البلاءات التي مست الجسم الفلسطيني رغم أننا بعيدون جدا عن فلسطين وكان من الممكن أن نمثل دور من لايسمعون عنها إلا في نشرات الأخبار بين الفينة والأخرى، لكن المغرب اختار الحل الأصعب فعلا: أن يكف عن التفرج في الدم الفلسطيني وهو يسيل وأن يبذل قصارى جهده لكي يجد لهذه القضية حلا سليما هو الذي يدوم في نهاية المطاف.
طبعا هناك محترفو "الغوات" من عبدة المظاهرات الذين يتمنون أن لاتتوقف نافورة الدم الفلسطيني عن السيلان، والذين يعتبرون فلسطين رسما تجاريا يزايدون به على الجميع كل مرة. هؤلاء لايريدون حلا سلميا لأنهم لايتصورون شكلهم بعد حل قضية فلسطين، لايعرفون أي شعار سيحملونه حينها، وأي صراخ سينخرطون فيه، مثلما لايتخيلون وجود العالم دون قضية بعيدة عنهم لايتضررون من آثارها المدمرة لكنهم يستغلونها لكي يبقوا على قيد الحياة السياسية.
هؤلاء و أمثالهم وهم موجودون لدينا في المغرب ومنتشرون في كل مكان من العالم العربي، وقد وجد الرئيس الفلسطيني أبو مازن الرد المفحم عليهم في قمة سرت الأخيرة حين خاطب الرئيس السوري بشار الأسد الذي يدعي أنه يقود تيار "الممانعة" وقال له في صفعة فعلية "إذا كانت الدول العربية تريد الحرب فلتعلنوها ونحن سنكون معكم، لكن رجاء لاتقاتلوا بنا، كفاكم قتلا لنا"
فعلا ماأحوج شعبنا الفلسطيني اليوم لقولها للكثيرين "لاتقاتلوا بنا وكفاكم قتلا لنا". أيها الكاذبون
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
من رأوا لقاء الترجي التونسي والأهلي المصري والمجزرة التحكيمية التي حدثت فيه وأهدت للترجي تأهلا غير مستحق للنهاية ومن رأوا الحكم الذي قاد لقاء الفت الرباطي والصفاقسي التونسي وهو يختال في الملعب "بكرشه الكبيرة" ويجد صعوبات كبرى في متابعة أطوار المباراة أو الوقوف قرب الموقع الذي توجد فيه الكرة، فهموا أن مسارات كبرى تنتظر الكرة في قارتنا الإفريقية من أجل العثور على موطئ قدم في الخارطة الكروية العالمية.
سنظل لسنوات مقبلة منجما لتصدير المواهب الكروية للآخرين، فقط لاغير، وهذا بفضل مافيا السيد عيسى حياتو ومن معه. هكذا وبكل اختصار
الاثنين، 18 أكتوبر 2010
واش ممكن نتناقشو؟
لم أستغرب كثيرا حجم وحدة الردود التي صاحبت مقال "أحرار ولكن" (عدد الخميس الفارط), لأنني مقتنع تمام الاقتناع أن التيار الغالب في المغرب اليوم ليس هو التيار الظلامي, أو الإخواني أو المتطرف, ولكنه التيار الغبي, الذي يردد كلاما دون أن يفقه أي معنى من معانيه. وبمجرد مارأيت مقال "أحرار ولكن" - الذي خصصناه للدفاع عن الفنانة لطيفة أحرار وحريتها في تقديم فنها بالشكل الذي تريده دون وصاية متخلفة من أحد - وقد وضع في موقع "هسبريس" من طرف "أصدقاء" أستغل الفرصة لكي أشكرهم على "تقديرهم" المبالغ فيه لشخصي المتواضع, حتى علمت أن آلة الشتم ستشتغل من جديد, وأنها لن تترك فردا من أسرنا المسكينة لن تطاله برداءتها.
ومع ذلك لابأس. لنقل إنها ضريبة الحديث بلغة غير تلك التي يحب القطيع سماعها, ولسنا مستعدين لتغيير الديدن في هذه المسألة تحديدا, ولسنا ممن يداعبون "بنادم" في اتجاه الزغب أبدا. نحن نعتبر أن مهمة الرأي هي أن يكون حقيقيا, وصادما, وحرا, وجريئا, عساه يحرك العقول النائمة, ويخرجها من كسلها ولو بالسب والشتم. الأساس هو أن تتحرك قليلا, وأن تشغل المادة الرمادية التي لاتشك أنها موجودة بالفعل داخل دماغها. لذلك مجددا لابأس بكل السب والتجريح الذي قرأناه, ونكتفي مثلما يوصينا بذلك ديننا الحنيف بقول "سلاما" في وجه كل الجاهلين الذين خاطبونا.
سلام لايمنعنا مجددا من العودة إلى نص الموضوع وفكرته الرئيسية: من يخاف حرية الفن في المغرب اليوم؟ ومن يريد أن يوهم المغاربة أن أي جرأة فنية في إبداعهم هي رغبة في النيل من الهوية, ومؤامرة من جهات مختلفة لمس دينهم والإساءة إليه؟
واهم من سيظن أن الآلية التي تحركت ضد لطيفة أحرار في عرضها الأخير "كفر ناعوم" هي ألية اعتباطية حركتها غيرة بضعة معلقين في الأنترنيت هنا وهناك على مااعتبروه شرفهم المشترك كمغاربة. لو كان الأمر هكذا لهان, ولقلنا إنها حرية تعبير علينا احترامها فعلا, وهي إشارة من مجتمعنا لما يريده ويقبله, وعلينا أن نتحرك مستقبلا وفقها إما بالاقتناع أننا سنجلب علينا كل اللعنات إذا ما سرنا ضدها, وإما بتغيير الفكر والنظرية والالتحاق بالتيار القطيعي الذي يتحدث باسم المجتمع دون أن يكلفه هذا الأخير بهذا الأمر أبدا.
المسألة أعقد وأخطر بكثير. المسألة مرتبطة بتوجيه عام للشكل الذي ينبغي أن يكون عليه مجتمعنا في نظر جهات معينة. فيها من ينتمي لتيار الإسلام السياسي, وهو بالتالي يهيء لمستقبل البلد به, ويجب أن يقتل إن فعليا أو رمزيا كل من يشكلون النقيض له. وفيها المتسترون وراء جهات داخل الممسكين بزمام السلطة ممن يتساءلون عن هذه الجرأة التي يعيشها فننا المغربي, وأين ستقف بالتحديد, مدركين ولا شك أن من تجرأ على مساءلة التوافق الجنسي الكاذب في مجتمع يعاني من كل الأمراض المرتبطة بهذا المجال (من الاغتصاب إلى زنا المحارم مرورا بكل ماتريدونه من مظاهر الأعطاب الجنسية), ومن ساءل التدين المظهري السائد والمبني على النفاق في مجمله (من صلاة التراويح المراسيمية إلى احترام "ربعين يوم ديال شعبان" قبل شهر الصيام) سيسائل بكل تأكيد الفراغات السياسية الكثيرة الموجودة في البلد.
لذلك يبدو لهؤلاء أن إيقاف النقاش عند هذا الحد: حد سب من يعبرون عن رأي مخالف, واتهامهم بأنهم "ملاحدة زنادقة, والتلويح بارتباطهم بأجندات غربية أو أجنبية", كافيا لقتل النقاش في مهده تخوفا من أن يصبح كل هذا النقاش حوارا مجتمعيا فعليا حول شكل ديننا وجنسنا وسياستنا, وحول هذا الثالوث المقدس الذي يراد له أن يظل على وضعه الحالي دون أدنى مساس به, لأن في بقائه بالشكل الراهن بقاءا لكل المستفيدين منه.
وإذا كان لمسرحية "كفر ناعوم" من حسنة فهي حسنة فتح هذا النقاش بهذه الحدة اليوم. ولقد كنت مقتنعا على الدوام أن صورة ممثلة شبه عارية في مسرحية ستكون أكثر قدرة على إثارة النقاش في مجتمعنا من مئات المحاضرات والمقالات التي قد نكتبها أو نلقيها في تجمعات محدودة. لذلك أعتبر الفرصة ذهبية فعلا لنقاش حقيقي حول حرية الفن في بلدنا, وحول المسموح به فيه, وحول الممنوع أو الحرام أو المحرم . وأتمنى فعلا من الإخوة المعارضين أن يذهبوا إلى قرارة تفكيرهم وأن يعبروا عن تصورهم لهذه الحرية, وهل يريدون لها بعض الحدود المفهومة, أم يريدون إبادتها كلية.
سنفترض استمرار وجود بعض العقلاء معنا, وسنفترض أن الدعوة لنقاش مثل هذا في زمننا المغربي ليست ترفا لانستحقه, وسننتظر أن نقرأ في هذه الجريدة أو في مواقع الأنترنيت "الصديقة والشقيقة" أو في جرائد أخرى أفكارا تناقش "حرية الفن في المغرب اليوم", وتقنعنا أن المغاربة لازالوا قادرين على النقاش مهما بدا ذلك مستحيلا.
هذا هو الأهم في نظري المتواضع "بزاف", أما الشتائم فمثلما يقول زعيم الكوميديا العربية عادل إمام في "الواد سيد الشغال" ضاحكا: "على العموم, الشتيمة بتلف بتلف وبترجع لصاحبها". "هادا ماكان آلخوت".
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
أرسلت الجزيرة زميلينا أنس بنصالح ومحمد البقالي على التوالي إلى لبنان والسودن حسبما أخبرتنا بذلك جريدة "أخبار اليوم المغربية". إرسال يأتي لكي يضع حدا للصراع الذي جمع الصحافيين مع الدولة المغربية بسبب تصورهما لطبيعة العمل الصحفي، وبسبب عدم رضا وزارة الاتصال على مايقوم به الصحافيان خصوصا بنصالح الذي أثارت مشاركته في ندوة حول الإعلام باعتباره ناشطا السؤال حول التداخل بين مهمته كمراسل لقناة وبين صفته الجديدة كحقوقي.
"فصل السلط" لم يعد مطلبا يوجه إلى الدولة، بل أضحى مطلبا يوجه إلينا جميعا.
ومع ذلك لابأس. لنقل إنها ضريبة الحديث بلغة غير تلك التي يحب القطيع سماعها, ولسنا مستعدين لتغيير الديدن في هذه المسألة تحديدا, ولسنا ممن يداعبون "بنادم" في اتجاه الزغب أبدا. نحن نعتبر أن مهمة الرأي هي أن يكون حقيقيا, وصادما, وحرا, وجريئا, عساه يحرك العقول النائمة, ويخرجها من كسلها ولو بالسب والشتم. الأساس هو أن تتحرك قليلا, وأن تشغل المادة الرمادية التي لاتشك أنها موجودة بالفعل داخل دماغها. لذلك مجددا لابأس بكل السب والتجريح الذي قرأناه, ونكتفي مثلما يوصينا بذلك ديننا الحنيف بقول "سلاما" في وجه كل الجاهلين الذين خاطبونا.
سلام لايمنعنا مجددا من العودة إلى نص الموضوع وفكرته الرئيسية: من يخاف حرية الفن في المغرب اليوم؟ ومن يريد أن يوهم المغاربة أن أي جرأة فنية في إبداعهم هي رغبة في النيل من الهوية, ومؤامرة من جهات مختلفة لمس دينهم والإساءة إليه؟
واهم من سيظن أن الآلية التي تحركت ضد لطيفة أحرار في عرضها الأخير "كفر ناعوم" هي ألية اعتباطية حركتها غيرة بضعة معلقين في الأنترنيت هنا وهناك على مااعتبروه شرفهم المشترك كمغاربة. لو كان الأمر هكذا لهان, ولقلنا إنها حرية تعبير علينا احترامها فعلا, وهي إشارة من مجتمعنا لما يريده ويقبله, وعلينا أن نتحرك مستقبلا وفقها إما بالاقتناع أننا سنجلب علينا كل اللعنات إذا ما سرنا ضدها, وإما بتغيير الفكر والنظرية والالتحاق بالتيار القطيعي الذي يتحدث باسم المجتمع دون أن يكلفه هذا الأخير بهذا الأمر أبدا.
المسألة أعقد وأخطر بكثير. المسألة مرتبطة بتوجيه عام للشكل الذي ينبغي أن يكون عليه مجتمعنا في نظر جهات معينة. فيها من ينتمي لتيار الإسلام السياسي, وهو بالتالي يهيء لمستقبل البلد به, ويجب أن يقتل إن فعليا أو رمزيا كل من يشكلون النقيض له. وفيها المتسترون وراء جهات داخل الممسكين بزمام السلطة ممن يتساءلون عن هذه الجرأة التي يعيشها فننا المغربي, وأين ستقف بالتحديد, مدركين ولا شك أن من تجرأ على مساءلة التوافق الجنسي الكاذب في مجتمع يعاني من كل الأمراض المرتبطة بهذا المجال (من الاغتصاب إلى زنا المحارم مرورا بكل ماتريدونه من مظاهر الأعطاب الجنسية), ومن ساءل التدين المظهري السائد والمبني على النفاق في مجمله (من صلاة التراويح المراسيمية إلى احترام "ربعين يوم ديال شعبان" قبل شهر الصيام) سيسائل بكل تأكيد الفراغات السياسية الكثيرة الموجودة في البلد.
لذلك يبدو لهؤلاء أن إيقاف النقاش عند هذا الحد: حد سب من يعبرون عن رأي مخالف, واتهامهم بأنهم "ملاحدة زنادقة, والتلويح بارتباطهم بأجندات غربية أو أجنبية", كافيا لقتل النقاش في مهده تخوفا من أن يصبح كل هذا النقاش حوارا مجتمعيا فعليا حول شكل ديننا وجنسنا وسياستنا, وحول هذا الثالوث المقدس الذي يراد له أن يظل على وضعه الحالي دون أدنى مساس به, لأن في بقائه بالشكل الراهن بقاءا لكل المستفيدين منه.
وإذا كان لمسرحية "كفر ناعوم" من حسنة فهي حسنة فتح هذا النقاش بهذه الحدة اليوم. ولقد كنت مقتنعا على الدوام أن صورة ممثلة شبه عارية في مسرحية ستكون أكثر قدرة على إثارة النقاش في مجتمعنا من مئات المحاضرات والمقالات التي قد نكتبها أو نلقيها في تجمعات محدودة. لذلك أعتبر الفرصة ذهبية فعلا لنقاش حقيقي حول حرية الفن في بلدنا, وحول المسموح به فيه, وحول الممنوع أو الحرام أو المحرم . وأتمنى فعلا من الإخوة المعارضين أن يذهبوا إلى قرارة تفكيرهم وأن يعبروا عن تصورهم لهذه الحرية, وهل يريدون لها بعض الحدود المفهومة, أم يريدون إبادتها كلية.
سنفترض استمرار وجود بعض العقلاء معنا, وسنفترض أن الدعوة لنقاش مثل هذا في زمننا المغربي ليست ترفا لانستحقه, وسننتظر أن نقرأ في هذه الجريدة أو في مواقع الأنترنيت "الصديقة والشقيقة" أو في جرائد أخرى أفكارا تناقش "حرية الفن في المغرب اليوم", وتقنعنا أن المغاربة لازالوا قادرين على النقاش مهما بدا ذلك مستحيلا.
هذا هو الأهم في نظري المتواضع "بزاف", أما الشتائم فمثلما يقول زعيم الكوميديا العربية عادل إمام في "الواد سيد الشغال" ضاحكا: "على العموم, الشتيمة بتلف بتلف وبترجع لصاحبها". "هادا ماكان آلخوت".
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
أرسلت الجزيرة زميلينا أنس بنصالح ومحمد البقالي على التوالي إلى لبنان والسودن حسبما أخبرتنا بذلك جريدة "أخبار اليوم المغربية". إرسال يأتي لكي يضع حدا للصراع الذي جمع الصحافيين مع الدولة المغربية بسبب تصورهما لطبيعة العمل الصحفي، وبسبب عدم رضا وزارة الاتصال على مايقوم به الصحافيان خصوصا بنصالح الذي أثارت مشاركته في ندوة حول الإعلام باعتباره ناشطا السؤال حول التداخل بين مهمته كمراسل لقناة وبين صفته الجديدة كحقوقي.
"فصل السلط" لم يعد مطلبا يوجه إلى الدولة، بل أضحى مطلبا يوجه إلينا جميعا.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)