تلقينا خبر تعيين جون مالكوفيتش رئيسا للجنة تحكيم المهرجان الدولي للفيلم بمراكش عن طريق الصحافة الأجنبية, وبالتحديد عن طريق صحافيين فرنسيين اتصل بهم مسؤولون عن المهرجان وأعطوهم هذا السبق لكي يهتموا به في صحفهم. الجميل أو المحزن أو الطريف أو المثير للسخرية هو أن الصحافيين الأجانب الذين تلقوا الخبر لم يحتفوا به إطلاقا, بل اعتبروه عاديا وأدرجوه في صفحاتهم الداخلية معتبرين أنه خبر عادي عن مهرجان ينظم في المغرب والسلام.
السؤال اللامفر منه الآن هو : لماذا يلجأ مسؤولو الاتصال في مهرجاناتنا الفنية الكبرى إلى هذا التعامل مع صحافتنا الوطنية؟ جميعنا مر في يوم من الأيام من مهرجان سينمائي عالمي أو عربي, وجميعنا شاهد كيف يتعامل مسؤولو تلك المهرجانات مع صحافة البلد أولا, ثم مع الصحافة الأجنبية ثانيا. في كان مثلا التي تحتضن أكبر تجمع سينمائي عالمي كل شهر ماي من كل سنة عبر مهرجانها الدولي, لايمكن أن تتخيل انعقاد المهرجان دون أن تكون للقنوات الفرنسية الأولوية في الوصول إلى كل المعلومات والأخبار المتعلقة بذلك المهرجان. لايمكن أيضا تخيل انعقاد الحدث دون أن تكون للجرائد والمجلات الفرنسية أولا وبعدها يأتي الأمريكان والقادمون من كل مكان في العالم الأسبقية في الحصول على الخبر المتعلق بالمهرجان.
الأمر ذاته ينطبق على المهرجان السينمائي الدولي بالقاهرة لئلا يقال لنا إننا نقارن مراكش بكان, والعياذ بالله من المقارنات الظالمة. المصريون أولا, وصحافة الأشقاء قبل الكل ثم يأتي الدور بعدها على الصحافة العربية والصحافة الأجنبية. بل إن مهرجانات صغرى ولدت بعد مهىجان مراكش بكثير مثل أبو ظبي أو دبي تحرص هي الأخرى على أن تكون لصحافة البلد المنظم الأسبقية في كل شيء يهم المهرجان, وليس في الأمر أي سر أو شوفينية أو تعصب للبلد.
المسألة ومافيها هي أن اهتمام صحافة البلد بالحدث الذي يحتضنه البلد هو اهتمام مفهوم, ولن تهتم صحافة أي بلد آخر مهما استدعينا صحافييها, ومهما "أكرمناهم" بذلك الحدث أكثر من الصحافة المحلية مهما "بهدلنا" هذه الصحافة المحلية. الأمر له علاقة بأولويات كل صحافة. فبالنسبة للفرنسيين مثلا الذين يأتون إلى مراكش كل سنة, المهرجان لايعدو كونه فرصة "للديبيزمون" أو تغيير الجو مثلما يقولون هم باستمرار.
قلة قليلة منهم تتعامل مع المهرجان باعتباره فرصة لمراجعة حقيقية لشكل المهرجانات السينمائية التي تنظم في العالم العربي أو إفريقيا, وقلة قليلة تؤمن أن المهرجان يحمل في طياته بوادر مهرجان سينمائي حقيقي. الأغلبية تعتبر الدورة نشاطا سياحيا لايختلف في شيء عن موسم إملشيل للزواج أو عن تظاهرة للإبل أو تربية الماعز في الجبال. علينا فعلا أن نفهم هذا الأمر, وأن يتوقف مسؤولو الاتصال في مهرجاناتنا _ وعلى رأسها المهرجان الأكبر والأهم أي مهرجان مراكش _ عن التعامل مع صحافتنا المحلية باعتبارها صحافة تأتي لكي تستجدي "العراضات" في مهرجان مراكش, مع الصحافة الأجنبية على أساس أنها الصحافة التي تستطيع تقديم كل العون والمساعدة للمهرجان.
ومع ذلك "هضرو فينا وآجيو علينا" فالسنة الماضية أحسست بإحساس رديء عندما علمت أن كل الضيوف المغاربة للمهرجان تم إجبارهم على توقيع ورقة يلتزمون فيها بأداء فواتير مايأكلونه وأساسا مايحتسونه في غرفهم من أكل وشراب خارج عن مصاريف الفندق التي تتكلف بها إدارة المهرجان مما يعرف ب"الإكسترا". رفضت التوقيع على هذه الورقة لأنني أقوم بالمسألة آليا في كل فندق أنزل فيه سواء كنت مدعوا أم لا, ولم أر أي داع يجعلني أقبل إهانة مثل هاته, لكن تفسيرات المسؤولة عن الاستقبال أقنعتني بعذ ذلك وهي تحكي لي العشرات من الحكايات عن صحافيين "مرموقين" وفنانين مشاهير يهربون قبل اليوم الختامي من المهرجان لئلا يؤدوا فاتورة "ويسكياتهم وقناني جعتهم" التي يزدردونها في غرفهم.
تعامل مثل هذا يدفع دفعا إلى احتقار صحافتنا المحلية, ويجعل صورتها في الحضيض أكثر وأكثر, لكن هذا الأمر تتحمل مسؤوليته الأولى والأخيرة إدارة المهرجان التي تعتمد أيا كان لتغطية فعالياته, دون أن تطلب منه على الأقل ثلما تفعل المهرجانات العالمية كتيبا يضم تغطياته السابقة للمهرجان للتأكد مما يأتي لكي يفعله في هذه التظاهرات, مثلما تتحمل مسؤولية لاتقل جسامة الجرائد التي ترسل صحافييها ولاتعرف بالتحديد لماذا أرسلتهم ولاتعرف ما الذي ذهبوا لكي يقترفونه في ذلك المهرجان.
كل هذا يعيدنا إلى نقطة الصفر في كلامنا: صحافتنا عليها أن تعطي صورة أخرى عن نفسها, صورة فيها بعض "الهيبة" وبعض الكبر لكي يتعامل معها الآخرون على أساس أنها كبيرة,وليست مجرد تابع فتات في المآدب والحفلات. ومسؤولو مهرجاناتنا _ ومرة أخرى على رأسها المهرجان الأهم مراكش_ ملزمون باحترام صحافة البلد أولا وقبل كل شيء, ثم التفكير فيما بعد في كيفية التعامل مع الصحافة الأجنبية التي يعتبرون أنهم يقيمون مهرجان مراكش كله لأجلها هي فقط, وهذا موضوع آخر قد يأتي أوان تبيانه بعد حين.
الجمعة، 8 أكتوبر 2010
الدارجة والعربية عاوتاني
دعا إعلان دمشق إلى حماية اللغة العربية من العاميات, واحتفى الكذبة من أدعياء الدفاع عن العربية الفصحى بمختلف استعمالاتها بهذا النداء, واعتبروا أنه أتى في وقته لكي يضع حدا لتطاول "العاميات" على اللغة المقدسة. نقاش فارغ للغاية, ويكشف أن الخوف من التقدم اللغوي أضحى هاجسا فعليا يشغل بال العديدين, ويفرض عليهم الرغبة في التحنيط في قالب ميت لايريدون عنه فكاكا بدواع مختلفة أكثرها هشاشة هو أن اللغة العربية هي لغة القرآن, وبالتالي هي لغة مقدسة على كل المسلمين أن يحافظوا عليها وعلى استعمالها.
طيب ياسيدي, مقدسة مقدسة, فما الذي يمكننا أن نفعله بإخوتنا المسلمين الأندونيسيين الذين لايعرفون من العربية إلا الفاتحة و"قل هو الله أحد"؟ ما الذي سنفعله بأخوتنا الماليزيين الذين يكتفون من العربية بإضافة حرفي الياء والراء لأسمائهم الأصلية قصد أسلمتها بعض الشيء؟ بل ما الذي يمكن أن نفعله بإخوتنا من أهل طالبان أي بالأفغان الذين يعتبرهم المتطرفون أكثرنا حفاظا على الإسلام, وهم أناس لايعرفون من العربية الذي بعث؟
لاحل, سوى أن نتعامل معهم باعتبارهم غير مقدسين أو مدنسين ماداموا عاجزين عن الحديث باللغة المقدسة التي يعتبرها العرب هكذا, وانتهى الأمر. ومع ذلك يبقى الإشكال مطروحا: أليس من حقنا الدفاع عن إمكانية كتابتنا وإبداعنا وتواصلنا أفضل بدارجاتنا؟
نحن المغاربة لدينا أفضلية على العاميات الأخرى, أو على اللغات الأم الأخرى, هو أن كثيرا من دارجتنا مأخوذ مع العربية الفصحى , ولدينا قدرة كبرى على تطويع الاستعمال بين اللغتين, ولدينا عدد كبير من المغاربة ممن لايتقنون استعمال العربية الفصحى ولا يفكون طلاسمها, وهم يعبرون باستمرار عن رغبتهم في تطوير أنفسهم وأدائهم اللغوي, وفي التعامل بشكل أفضل مع قضاياهم لو تمكنوا من تواصل يحترم مايعرفونه, ويساعدهم في التعرف على مالايتقنونه.
بهذا الشكل النقاش محسوم, لكن الوجه الآخر للمشكلة يظل مختفيا باستمرار, ولا أحد من هؤلاء الذين يتصدون "من تلقاء أنفسهم" للدفاع عن العربية المقدسة يكلف نفسه عناء شرح السبب الحقيقي لكل هذا الدفاع المحموم: الرغبة في الاستفراد بالمعلومة, والمعرفة, وترك الآخرين, الأغلبية في جهلها لأن الجهل وعدم التواصل معها يصنع صفقة المتحكمين في رقاب العلم.
من يقولون إن اللوبيات الفرانكوفونية هي التي تدفع في اتجاه الدفاع عن الدارجة حفاظا على مصالحها, ودفاعا عن "حزب فرنسا", يتوقفون عند "ويل للمصلين", ولا يقولون لنا إن "اللوبيات العربوفونية" هي الأخرى تدفع في اتجاه ترك المعرفة لديها وحدها, وأن مخاطبتها في موضوع تبسيط العدل والتعليم بدارجة المغاربة هي مخاطبة لن تستقر على حل لأنها تعرف أن فتح المجال لتداول المعلومة بين الجميع بالقدر ذاته من الفهم معناه سقوط أوهام وأصنام كبرى في المجتمع لاتمتلك سوى رطانتها المتحجرة لكي تمثل بها دور المهمين جدا.
الكثيرون من بين هؤلاء يعيشون على الوهم الذي صنعوه بداية الاستقلال حين كان من يمتلك الشهادة الابتدائية وبعض الكفاءة من المشرق قادرا على أن يتحول إلى مدير لمؤسسة عمومية أو لوزير حتى. وحين نخاطبهم بلغة مغاربة اليوم الذين راكموا الشهادات الجامعية من كل الدول, والذين يتحثون بأربع لغات على الأقل, والذين يريدون _ وهذا هو الأجمل _ أن يجعلوا لغتهم المغربية تاجا على رأس كل اللغات التي يتحدثونها: عربية, فرنسية, إنجليزية, إسبانية وغيرها...نجد أن الكلام لايمر بين الطرفين, إذ أنهم يعتبرون أن أحدا, جهة ما, لوبيا ما, يريد تجريدهم من الرمزية الكاذبة التي راكموها على امتداد كل القرون التي عاشوا معنا فيها.
هؤلاء لا أمل فيهم إطلاقا في أن يفهموا يوما معنى الدعوة إلى وضع لغتنا المغربية لغة تواصل رسمية لنا جميعا. هؤلاء الذين يرون المؤامرات في كل مكان, والذين يعتبرون أن جهات خفية كثيرة تترك كل مهامها وتتفرغ فقط لتدمير هويتنا, وقيمنا, ولغتنا وحضارتناو هم أناس "مامعاهم هضرة", لأن الكلام معهم مضيعة للوقت بشكل نهائي وتام.
الأمل يوجد في مكان آخر بكل تأكيد. الأمل الفعلي في التوصل إلى حل فعلي لمشكلة التواصل هاته يوجد في الوافدين الجدد, في أبنائنا وإخوتنا الصغار, هؤلاء الذين تجاوزونا بكثير, ومروا من مرحلة الحديث عن مشكل اللغة إلى مرحلة الإبداع بلغتهم, الغناء بتمغربيت ديالهم, التمثيل بها, الكتابة والإبداع بها, التواصل عبرها, والذين رفعوا "البارة" عالية في وجه المتحجرين الذين يعرفون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن لاحل لهم في التوصل إلى أي اتفاق مع هؤلاء الصغار.
الأمل كل الأمل في هذه الروح الجديدة. أما قدامى التحجر فلاعزاء لهم سوى أن يلاحظوا بأعينهم المتغيرات, وأن يعرفوا أنها سائرة بهم أو بدونهم, وذلك أهم ما في الأمر في نهاية المطاف.
طيب ياسيدي, مقدسة مقدسة, فما الذي يمكننا أن نفعله بإخوتنا المسلمين الأندونيسيين الذين لايعرفون من العربية إلا الفاتحة و"قل هو الله أحد"؟ ما الذي سنفعله بأخوتنا الماليزيين الذين يكتفون من العربية بإضافة حرفي الياء والراء لأسمائهم الأصلية قصد أسلمتها بعض الشيء؟ بل ما الذي يمكن أن نفعله بإخوتنا من أهل طالبان أي بالأفغان الذين يعتبرهم المتطرفون أكثرنا حفاظا على الإسلام, وهم أناس لايعرفون من العربية الذي بعث؟
لاحل, سوى أن نتعامل معهم باعتبارهم غير مقدسين أو مدنسين ماداموا عاجزين عن الحديث باللغة المقدسة التي يعتبرها العرب هكذا, وانتهى الأمر. ومع ذلك يبقى الإشكال مطروحا: أليس من حقنا الدفاع عن إمكانية كتابتنا وإبداعنا وتواصلنا أفضل بدارجاتنا؟
نحن المغاربة لدينا أفضلية على العاميات الأخرى, أو على اللغات الأم الأخرى, هو أن كثيرا من دارجتنا مأخوذ مع العربية الفصحى , ولدينا قدرة كبرى على تطويع الاستعمال بين اللغتين, ولدينا عدد كبير من المغاربة ممن لايتقنون استعمال العربية الفصحى ولا يفكون طلاسمها, وهم يعبرون باستمرار عن رغبتهم في تطوير أنفسهم وأدائهم اللغوي, وفي التعامل بشكل أفضل مع قضاياهم لو تمكنوا من تواصل يحترم مايعرفونه, ويساعدهم في التعرف على مالايتقنونه.
بهذا الشكل النقاش محسوم, لكن الوجه الآخر للمشكلة يظل مختفيا باستمرار, ولا أحد من هؤلاء الذين يتصدون "من تلقاء أنفسهم" للدفاع عن العربية المقدسة يكلف نفسه عناء شرح السبب الحقيقي لكل هذا الدفاع المحموم: الرغبة في الاستفراد بالمعلومة, والمعرفة, وترك الآخرين, الأغلبية في جهلها لأن الجهل وعدم التواصل معها يصنع صفقة المتحكمين في رقاب العلم.
من يقولون إن اللوبيات الفرانكوفونية هي التي تدفع في اتجاه الدفاع عن الدارجة حفاظا على مصالحها, ودفاعا عن "حزب فرنسا", يتوقفون عند "ويل للمصلين", ولا يقولون لنا إن "اللوبيات العربوفونية" هي الأخرى تدفع في اتجاه ترك المعرفة لديها وحدها, وأن مخاطبتها في موضوع تبسيط العدل والتعليم بدارجة المغاربة هي مخاطبة لن تستقر على حل لأنها تعرف أن فتح المجال لتداول المعلومة بين الجميع بالقدر ذاته من الفهم معناه سقوط أوهام وأصنام كبرى في المجتمع لاتمتلك سوى رطانتها المتحجرة لكي تمثل بها دور المهمين جدا.
الكثيرون من بين هؤلاء يعيشون على الوهم الذي صنعوه بداية الاستقلال حين كان من يمتلك الشهادة الابتدائية وبعض الكفاءة من المشرق قادرا على أن يتحول إلى مدير لمؤسسة عمومية أو لوزير حتى. وحين نخاطبهم بلغة مغاربة اليوم الذين راكموا الشهادات الجامعية من كل الدول, والذين يتحثون بأربع لغات على الأقل, والذين يريدون _ وهذا هو الأجمل _ أن يجعلوا لغتهم المغربية تاجا على رأس كل اللغات التي يتحدثونها: عربية, فرنسية, إنجليزية, إسبانية وغيرها...نجد أن الكلام لايمر بين الطرفين, إذ أنهم يعتبرون أن أحدا, جهة ما, لوبيا ما, يريد تجريدهم من الرمزية الكاذبة التي راكموها على امتداد كل القرون التي عاشوا معنا فيها.
هؤلاء لا أمل فيهم إطلاقا في أن يفهموا يوما معنى الدعوة إلى وضع لغتنا المغربية لغة تواصل رسمية لنا جميعا. هؤلاء الذين يرون المؤامرات في كل مكان, والذين يعتبرون أن جهات خفية كثيرة تترك كل مهامها وتتفرغ فقط لتدمير هويتنا, وقيمنا, ولغتنا وحضارتناو هم أناس "مامعاهم هضرة", لأن الكلام معهم مضيعة للوقت بشكل نهائي وتام.
الأمل يوجد في مكان آخر بكل تأكيد. الأمل الفعلي في التوصل إلى حل فعلي لمشكلة التواصل هاته يوجد في الوافدين الجدد, في أبنائنا وإخوتنا الصغار, هؤلاء الذين تجاوزونا بكثير, ومروا من مرحلة الحديث عن مشكل اللغة إلى مرحلة الإبداع بلغتهم, الغناء بتمغربيت ديالهم, التمثيل بها, الكتابة والإبداع بها, التواصل عبرها, والذين رفعوا "البارة" عالية في وجه المتحجرين الذين يعرفون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن لاحل لهم في التوصل إلى أي اتفاق مع هؤلاء الصغار.
الأمل كل الأمل في هذه الروح الجديدة. أما قدامى التحجر فلاعزاء لهم سوى أن يلاحظوا بأعينهم المتغيرات, وأن يعرفوا أنها سائرة بهم أو بدونهم, وذلك أهم ما في الأمر في نهاية المطاف.
الاثنين، 4 أكتوبر 2010
ضوماج نيشان
علمت بخبر إقفال مجلة "نيشان" الجمعة عن طريق صديقين, اتصلا في الوقت ذاته عقب انتهاء اجتماع مساهمي المجلة المغربية الأولى لكي يخبراني بالنبأ. أحسست بألم شديد أعترف بذلك, لا لأني أكتب في "نيشان" زاوية أو عمودا بالدارجة, ولكن لأنني كنت قارئا وفيا لها منذ عددها الأول, وحتى العدد الأخير, أو مايفترض أنه الأخير.
الإحساس الذي يساورك عندما تسمع نبأ إقفال جريدة أو مجلة تتابعها هو إحساس عرفته من قبل لأنني من المدمنين على القراءة الصحفية منذ الصغر, لكن أسوء ذكرياتي في هذا المجال هي تلك المتعلقة بخبر إقفال جريدة "المحرر" الباريسية, وهي جريدة لاعلاقة لها ب"المحرر" المغربية التي تحولت إلى "الاتحاد الاشتراكي". كانت الجريدة الباريسية صحيفة ساخرة تصدر كل أسبوع, وتصل بيومين متأخرين إلى المغرب. وكانت تحفل بقدر غير يسير من الضحك من كل شيء, وفي العالم العربي المريض بكل أنواع المرض, كان قراء "المحرر" يعتبرونها نوعا من التفريغ لكل الضغط الذي تمارسه عليهم حكوماتهم.
كان البعض يقول إن نبيل مغربي مدير "المحرر" يلعب لصالح أنظمة عربية معينة, لكن قراء الجريدة كانوا يعشقون سخريتها وكفى. وحين توقفت الجريدة ذات أحسوا بيتم كبير خصوصا عندما كان يأتي الأربعاء ويتفقدون الأكشاك فلايجدون جرعة السخرية التي تعودوها.
قبل ذلك أو بعده عشت تجربة مماثلة مع مجلة "الصقر" الرياضية المتخصصة. كنت أتابعها كل خميس على ماأتذكر, وحين نشرت آخر أعدادها بعنوان واضح تقول فيه إنه الأخير أحسست بإحساس لم أعد لتذكره إلا مع ماوقع لمجلة "لوجورنال" ثم ل"نيشان" الآن.
وماذا بعد؟
لاشيء. فقدت الساحة الصحفية المغربية صوتا مغايرا أزعج, ناوش, شاغب, وخلق جدالات عديدة. أدى ثمن شغبه المرة تلو الأخرى, أو مثلما كتب أحمد رضا بنشمسي في بيان نعي "نيشان" "سلسلة من عمليات التضييق انتهت بالتضييق الإشهاري ماأدى إلى الإقفال النهائي". البعض وأنتم تعرفونهم جيدا, سيعبرون عن فرحهم لخنق صوت صحفي جديد, سيجدون صعوبات كبرى في إخفاء شماتتهم, وسيجدون من خلال تعابير خبيثة بالتأكيد مبررات شتى لاعلاقة لها بالمبررات الحقيقية التي تمسك بالصحافة المغربية اليوم وتجبرها على الاصطفاف في صف واحد أو...الموت.
لكن هذه الشماتة لاينبغي أن تخفي عنا الوجه الآخر للعملية: إذا سرنا على هذا المنوال, ستنجو جريدة واحدة في المغرب من "هولوكوست" الصحافة (دعونا نقلد الرميد في مصطلحاته وتشبيهاته "شي مرة"), وهي الجريدة التي يعرف الكل خفايا الحدب عليها بعد الصفقة الشهيرة. لكن هل يستحق المغرب أن يتحول إلى بلد الجريدة الواحدة والوحيدة؟ هل يستحق المغرب أن نختصر حريته والإيمان بالانفتاح فيه بعبارة "سبعيام ديال الباكور" التي يبدو أنها انتهت فعلا؟
أتصور أنه من العيب فعلا أن ندفع في هذا الاتجاه, وأعتقد أنه من الإجحاف في حق بلدنا أن نجلس متفرجين على هذه المقصلة وهي تقطع الرأس الصحفي تلو الرأس وأن نفرح لأن من نعتبرهم "مشاغبين" أو "مغايرين" سكتوا, صمتوا, سجنوا, أفلسوا, غيروا المهنة, غيروا الخط التحريري لكي يصبحوا مقبولين, أو هاجروا هربا من بلدهم, هربا من بلد لم يعد قادرا على الاتساع لكي تشمل رحابته الجميع.
شعور سخيف هو ذاك الذي يساور أي متتبع نزيه ومحايد لهذا الذي يجري في ساحتنا الإعلامية, وأنا لاأجد له وصفا, لكننا جميعا نشتم رائحته غير الطيبة كثيرا, ونرى الترتيبات الجارية لدفن كل صوت مغاير أو مختلف وترك المجال لمن يجيدون العزف على النوتة الموحدة إياها. وعلى المهنة, أو ماتبقى من المهنة, وعلى شتاتها أن يتدارك الأمر وإن كنت أعتقد أننا أضعف اليوم من أن نقف في وجه هذا المد الجارف, لكن علينا على الأقل أن نصرخ معارضتنا له, وأن نقول إنه يؤشر لأشياء أخطر نتمنى أن لانصل إليها أبدا, حتى وإن كانت المؤشرات تقول إننا ذاهبون إليها بكل تأكيد.
بالنسبة للزملاء في "نيشان" الذين قاسمتهم ذات أيام خميس عابرة طاولة الاجتماعات, لا أجد كلاما قد يصلح سلوانا, لأن ماوقع كان قاسي للغاية. لكنني أكيد أن ذلك الطاقم بالروح التي كانت تنبض فيه, وبالحياة التي يحملها في دواخله, وبرغبته في التعبير عن مغربيته بطريقته سيجد أكثر من طريقة للالتقاء مجددا في "نيشان" أو في شكل آخر من "نيشان". أما الأجمل في كل هذا فهو أن التجربة تركت أثرا واضحا على المشهد الصحفي والعام بشكل واضح للغاية, ومن الصعب اليوم حتى مع التوقف النهائي أو المؤقت أن نمحو ذلك الأثر.
تذكروا "كلمة" وتذكروا "أنفاس". مرتا من نفس المسار لكن تركتا الأثر الكبير. تلك هي الرسالة في الختام. أن يبقى الأثر, أما العناوين على اختلافها فمجرد وسيلة لترك هذا الأثر. ضوماج "نيشان", وإلى لقاء بكل تأكيد.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
لم أفهم من قالوا إن الرد بقوة على العدالة والتنمية وتصريحات بنكيران هو اغتيال للديمقراطية. هؤلاء إما يؤمنون فعلا أن الإسلاميين يعترفون بشيء إسمه الديمقراطية, وهذه يلزمها كثير البلاهة لتصديقها. وإما أن لحساباتهم الخاصة معايير أخرى تدفعهم دفعا للكذب علينا فقط للدفاع عمن تلتقي معهم مصالحهم اليوم.
في الحالتين لاحاجة لنا فعلا لتصديق هذا الهراء, والشعار الشهير "لاديمقراطية مع أعداء الديمقراطية" يبدو اليوم قابلا للتطبيق أكثر من أي وقت مضى.
صراحة ودون كثير نفاق. و"اللي بغا يغضب. شغلو هاداك".
الإحساس الذي يساورك عندما تسمع نبأ إقفال جريدة أو مجلة تتابعها هو إحساس عرفته من قبل لأنني من المدمنين على القراءة الصحفية منذ الصغر, لكن أسوء ذكرياتي في هذا المجال هي تلك المتعلقة بخبر إقفال جريدة "المحرر" الباريسية, وهي جريدة لاعلاقة لها ب"المحرر" المغربية التي تحولت إلى "الاتحاد الاشتراكي". كانت الجريدة الباريسية صحيفة ساخرة تصدر كل أسبوع, وتصل بيومين متأخرين إلى المغرب. وكانت تحفل بقدر غير يسير من الضحك من كل شيء, وفي العالم العربي المريض بكل أنواع المرض, كان قراء "المحرر" يعتبرونها نوعا من التفريغ لكل الضغط الذي تمارسه عليهم حكوماتهم.
كان البعض يقول إن نبيل مغربي مدير "المحرر" يلعب لصالح أنظمة عربية معينة, لكن قراء الجريدة كانوا يعشقون سخريتها وكفى. وحين توقفت الجريدة ذات أحسوا بيتم كبير خصوصا عندما كان يأتي الأربعاء ويتفقدون الأكشاك فلايجدون جرعة السخرية التي تعودوها.
قبل ذلك أو بعده عشت تجربة مماثلة مع مجلة "الصقر" الرياضية المتخصصة. كنت أتابعها كل خميس على ماأتذكر, وحين نشرت آخر أعدادها بعنوان واضح تقول فيه إنه الأخير أحسست بإحساس لم أعد لتذكره إلا مع ماوقع لمجلة "لوجورنال" ثم ل"نيشان" الآن.
وماذا بعد؟
لاشيء. فقدت الساحة الصحفية المغربية صوتا مغايرا أزعج, ناوش, شاغب, وخلق جدالات عديدة. أدى ثمن شغبه المرة تلو الأخرى, أو مثلما كتب أحمد رضا بنشمسي في بيان نعي "نيشان" "سلسلة من عمليات التضييق انتهت بالتضييق الإشهاري ماأدى إلى الإقفال النهائي". البعض وأنتم تعرفونهم جيدا, سيعبرون عن فرحهم لخنق صوت صحفي جديد, سيجدون صعوبات كبرى في إخفاء شماتتهم, وسيجدون من خلال تعابير خبيثة بالتأكيد مبررات شتى لاعلاقة لها بالمبررات الحقيقية التي تمسك بالصحافة المغربية اليوم وتجبرها على الاصطفاف في صف واحد أو...الموت.
لكن هذه الشماتة لاينبغي أن تخفي عنا الوجه الآخر للعملية: إذا سرنا على هذا المنوال, ستنجو جريدة واحدة في المغرب من "هولوكوست" الصحافة (دعونا نقلد الرميد في مصطلحاته وتشبيهاته "شي مرة"), وهي الجريدة التي يعرف الكل خفايا الحدب عليها بعد الصفقة الشهيرة. لكن هل يستحق المغرب أن يتحول إلى بلد الجريدة الواحدة والوحيدة؟ هل يستحق المغرب أن نختصر حريته والإيمان بالانفتاح فيه بعبارة "سبعيام ديال الباكور" التي يبدو أنها انتهت فعلا؟
أتصور أنه من العيب فعلا أن ندفع في هذا الاتجاه, وأعتقد أنه من الإجحاف في حق بلدنا أن نجلس متفرجين على هذه المقصلة وهي تقطع الرأس الصحفي تلو الرأس وأن نفرح لأن من نعتبرهم "مشاغبين" أو "مغايرين" سكتوا, صمتوا, سجنوا, أفلسوا, غيروا المهنة, غيروا الخط التحريري لكي يصبحوا مقبولين, أو هاجروا هربا من بلدهم, هربا من بلد لم يعد قادرا على الاتساع لكي تشمل رحابته الجميع.
شعور سخيف هو ذاك الذي يساور أي متتبع نزيه ومحايد لهذا الذي يجري في ساحتنا الإعلامية, وأنا لاأجد له وصفا, لكننا جميعا نشتم رائحته غير الطيبة كثيرا, ونرى الترتيبات الجارية لدفن كل صوت مغاير أو مختلف وترك المجال لمن يجيدون العزف على النوتة الموحدة إياها. وعلى المهنة, أو ماتبقى من المهنة, وعلى شتاتها أن يتدارك الأمر وإن كنت أعتقد أننا أضعف اليوم من أن نقف في وجه هذا المد الجارف, لكن علينا على الأقل أن نصرخ معارضتنا له, وأن نقول إنه يؤشر لأشياء أخطر نتمنى أن لانصل إليها أبدا, حتى وإن كانت المؤشرات تقول إننا ذاهبون إليها بكل تأكيد.
بالنسبة للزملاء في "نيشان" الذين قاسمتهم ذات أيام خميس عابرة طاولة الاجتماعات, لا أجد كلاما قد يصلح سلوانا, لأن ماوقع كان قاسي للغاية. لكنني أكيد أن ذلك الطاقم بالروح التي كانت تنبض فيه, وبالحياة التي يحملها في دواخله, وبرغبته في التعبير عن مغربيته بطريقته سيجد أكثر من طريقة للالتقاء مجددا في "نيشان" أو في شكل آخر من "نيشان". أما الأجمل في كل هذا فهو أن التجربة تركت أثرا واضحا على المشهد الصحفي والعام بشكل واضح للغاية, ومن الصعب اليوم حتى مع التوقف النهائي أو المؤقت أن نمحو ذلك الأثر.
تذكروا "كلمة" وتذكروا "أنفاس". مرتا من نفس المسار لكن تركتا الأثر الكبير. تلك هي الرسالة في الختام. أن يبقى الأثر, أما العناوين على اختلافها فمجرد وسيلة لترك هذا الأثر. ضوماج "نيشان", وإلى لقاء بكل تأكيد.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
لم أفهم من قالوا إن الرد بقوة على العدالة والتنمية وتصريحات بنكيران هو اغتيال للديمقراطية. هؤلاء إما يؤمنون فعلا أن الإسلاميين يعترفون بشيء إسمه الديمقراطية, وهذه يلزمها كثير البلاهة لتصديقها. وإما أن لحساباتهم الخاصة معايير أخرى تدفعهم دفعا للكذب علينا فقط للدفاع عمن تلتقي معهم مصالحهم اليوم.
في الحالتين لاحاجة لنا فعلا لتصديق هذا الهراء, والشعار الشهير "لاديمقراطية مع أعداء الديمقراطية" يبدو اليوم قابلا للتطبيق أكثر من أي وقت مضى.
صراحة ودون كثير نفاق. و"اللي بغا يغضب. شغلو هاداك".
السبت، 2 أكتوبر 2010
آخر زاوية من زوايا "بالدارجة تاعرابت" التي كانت تصدر ضمن "نيشان" المتوقفة بسبب الإشهار السياسي
فاتحة للمغرب
ناضت عاوتاني بين البيجيدي والداخلية. بنكيران دار خطاب حيح فيه مزيان, وقال داكشي اللي كيفكر فيه. ورد الدولة ماتعطلش, والتهمة هاد المرة كبيرة بزاف: "حددو موقعكم _ماشي موقفكم _ من الإرهاب".
هنا السكات ما عندو حتى معنى, حيت المسألة خطيرة: إما أن الدولة عارفة البيجيدي عندو موقع داخل الإرهاب وساكتة عليه, وهادي مايمكنش لينا نقبلوها كاملين. وإما أن الدولة داخلة فبوليميك معا حزب وكتطلق الهضرة بلا معنى, وهادي أخطر من الأولى.
يلا كانو الباحدية بالصح عندهم شي موقع فخارطة الإرهاب المحلي, خصنا نعرفو هاد الموقع, وخص الداخلية اللي خرجات داك البيان الناري توريه لينا. ويلا كان هاد الشي كلو غير رد على بنكيران, فالمسألة فيها نظر كبير.
الأمن ديال المغرب مايمكنش يكون أداة ديال البوليميك. هادي خص يعرفها البيجيدي, ولكن خص تعرفها الداخلية واللي كتبو داك البيان قبل منو. الأمن ديال المغاربة, والقدرة ديالهم على العيش المشترك فشارعهم العام, هي مكتسبات ديال هاد البلاد, ويلا بغينا نقلبو على شي حاجة نعطيوها القداسة (مادمنا مهووسين بالقداسة فهاد البلاد) فهادي هي مسائلنا اللي خصها تكون مقدسة: حق المغربي أنه يعيش.
من غير هاد الشي, يلا دخلات شي جهة فلعبة البوليميك بالأمن ديال المغربي, خصنا نقراو فاتحة لهاد البلاد, ونقولو "مابقا مايتقال". ضد الإرهاب. إيه. ولكن ضد اللعب بيه فنفس الوقت.
ناضت عاوتاني بين البيجيدي والداخلية. بنكيران دار خطاب حيح فيه مزيان, وقال داكشي اللي كيفكر فيه. ورد الدولة ماتعطلش, والتهمة هاد المرة كبيرة بزاف: "حددو موقعكم _ماشي موقفكم _ من الإرهاب".
هنا السكات ما عندو حتى معنى, حيت المسألة خطيرة: إما أن الدولة عارفة البيجيدي عندو موقع داخل الإرهاب وساكتة عليه, وهادي مايمكنش لينا نقبلوها كاملين. وإما أن الدولة داخلة فبوليميك معا حزب وكتطلق الهضرة بلا معنى, وهادي أخطر من الأولى.
يلا كانو الباحدية بالصح عندهم شي موقع فخارطة الإرهاب المحلي, خصنا نعرفو هاد الموقع, وخص الداخلية اللي خرجات داك البيان الناري توريه لينا. ويلا كان هاد الشي كلو غير رد على بنكيران, فالمسألة فيها نظر كبير.
الأمن ديال المغرب مايمكنش يكون أداة ديال البوليميك. هادي خص يعرفها البيجيدي, ولكن خص تعرفها الداخلية واللي كتبو داك البيان قبل منو. الأمن ديال المغاربة, والقدرة ديالهم على العيش المشترك فشارعهم العام, هي مكتسبات ديال هاد البلاد, ويلا بغينا نقلبو على شي حاجة نعطيوها القداسة (مادمنا مهووسين بالقداسة فهاد البلاد) فهادي هي مسائلنا اللي خصها تكون مقدسة: حق المغربي أنه يعيش.
من غير هاد الشي, يلا دخلات شي جهة فلعبة البوليميك بالأمن ديال المغربي, خصنا نقراو فاتحة لهاد البلاد, ونقولو "مابقا مايتقال". ضد الإرهاب. إيه. ولكن ضد اللعب بيه فنفس الوقت.
الجمعة، 1 أكتوبر 2010
اسمحوا لنا أن نشكك
أن تقارن وطنك بإسرائيل, أن تقول فقط لكي ترد عنك تهمة الإرهاب إن المغرب سيحول 16 ماي 2003 إلى هولوكوست جديد, أن تجعل بلدا يبلغ من العمر مئات القرون شبيها ببلد تأسس في 1948 على أنقاض شعب وبلد آخر. أن لاتحس بالزلة في كلامك إلا بعد أن ترتكبها. أن تعرف أنك "قفرتيها" وقلت كلاما لايقوله العقلاء, وأنك في غمرة الدفاع عن قبيلتك السياسية محوت بلدا بأكمله من الوجود.
أن لاتجد غضاضة في أن تقول للمغاربة إن بلدهم هو مثل بلد المجرمة إسرائيل, أن تعيد إلينا عقارب الساعة بشكلها المقلوب عقارب حقيقية هذه المرة وثعابين سامة تنفث في وجوهنا جميعا السم الذي لم نكن نتخيل وجوده بيننا فعثرنا عليه. المغرب مثل إسرائيل, وهو يريد أن يجعل من 16 ماي 2003 هولوطوست جديدة يرعب بها من يرغبون في الحديث عنهذاا الموضوع. هكذا تحدث الرميد, وليس نيتشه, لأن نيتشه صمت منذ زمن طويل. الحكمة اليوم ومحبتها أصبحت تأتي على لسان المتسربلين بعباءات طالبان في عقولهم, لذلك يحق علينا أن نقول لهم بعض الكلمات التي لن يسمعوها في مكان آخر غير هذا المكان, فالكل هان, والكل يختفي اليوم وراء الشعارات الكاذبة وحقوق الإنسان لكي يقنعنا أن سيلان الدم المغربي لم يعد حراما ولم يعد أمرا تقشعر له الأبدان.
لنذكر الرميد ببعض الأشياء, وله بعد ذلك أن يقول عن المغرب إنه إسرائيل جديدة, وعن 16 ماي إنها هولوكوست جديدة. له أن ينخرط في المسار الذي بدأه بنكيران بدقة وتخطيط حين استل في الجلسة الأخيرة إياها الوريقات من جيب السترة وقال كلمته التي سيكون لها مايليها بكل تأكيد "حنا شاكين فداك الشي ديال 16 ماي" . طيب ياسيدي الشك جيد. بل هو معنى الوجود كله مثلما قالوا لنا في زمن سابق. لكن لنشك في كل الأشياء اعتمادا على هذا المبدأ إذن.
اسمحوا لنا أن نشك في انتمائكم للمغرب ككل, ماتقولونه وماتفعلونه يقول لنا باستمرار أنكم منتمون لتنظيم ولستم منتمين معنا للوطن ذاته, وأن التنظيم عندكم يفوق في حجمه وفي قدره الوطن.
اسمحوا لنا أن نشك في أن كثيرا من دماء الناس التي رحلت في ذلك اليوم الحزين من سنة 2003 هي في رقابكم إلى يوم الدين. كتبتم وقلتم لهم الكثير, وحين اقتنع أولئك الأغرار مروا إلى مرحلة التطبيق وهم يعتقدون اعتمادا على ماكذبتم به عليهم أنهم سيدهبون مباشرة إلى الجنة فقط لو قتلوا منا أكبر العدد الممكن.
اسمحوا لنا أن نشك في مغربيتكم. أنتم إخوانيون, إسلاميون, إسلامويون, ولاد الحركة الإسلامية مثلما تقولون عن أنفسكم, كل وصف يشبه هذه الأوصاف, لكنكم بالتأكيد تعطوننا الإحساس أنكم "ماشي مغاربة", أو أنكم مغاربة فقط بالقدر الذي يسمح لكم بإكمال مخططكم لهذا البلد.
اسمحوا لنا أن نشكك في إيمانكم بالشكل المجتمعي الذي نعيش فيه. أنتم تعتبرون أننا غير قادرين على الاستجابة لكل تطلعاتكم في مغرب بشكل آخر, يشبه المشرق المريض في نخلفه, يكون حراما على القن, وحراما على السياسة إلا ماتخونج منها, وحراما على الحياة, وحراما على الحب, وحراما على كل علامات العيش. ونحن نريد مغربا آخر لاعلاقة له بمقاساتكم الغريبة التي لم نسمع عنها إلا بعد أن "قطر بكم السقف".
اسمحوا لنا أن نشكك في جدية كلامكم حين تقولون لنا إنكم تؤمنون معنا بما نؤمن به, وأن إمارة المؤمنين هي تاج على رؤوسنا جميعا, وأن الديمقراطية هي الحل لنا جميعا, وأن التعددية هي الخيار الذي لن نعود عنه جميعا, وأن الانفتاح هو القدر الذي ينتظرنا جميعا.
اسمحوا لنا أن نشكك في صلاحية وجودكم بيننا. لانرى داعيا لذلك. أنا ولدت مسلما, علمني أبي تجويد القرآن وأنا دون الخامسة, وحفظت منه ماحفظت دون أن أدرك أن الحركة الإسلامية أو المسماة هكذا تريد مني ذلك. عرفت ديني مثلما عرفه المغاربة كلهم عبر المساجد لاعبركم, وتفقنا فيه النزر اليسير أو الكثير عبر العلماء الحقيقيين لاعبركم, وحين كبرنا اكتشفنا أن هناك من يستعمل الدين الذي نقدسه نحن فعلا إلى مطية لكي يصل بها إلى البرلمان أو لكي يبكي بها في سيدي بنور من أجل قافلة طبية لأخيه.
اسمحوا لنا أن نشكك اليوم في كثير من الأشياء. أنتم فتحتم باب جهنم كل هذا التشكيك, والأمر يحق لكم. لكن بالمقابل لاحق لكم في حرماننا من التشكيك نحن أيضا في كل مانراه منكم من علامات على ضيقكم بالعيش معنا على نفس البراح.
اليوم تشككون في دماء أهلنا التي سالت, وتقولون عن بلدكم إنه إسرائيل جديدة. وغدا ماذا؟
غدا ماذا أيها المسلمون زيادة عن المسلمين العاديين؟ فعلا, غدا ماذا؟
أن لاتجد غضاضة في أن تقول للمغاربة إن بلدهم هو مثل بلد المجرمة إسرائيل, أن تعيد إلينا عقارب الساعة بشكلها المقلوب عقارب حقيقية هذه المرة وثعابين سامة تنفث في وجوهنا جميعا السم الذي لم نكن نتخيل وجوده بيننا فعثرنا عليه. المغرب مثل إسرائيل, وهو يريد أن يجعل من 16 ماي 2003 هولوطوست جديدة يرعب بها من يرغبون في الحديث عنهذاا الموضوع. هكذا تحدث الرميد, وليس نيتشه, لأن نيتشه صمت منذ زمن طويل. الحكمة اليوم ومحبتها أصبحت تأتي على لسان المتسربلين بعباءات طالبان في عقولهم, لذلك يحق علينا أن نقول لهم بعض الكلمات التي لن يسمعوها في مكان آخر غير هذا المكان, فالكل هان, والكل يختفي اليوم وراء الشعارات الكاذبة وحقوق الإنسان لكي يقنعنا أن سيلان الدم المغربي لم يعد حراما ولم يعد أمرا تقشعر له الأبدان.
لنذكر الرميد ببعض الأشياء, وله بعد ذلك أن يقول عن المغرب إنه إسرائيل جديدة, وعن 16 ماي إنها هولوكوست جديدة. له أن ينخرط في المسار الذي بدأه بنكيران بدقة وتخطيط حين استل في الجلسة الأخيرة إياها الوريقات من جيب السترة وقال كلمته التي سيكون لها مايليها بكل تأكيد "حنا شاكين فداك الشي ديال 16 ماي" . طيب ياسيدي الشك جيد. بل هو معنى الوجود كله مثلما قالوا لنا في زمن سابق. لكن لنشك في كل الأشياء اعتمادا على هذا المبدأ إذن.
اسمحوا لنا أن نشك في انتمائكم للمغرب ككل, ماتقولونه وماتفعلونه يقول لنا باستمرار أنكم منتمون لتنظيم ولستم منتمين معنا للوطن ذاته, وأن التنظيم عندكم يفوق في حجمه وفي قدره الوطن.
اسمحوا لنا أن نشك في أن كثيرا من دماء الناس التي رحلت في ذلك اليوم الحزين من سنة 2003 هي في رقابكم إلى يوم الدين. كتبتم وقلتم لهم الكثير, وحين اقتنع أولئك الأغرار مروا إلى مرحلة التطبيق وهم يعتقدون اعتمادا على ماكذبتم به عليهم أنهم سيدهبون مباشرة إلى الجنة فقط لو قتلوا منا أكبر العدد الممكن.
اسمحوا لنا أن نشك في مغربيتكم. أنتم إخوانيون, إسلاميون, إسلامويون, ولاد الحركة الإسلامية مثلما تقولون عن أنفسكم, كل وصف يشبه هذه الأوصاف, لكنكم بالتأكيد تعطوننا الإحساس أنكم "ماشي مغاربة", أو أنكم مغاربة فقط بالقدر الذي يسمح لكم بإكمال مخططكم لهذا البلد.
اسمحوا لنا أن نشكك في إيمانكم بالشكل المجتمعي الذي نعيش فيه. أنتم تعتبرون أننا غير قادرين على الاستجابة لكل تطلعاتكم في مغرب بشكل آخر, يشبه المشرق المريض في نخلفه, يكون حراما على القن, وحراما على السياسة إلا ماتخونج منها, وحراما على الحياة, وحراما على الحب, وحراما على كل علامات العيش. ونحن نريد مغربا آخر لاعلاقة له بمقاساتكم الغريبة التي لم نسمع عنها إلا بعد أن "قطر بكم السقف".
اسمحوا لنا أن نشكك في جدية كلامكم حين تقولون لنا إنكم تؤمنون معنا بما نؤمن به, وأن إمارة المؤمنين هي تاج على رؤوسنا جميعا, وأن الديمقراطية هي الحل لنا جميعا, وأن التعددية هي الخيار الذي لن نعود عنه جميعا, وأن الانفتاح هو القدر الذي ينتظرنا جميعا.
اسمحوا لنا أن نشكك في صلاحية وجودكم بيننا. لانرى داعيا لذلك. أنا ولدت مسلما, علمني أبي تجويد القرآن وأنا دون الخامسة, وحفظت منه ماحفظت دون أن أدرك أن الحركة الإسلامية أو المسماة هكذا تريد مني ذلك. عرفت ديني مثلما عرفه المغاربة كلهم عبر المساجد لاعبركم, وتفقنا فيه النزر اليسير أو الكثير عبر العلماء الحقيقيين لاعبركم, وحين كبرنا اكتشفنا أن هناك من يستعمل الدين الذي نقدسه نحن فعلا إلى مطية لكي يصل بها إلى البرلمان أو لكي يبكي بها في سيدي بنور من أجل قافلة طبية لأخيه.
اسمحوا لنا أن نشكك اليوم في كثير من الأشياء. أنتم فتحتم باب جهنم كل هذا التشكيك, والأمر يحق لكم. لكن بالمقابل لاحق لكم في حرماننا من التشكيك نحن أيضا في كل مانراه منكم من علامات على ضيقكم بالعيش معنا على نفس البراح.
اليوم تشككون في دماء أهلنا التي سالت, وتقولون عن بلدكم إنه إسرائيل جديدة. وغدا ماذا؟
غدا ماذا أيها المسلمون زيادة عن المسلمين العاديين؟ فعلا, غدا ماذا؟
الأربعاء، 29 شتنبر 2010
هاكا ولا ماشي هاكا؟
طرحت قضية المذيع عبد العزيز ريباك وتريث الهاكا في إصدار موقف حولها إلى حين تبين الأمر جيدا, نقاشا كبيرا داخل الحقل الإعلامي يتعلق بالسلطات الفعلية التي تمتلكها الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري على القطاع. لايتعلق الأمر مثلما أشار إلى ذلك مازحين زملاءؤنا في الصفحة الساخرة حين كتبوا قائلين إن "أحمد الغزالي يخاف من فيصل العرايشي لذلك لم يصدر قرارا ضد قناته إلى حد الآن"و ولكن يتعلق بالسؤال الجاد والجدي حول قدرة الهاكا فعلا على فرض صوتها داخل المشهد الإعلامي العمومي سمعيا وبصريا.
وصلنا اليوم حسب العديدين إلى المرحلة التي كان ينبغي فيها على قنوات القطب العمومي أن تكون قادرة على فرض آليات تقنين ذاتية خاصة بها لاتلزمها كل مرة بانتظار قرارات الهاكا إثر كل نازلة وقعت أو استجدت. فالأمر يتعلق بقناة أم بلغت الأربعين من عمرها وتجر وراءها تجربة لايستهان بها كان من المفروض أن تكون قاطرتها نحو الحسم مع عدد من القضايا والنوازل التي تقع لها. لكن مانلاحظه اليوم هو العكس تماما: المتتبعون لازالوا ينتظرون من الهاكا التعبير عن موقفها, والقيام بعمليات ضبط وربط داخل الجهاز الإعلامي العمومي, والقناة الأولى وقنواتها المتفرعة عنها لازالت عاجزة عن تقنين نفسها بنفسها, مع احترام كل الصلاحيات المخولة للهيئة ولوضعيتها.
أكثر من هذا _ وهذه مسألة يعرفها المتتبعون جيدا _ تطرح العلاقة بين القطب العمومي وبين الهاكا أسئلة عديدة على مستوى قضايا أكبر بكثير من قضية عبد العزيز ريباك التي لاتعد إلا خطأ بشريا عابرا لايمكن تحميله أكثر مما يحتمل. مثلا في قضية احترام دفتر التحملات هناك أكثر من سؤال يطرح على علاقة الجهتين, وفي مسائل خاصة بالتحديد, مثل قضية التعددية السياسية التي أصدرت الهاكا بخصوصها تقارير كثيرة تقول آن حزبا معارضا أو يفترض أنه في المعارضة مثل "البام" يحظى بأكبر نسبة تغطية لأنشطته أكثر من الأحزاب الممثلة في الحكومة.
مصادر في الهاكا قالت إن الهدف من وراء إصدار تلك التقارير كان هو دفع الأحزاب السياسية إلى خلق نقاش حول موضوع التعددية السياسية في التلفزيون والإذاعة وحول احترامها الحقيقي من طرف الجهازين معا, مثلما كان الهدف هو فتح نقاش عام حول المسألة في الشارع وفي الصحافة المغربية, لكن شيئا من كل هذا لم يقع, وبقي التقرير علامة على أن ثمة خللا كبيرا يطبع العلاقة بين مقنني إعلامنا وبين أبرز الفاعلين فيه.
وإذا أردنا المزيد من التدليل على "فداحة" العلاقة بين الجهتين, فسنجد أن السؤال حول إمكانية فرض الهاكا لاحترام هذه التعددية السياسية على القناة الأولى, هو سؤال قاتل للغاية, ويكشف عن حدود عمل هذه الهيئة وحدود صلاحياتها؟ هل تستطيع مثلا أنم تجبر التلفزيون المغربي على احترام التعددية السياسية فعليا؟ هل تتسطيع أن تجبره على تغيير خطه التحريري الخاص من نوعه في هذه النقطة بالذات؟ هل يمكنها أن تفرض احترام التمثيلية الفعلية للقوى والأحزاب السياسية داخل الرقعة التلفزيونية المحلية؟
للأسف الشديد غير ممكن, وطرح السؤال يبدو اليوم بمثابة تعجيز لهيئة الرجل الحكيم فعلا لا قولا فقط أحمد الغزلي الذي يجد نفسه مكلفا بمهمة غير قابلة للتطبيق عمليا في المغرب اليوم. حتى الإشهار خلال رمضان مثلا _ والكلام لمصادر عليمة في الهاكا _ وضرورة احترام التوقيت المسموح به قانونيا أي الثمانية عشر دقيقة المنصوص عليها لم تستطع الهاكا فرضه إلا بعد أن وقفت عند النقطة والفاصلة وتابعت الموضوع يوميا, وهو ماجر عليها نقمة القناتين الأولى والثانية اللتان وجدتا نفسيهما محرومتين من مال تعتبران أنه رزقهما, حتى وإن كان آتيا بانتهاك قانوني فعلي لقانون ولدفتر تحملات صادقت عليه القناتان معا.
السؤال الأكثر إلحاحا الآن هو ذلك المتعلق بقدرتنا على السير قدما بهذه الوضعية النشاز بين الجهتين. بالتأكيد لن يشتكي الغزلي علنيا أبدا من هذه الوضعيةو وبالتأكيد لن يقول العرايشي في يوم من الأيام إنه لم يعد راغبا في استمرارها لأنها تصنع راحته, لكن المتتبعين الذين حملوا في وقت من الأوقات هم تحرير فعلي للقطاع السمعي البصري يكتفون اليوم بمعاينة الخسائر ولسان حالهم يردد ماقاله درويش ذات زمن آخر في سياق مغاير تماما " ماأكبر الفكرة, ماأصغر الدولة".
ذلك أنه بين الفكرة المحركة لتحرير القطاع التي شكلت حلما كبيرا في أذهان العديدين, وبين ماتم الاستقرار عليه حتى الآن من مكاسب لهذا القطاع, تبدو المسافات الشاسعة والبون الكبير الذي يخبرنا أننا في المغرب علماء حقا في إضاعة الفرص التاريخية التي تتاح لنا لإصلاح قطاعاتنا المنكوبة. وقطاعنا الإعلامي على رأسها في مسألة النكبة هاته لأسباب لاتخفى على حصيف مما لاداعي للإطناب فيه مجددا, إذ يكفي للتأكد من الأمر إشعال جهاز التلفزة, قبل العودة إلى إطفائه تماما.
وصلنا اليوم حسب العديدين إلى المرحلة التي كان ينبغي فيها على قنوات القطب العمومي أن تكون قادرة على فرض آليات تقنين ذاتية خاصة بها لاتلزمها كل مرة بانتظار قرارات الهاكا إثر كل نازلة وقعت أو استجدت. فالأمر يتعلق بقناة أم بلغت الأربعين من عمرها وتجر وراءها تجربة لايستهان بها كان من المفروض أن تكون قاطرتها نحو الحسم مع عدد من القضايا والنوازل التي تقع لها. لكن مانلاحظه اليوم هو العكس تماما: المتتبعون لازالوا ينتظرون من الهاكا التعبير عن موقفها, والقيام بعمليات ضبط وربط داخل الجهاز الإعلامي العمومي, والقناة الأولى وقنواتها المتفرعة عنها لازالت عاجزة عن تقنين نفسها بنفسها, مع احترام كل الصلاحيات المخولة للهيئة ولوضعيتها.
أكثر من هذا _ وهذه مسألة يعرفها المتتبعون جيدا _ تطرح العلاقة بين القطب العمومي وبين الهاكا أسئلة عديدة على مستوى قضايا أكبر بكثير من قضية عبد العزيز ريباك التي لاتعد إلا خطأ بشريا عابرا لايمكن تحميله أكثر مما يحتمل. مثلا في قضية احترام دفتر التحملات هناك أكثر من سؤال يطرح على علاقة الجهتين, وفي مسائل خاصة بالتحديد, مثل قضية التعددية السياسية التي أصدرت الهاكا بخصوصها تقارير كثيرة تقول آن حزبا معارضا أو يفترض أنه في المعارضة مثل "البام" يحظى بأكبر نسبة تغطية لأنشطته أكثر من الأحزاب الممثلة في الحكومة.
مصادر في الهاكا قالت إن الهدف من وراء إصدار تلك التقارير كان هو دفع الأحزاب السياسية إلى خلق نقاش حول موضوع التعددية السياسية في التلفزيون والإذاعة وحول احترامها الحقيقي من طرف الجهازين معا, مثلما كان الهدف هو فتح نقاش عام حول المسألة في الشارع وفي الصحافة المغربية, لكن شيئا من كل هذا لم يقع, وبقي التقرير علامة على أن ثمة خللا كبيرا يطبع العلاقة بين مقنني إعلامنا وبين أبرز الفاعلين فيه.
وإذا أردنا المزيد من التدليل على "فداحة" العلاقة بين الجهتين, فسنجد أن السؤال حول إمكانية فرض الهاكا لاحترام هذه التعددية السياسية على القناة الأولى, هو سؤال قاتل للغاية, ويكشف عن حدود عمل هذه الهيئة وحدود صلاحياتها؟ هل تستطيع مثلا أنم تجبر التلفزيون المغربي على احترام التعددية السياسية فعليا؟ هل تتسطيع أن تجبره على تغيير خطه التحريري الخاص من نوعه في هذه النقطة بالذات؟ هل يمكنها أن تفرض احترام التمثيلية الفعلية للقوى والأحزاب السياسية داخل الرقعة التلفزيونية المحلية؟
للأسف الشديد غير ممكن, وطرح السؤال يبدو اليوم بمثابة تعجيز لهيئة الرجل الحكيم فعلا لا قولا فقط أحمد الغزلي الذي يجد نفسه مكلفا بمهمة غير قابلة للتطبيق عمليا في المغرب اليوم. حتى الإشهار خلال رمضان مثلا _ والكلام لمصادر عليمة في الهاكا _ وضرورة احترام التوقيت المسموح به قانونيا أي الثمانية عشر دقيقة المنصوص عليها لم تستطع الهاكا فرضه إلا بعد أن وقفت عند النقطة والفاصلة وتابعت الموضوع يوميا, وهو ماجر عليها نقمة القناتين الأولى والثانية اللتان وجدتا نفسيهما محرومتين من مال تعتبران أنه رزقهما, حتى وإن كان آتيا بانتهاك قانوني فعلي لقانون ولدفتر تحملات صادقت عليه القناتان معا.
السؤال الأكثر إلحاحا الآن هو ذلك المتعلق بقدرتنا على السير قدما بهذه الوضعية النشاز بين الجهتين. بالتأكيد لن يشتكي الغزلي علنيا أبدا من هذه الوضعيةو وبالتأكيد لن يقول العرايشي في يوم من الأيام إنه لم يعد راغبا في استمرارها لأنها تصنع راحته, لكن المتتبعين الذين حملوا في وقت من الأوقات هم تحرير فعلي للقطاع السمعي البصري يكتفون اليوم بمعاينة الخسائر ولسان حالهم يردد ماقاله درويش ذات زمن آخر في سياق مغاير تماما " ماأكبر الفكرة, ماأصغر الدولة".
ذلك أنه بين الفكرة المحركة لتحرير القطاع التي شكلت حلما كبيرا في أذهان العديدين, وبين ماتم الاستقرار عليه حتى الآن من مكاسب لهذا القطاع, تبدو المسافات الشاسعة والبون الكبير الذي يخبرنا أننا في المغرب علماء حقا في إضاعة الفرص التاريخية التي تتاح لنا لإصلاح قطاعاتنا المنكوبة. وقطاعنا الإعلامي على رأسها في مسألة النكبة هاته لأسباب لاتخفى على حصيف مما لاداعي للإطناب فيه مجددا, إذ يكفي للتأكد من الأمر إشعال جهاز التلفزة, قبل العودة إلى إطفائه تماما.
الثلاثاء، 28 شتنبر 2010
النهار ديال الملك
أقرأ باستمتاع هذه الأيام رواية عبد الله الطايع الجديدة "يوم الملك" وإن كنت أفضل أن أترجم عنوانها إلى المغربية ليصبح "النهار ديال الملك" لكي يكون العنوان أكثر وفاء لما تحمله الرواية. عبد الله الطايع صوت أدبي جديد في المغرب استطاع في الأعمال السابقة التي قدمها أن يثير الانتباه إليه لأن لديه نفسا حكائيا لاينقطع, وهو يسير على المنوال ذاته في العمل الجديد الذي حمله بكل الممكنات التي قد نتصورها لحمل هذا الحلم الكابوس الذي عاشه المغاربة لسنوات إلى القارئ الذي قد يطلع على رواية "النهار ديال الملك".
في هذه الرواية يحمل الطايع قارئه نحو الحسن الثاني, الملك الذي لازال ظله مسيطرا على المغرب إلى اليوم, ويقدم عبر حكاية بسيطة يبحث فيها "أنا الرواية" عن أمه التي غادرت بيت الأسرة حكاية مغرب لازال عاجزا إلى اليوم عن تصديق الفكرة التي تقول إن الحسن الثاني قد مات. هل توفق الطايع في نقل الصورة مثلما هي؟ هل نجح في إعادة الحلم المتكرر بالوصول إلى الحسن الثاني وتقبيل يده أم لا؟ هل عادت أم "أنا الرواية " إلى البيت؟ كلها أسئلة سيجد قارئ "النهار ديال الملك" الإجابة عنها, لكن الأهم منها هو السؤال الأكبر عن ظل الحسن الثاني في المغرب اليوم الذي استطاع عبد الله أن يلتقطه بذكاء وأن يحوله إلى موضوع رواية بالكامل.
يستغرب العديد من القراء اليوم أن تخصص مجلات وجرائد أسبوعية أغلفتها باستمرار للحسن الثاني, وللحديث عن أشيائه الكثيرة من الحسن الثاني الفنان إلى الحسن الثاني الساخر إلى الحسن الثاني وحريمه مرورا بالحسن الثاني ووزرائه فالحسن الثاني وثروته, وقس على ذلك ماتشاء إلى الحد الذي يجعلنا نقول باطمئنان أن الملك الراحل لازال يحيا بيننا على الأقل في أغلفة المجلات والجرائد التي تعود إليه باستمرار.
جوابنا على استغراب هؤلاء القراء كلما حملوه إلينا هو أنهم هم السبب في هذا الأمر. فموضوع الحسن الثاني لازال قادرا على إثارة اهتمام المغاربة, ولازال هو الموضوع الأكثر ضمانا لمبيعات محترمة إذا أردنا تجنب القول لمبيعات جيدة جدا. بمعنى آخر لازال الطلب على هذا الموضوع يفرض على أصحاب المجلات والجرائد التي تضع الملك الراخل غلافا لها يفرض هذا المعطى وهو مايطرح علينا السؤال كبيرا: لماذا؟
طبعا هناك الإجابات التبسيطية الأولى: عدد كبير من المغاربة, هم الأغلبية في المغرب اليوم, لم يعرفوا غير الحسن الثاني ملكا ماجعلهم يتماهون مع أبوته الرمزية, ويضعونه _ حتى وإن كانوا يكبرونه سنا _ في مرتبة الأب لهم جميعا. في حين أن عددا آخر منهم كان يتصور أن الحسن الثاني خالد لايمكن أن يموت _ أستغفر الله العظيم _ لذلك حبلت لحظة رحيله بكم غير يسير من المشاعر المبالغة في التعبير عن نفسها, مما يمكن تذكره بسهولة الآن (من لحظة بكاء المذيع الشهير مصطفى العلوي في التلفزيون مباشرة إلى مشاهد المظاهرات العفوية أو المرتبة التي انطلقت في كل مكان من المملكة مباشرة بعد الإعلان عن رحيل الملك السابق).
تفسير آخر قد يحمل بعض الإضاءات لهذا الهوس والإعجاب الذي لازال المغاربة يكنونه لملكهم الراحل يكمن في أنه حرص على أن يخفي عن المغاربة كل الأجزاء الطريفة أو الساخرة أو الفنية أو المتحررة من قيود الرسميات من شخصيته, مقابل إبراز الملامح الصلبة للشخصية التي حكم بها لمدة تقارب الأربعين عاما المغرب, ماجعل المغاربة فور تأكدهم من رحيله يحاولون إعادة تكوين هذاا "البوزل" الجماعي لشخصيته عبر التقاط المكامن الأخرى التي لم يكونوا يرونها, والتي تصلح اليوم لتفسير كثير من الأشياء.
لذلك يقرأ المغاربة عن تبحره في الفن مثلا ولايصدقون وتراهم يرغبون في طرح السؤال: الحسن الثاني كان عزيز عليه الغنا لهاد الدرجة؟ لذلك أيضا تراهم يتساءلون عن علاقته بوزرائه ويحاولون إعادة تركيب مايقرؤونه اليوم من طرائف بخصوص هؤلاء الوزراء لكي يفهموا كثيرا من اللقطات التي عبرت أمامهم حينها دون أن يعيروها كبير اهتمام.
في الختام يبدو الاهتمام الذي يمنحه المغاربة اليوم للحسن الثاني (الصورة) مفهوما إلى حد بعيد. فالملك الراحل الذي منع المغاربة من التطلع إليه مباشرة, فرض عليهم بعد رحيله أن يعيدوا فتح كتاب حياته لكي يطالعوا مافيه باطمئنان, وهذه المسألة لم تكن لتتوفر لو لم يحس المغاربة بعد رحيله وبعد مجيئ عهد جديد أن بإمكانهم أن يقوموا بهذا الأمر دون خوف من أي شيء.
لعله السبب الذي يجعلنا نقرأ في المغرب اليوم رواية تتخذ من الحسن الثاني شخصا من شخوصها دون أن نفكر في مآلنا بعد الانتهاء من القراءة. في النهاية يصلح الأمر لكي يفرض علينا أن نصارح أنفسنا: المغرب تغير كثيرا. هذه هي الحقيقة.
في هذه الرواية يحمل الطايع قارئه نحو الحسن الثاني, الملك الذي لازال ظله مسيطرا على المغرب إلى اليوم, ويقدم عبر حكاية بسيطة يبحث فيها "أنا الرواية" عن أمه التي غادرت بيت الأسرة حكاية مغرب لازال عاجزا إلى اليوم عن تصديق الفكرة التي تقول إن الحسن الثاني قد مات. هل توفق الطايع في نقل الصورة مثلما هي؟ هل نجح في إعادة الحلم المتكرر بالوصول إلى الحسن الثاني وتقبيل يده أم لا؟ هل عادت أم "أنا الرواية " إلى البيت؟ كلها أسئلة سيجد قارئ "النهار ديال الملك" الإجابة عنها, لكن الأهم منها هو السؤال الأكبر عن ظل الحسن الثاني في المغرب اليوم الذي استطاع عبد الله أن يلتقطه بذكاء وأن يحوله إلى موضوع رواية بالكامل.
يستغرب العديد من القراء اليوم أن تخصص مجلات وجرائد أسبوعية أغلفتها باستمرار للحسن الثاني, وللحديث عن أشيائه الكثيرة من الحسن الثاني الفنان إلى الحسن الثاني الساخر إلى الحسن الثاني وحريمه مرورا بالحسن الثاني ووزرائه فالحسن الثاني وثروته, وقس على ذلك ماتشاء إلى الحد الذي يجعلنا نقول باطمئنان أن الملك الراحل لازال يحيا بيننا على الأقل في أغلفة المجلات والجرائد التي تعود إليه باستمرار.
جوابنا على استغراب هؤلاء القراء كلما حملوه إلينا هو أنهم هم السبب في هذا الأمر. فموضوع الحسن الثاني لازال قادرا على إثارة اهتمام المغاربة, ولازال هو الموضوع الأكثر ضمانا لمبيعات محترمة إذا أردنا تجنب القول لمبيعات جيدة جدا. بمعنى آخر لازال الطلب على هذا الموضوع يفرض على أصحاب المجلات والجرائد التي تضع الملك الراخل غلافا لها يفرض هذا المعطى وهو مايطرح علينا السؤال كبيرا: لماذا؟
طبعا هناك الإجابات التبسيطية الأولى: عدد كبير من المغاربة, هم الأغلبية في المغرب اليوم, لم يعرفوا غير الحسن الثاني ملكا ماجعلهم يتماهون مع أبوته الرمزية, ويضعونه _ حتى وإن كانوا يكبرونه سنا _ في مرتبة الأب لهم جميعا. في حين أن عددا آخر منهم كان يتصور أن الحسن الثاني خالد لايمكن أن يموت _ أستغفر الله العظيم _ لذلك حبلت لحظة رحيله بكم غير يسير من المشاعر المبالغة في التعبير عن نفسها, مما يمكن تذكره بسهولة الآن (من لحظة بكاء المذيع الشهير مصطفى العلوي في التلفزيون مباشرة إلى مشاهد المظاهرات العفوية أو المرتبة التي انطلقت في كل مكان من المملكة مباشرة بعد الإعلان عن رحيل الملك السابق).
تفسير آخر قد يحمل بعض الإضاءات لهذا الهوس والإعجاب الذي لازال المغاربة يكنونه لملكهم الراحل يكمن في أنه حرص على أن يخفي عن المغاربة كل الأجزاء الطريفة أو الساخرة أو الفنية أو المتحررة من قيود الرسميات من شخصيته, مقابل إبراز الملامح الصلبة للشخصية التي حكم بها لمدة تقارب الأربعين عاما المغرب, ماجعل المغاربة فور تأكدهم من رحيله يحاولون إعادة تكوين هذاا "البوزل" الجماعي لشخصيته عبر التقاط المكامن الأخرى التي لم يكونوا يرونها, والتي تصلح اليوم لتفسير كثير من الأشياء.
لذلك يقرأ المغاربة عن تبحره في الفن مثلا ولايصدقون وتراهم يرغبون في طرح السؤال: الحسن الثاني كان عزيز عليه الغنا لهاد الدرجة؟ لذلك أيضا تراهم يتساءلون عن علاقته بوزرائه ويحاولون إعادة تركيب مايقرؤونه اليوم من طرائف بخصوص هؤلاء الوزراء لكي يفهموا كثيرا من اللقطات التي عبرت أمامهم حينها دون أن يعيروها كبير اهتمام.
في الختام يبدو الاهتمام الذي يمنحه المغاربة اليوم للحسن الثاني (الصورة) مفهوما إلى حد بعيد. فالملك الراحل الذي منع المغاربة من التطلع إليه مباشرة, فرض عليهم بعد رحيله أن يعيدوا فتح كتاب حياته لكي يطالعوا مافيه باطمئنان, وهذه المسألة لم تكن لتتوفر لو لم يحس المغاربة بعد رحيله وبعد مجيئ عهد جديد أن بإمكانهم أن يقوموا بهذا الأمر دون خوف من أي شيء.
لعله السبب الذي يجعلنا نقرأ في المغرب اليوم رواية تتخذ من الحسن الثاني شخصا من شخوصها دون أن نفكر في مآلنا بعد الانتهاء من القراءة. في النهاية يصلح الأمر لكي يفرض علينا أن نصارح أنفسنا: المغرب تغير كثيرا. هذه هي الحقيقة.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)