السبت، 19 نونبر 2011

ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق ليوم السبت

كلام ساقط للغاية, وشتائم نابية, وتهديد بالقتل, كلها ردود أفعال أعقبت مقال "مجرد كلمة حق" حول ماوقع لبعض جماهير الوداد في ملعب رادس بتونس خلال نهاية عصبة الأبطال ضد الترجي التونسي.
عندما سيفهم بعض المحسوبين على الجماهير الرياضية في بلدنا أن التطرف في تشجيع الفريق وعدم القبول بالرأي المخالف مهما كان صدق هذا الرأي, مسألتان لايمكنهما إلا الضرر بالفريق الذي يشجعونه, حينها سنتمكن من الخروج من الشغب الذي يهدد كرتنا في مقتل.
في انتظار ذلك أنا حزين للغاية, لأن فريقا كبيرا مثل الوداد يشجعه أناس صغار مثل هؤلاء الجبناء.

الجمعة، 18 نونبر 2011

مجرد كلمة حق

كنبغي الوداد, وأهوى فيها ثقلها التاريخي الكبير الذي لايتوفر لأندية مغربية أخرى, تحاول وتحاول لكنها تظل باستمرار دون مستوى "وداد الأمة" وما تشكله وداد الأمة للمغاربة ككل وليس للبيضاويين أو لمحبي الوداد فقط. لذلك نستطيع أن نتحدث عن الوداد بكل اطمئنان ودون أن يقال إننا نستهدفها أو أننا نكتب ضدها, خصوصا في موضوع مثل الذي حدث في تونس, حين تسببت عناصر مشاغبة محسوبة على جمهور الوداد في تدخل أمني عنيف من طرف القوات التونسية التي نعرف جميعا حساسية الوضع الأمني ببلدها, ودرجة التأهب الكبرى التي توجد عليها باستمرار تلافيا لكل ما من شأنه أن يمس الأمن في جمهورية أسسها السابق بن علي على الأمن أولا وقبل كل شيء.

الذي وقع يوم السبت الماضي هو أن عناصر مشاغبة اعتقدت أن ماتقوم به في شوارع الدار البيضاء باستمرار هو أمر ممكن في تونس العاصمة. وقد تلقت الرد مباشرة وبسرعة من طرف القوات الأمنية التونسية أن لا مجال للمقارنة بين البلدين نهائيا. هنا يمكنك أن تكسر كل زجاج الحافلات التي تمر أمامك, وأنت تغادر الملعب, دون ان تخشى اعتقالا أو إحالة على النيابة العامة, وهناك لايمكنك أن تحدق مليا في أعين رجل أمن إلا والصفعة تهوي على خدك مباشرة بعدها.

تذكروا أن البوعزيزي أحرق نفسه يوما لأن شرطية تونسية صفعته, وتذكروا أن مشاهد مثل مشاهد الحرب التي رأيناها بين الرجاويين والوداديين في شارع 2 مارس منذ أيام هي مشاهد لايمكنك أن تراها في أي بلد يحترم نفسه, باستثناء سوريا واليمن اليوم لاعتبارات تهم البلدين ومايقع فيهما. أما لدينا فقد رأينا التراشق بالحجارة وبالشهب النارية, ولمحنا بأعيننا مشهد حي بأكمله يحاصره المشاغبون ويعيثون فسادا في سيارات وممتلكات الناس دون أن تقول لهم أي جهة أي شيء.

لذلك علينا التريث كثيرا قبل أن ننجر وراء اللعبة التي أراد الإعلام الرسمي جرنا إليها والتي تقول إن "قوات الأمن التونسية اعتدت دون أي مبرر مقبول أو معقول على الجمهور الودادي بالضرب وبالغازات السامة". علينا أيضا أن نتساءل عن السلامة العقلية لكل المسؤولين المغاربة الذين صدرت عنه التصريحات التي تقول إن "البوليس التونسي هاجم بشكل غير مفهوم الجمهور المغربي". علينا ثالثا أن نتساءل إن لم يكن بعض المحسوبين على الجمهور المغربي الذي تحول إلى تونس لمؤازرة الوداد هم من يتحملون مسؤولية أعمال الشغب والتخريب التي حدثت في ملعب رادس وفي مطار تونس العاصمة, وهم من اضطروا قوات الأمن في تونس لكي تتعامل بحزم معهم للحد من شغبهم, والحرص على فض الاشتباك بينهم وبين جمهور الترجي على خير.

أكره ما أكرهه هو أن نتحول نحن أيضا إلى مقلدين من الدرجة العاشرة للمصريين يوم أرادوا تحويل مباراة عادية في كرة القدم بينهم وبين الجزائريين إلى "موقعة القرن", وإلى "حرب أم درمان", وإلى أشياء تدل على التخلف ولا تدل على أي شيء آخر. وأتمنى أن يمتلك المسؤولون الذي رافقوا الوداد إلى تونس وففي مقدمتهم وزير الشباب والرياضة الشجاعة اللازمة لقول ماحدث هناك, ولتحمل مسؤولية الشغب الذي قامت به عناصر ودادية أو محسوبة على الوداد هي التي دفعت في الختام الأمن التونسي إلى التدخل العنيف.

ذلك أنه سيكون مثيرا لكل أنواع الاستغراب والدهشة أن يلجأ البوليس التونسي إلى ضرب كائنات وديعة حضرت لكي تشجع فريقها بكل روح رياضية, وتقبلت الهزيمة في الأخير بصدر رحب, وكانت تصفق على جمهورها وأدائه الرجولي, وتصفق في الآن ذاته للفريق المنتصر بكل أريحية, لكنها فوجئت بهراوات الأمن وبالقنابل المسيلة للدموع تنهال عليها من كل جانب من طرف القوات الأمنية التونسية التي أرادت اصطناع أزمة ديبلوماسية مع المغرب "غير هاكاك".
يلا كان اللي تيهضر أحمق, اللي تيسمع يكون بعقلو. هكذا يقول المثل, وإذا كان بعض المسؤولين عن الرياضة المغربية يريدون البحث عن مشجب لإخفاق الوداد في النهاية ولو عبر اختلاق أحداث غير حقيقية, فالواجب عليهم هو أن يتحلوا بفضيلة الاعتراف بالحقيقة, والاعتذار على الأكاذيب التي روجوها, والبحث عن السبب الذي يجعل الشغب اليوم رديفا لأي مباراة يحضرها أي عدد من الجماهير المغربية مهما كثر أو قل هذا العدد.

مشكلة الكرة المغربية اليوم هي الشغب المجاني الذي أصبح يسير معها بتواز كامل, وكارثة لقاءاتنا الكروية خصوصا تلك التي تجمع فرقا لديها جماهير كبيرة, هي أن المدن التي تحتضن لقاءات هذه الفرق أصبحت تخشى انعقاد المباريات على أرضها, بل لقد سمعنا عن مدن ترفض سلطاتها استقبال فرق معينة للعب فيها بسبب هذه الكارثة الخطيرة المسماة شغبا والتي أصبحت تجتاح الوطن كله اليوم.

لنرب جماهيرنا عوض أن نبحث عن تصدير مصائبنا إلى البلدان الأخرى, واصطناع الأزمات الديبلوماسية معها, ولو دون أي وجه حق أيها الإخوان.

ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
رفض التونسيون الدعوة التي وجهها حزب النهضة الإسلامي لأمير قطر لحضور المجلس التأسيسي التونسي معتبرين الأمر دليل تدخل أجنبي غير مقبول, مهما كن الدور الإيجابي الذي قامت به قطر في مساندة ثورة الياسمين في تونس.

موقف التونسيين يأتي لكي يؤكد تشبث أهل هذه البلاد بحريتهم, مهما كان الثمن, خصوصا وأنهم فعلوا المستحيل لكي يتخلصوا من ديكتاتورية بن علي وتمكنوا من ذلك, وهم لايريدون السقوط في فخ أي ديكتاتورية أخرى كيفما كان نوعها.
درس بليغ آخر من تونس الخضراء

الثلاثاء، 23 غشت 2011

معمر القذافي: رجل حكم ليبيا بالطزطزات !

سيتذكر عنه التاريخ عبارة "طز" التي كان يواجه بها أعداءه، وسيتذكر عنه عنترياته الفارغة، وسيتذكر عنه العبارات الأكثر إثارة للضحك والسخرية. لكن ستتذكر عنه ليبيا أنه كان مجنون الحكم بها ، والرجل الذي استطاع على مدى واحد وأربعين سنة من الحكم أن يقتل عشرات الآلاف من الليبيين، وكل مرة تحت مبرر جديد، وبمسوغات لاعلاقة لها بالمسوغات التي قبلها.
سيتذكر عنه الحكام العرب أنه كان كابوسهم الحقيقي. رجل من عالم وكوكب آخرين أتى إلى سدة الحكم لكي يحكم، فقرر في لحظة من اللحظت أن يجعل الحكم لعبة يتسلى بها، تخضع لمزاجه المتقلب، يفعل بها الأفاعيل ويجر بها بلده كل مرة إلى "جرة" جديدة لاتخرج منها البلاد التي أسماها الجماهيرية على خير.
أطلق عليه السادات لقب "الواد المجنون بتاع ليبيا"، وكان يخافه أشد الخوف تماما مثل حسني مبارك الذي كان يقول لمقربيه إن أسوأ كابوس يزوره في المنام هو أن يستيقظ يوما فيجد العمالة المصرية في ليبيا التي تقدر بعشرات الآلاف قادمة إليه بعد أن يطردها معمر من جنته.
ملك السعودية عبد الله بن عبد العزيز يحتفظ عنه بأسوأ الذكريات الممكنة. في البدء حاول قتله وهو لازال وليا للعهد. تدبر أمر طريقة ما للوصول إلى قلب الديوان الملكي السعودي لكي يطلق الرصاص على الأمير عبد الله آنذاك الذي كان ولي عهد شقيقه الملك فهد بن عبد العزيز.
حين أخفقت خطته في قتل عبد الله بقي على كرهه لآل سعود، وفعل المستحيل لكي يصل إلى المعارضة الشيعية في المنطقة الشرقية بالعربية السعودية، واقترح عليها التمويل الكريم الكافي، ولكنها رفضت خوفا منه وتحسبا من مزاجه المتقلب الذي لايمكن أن تؤسس معه أي اتفاق كيفما كان نوعه.
في الختام جمعت الرجلين معركة طريفة في مؤتمر العرب الأخير في الدوحة، حين قال القذافي للملك عبد الله وهو يشاهده في نفس القاعة "إنت صنيعة الآمريكان"، قبل أن يضيف في جملة من جمله الغريبة "لكنني سامحتك الآن ويمكن أن أزورك وتزورني، فأنا ملك الملوك وعميد الحكام العرب، ولايمكن أن أنزل إلى مستواك".
مع حمد بن خليفة الذي يحكم قطر كانت له حكاية ثانية مخالفة تماما. الأمير القطري الذي تعتلي الآن صورة كبيرة من صوره الساحة الكبرى لبنغازي، بعد أن اعتبره الثوار محررهم الأول بسبب الدعم المادي والإعلامي لهم عبر قناة الجزيرة، ظل يحتفظ بعلاقات جد مثالية مع العقيد، وظل يخاطبه "ب"آخوي معمر" في الوقت الذي ظل القذافي على حذره منه وهو يردد لمقربيه "حمير الخليج هادول لاثقة فيهم". حمد ظل على علاقته بالقذافي الذي فتح لقناة الجزيرة الباب ومكن لها "الاستيطان" الإعلامي في طرابلس وبنغازي وبقية المدن الليبية الأخرى إلى أن دقت "ساعة الزحف"، وقرر الأمير القطري الكشف عن وجهه الفعلي تجاه العقيد وتجربة حكمه الغريبة التي انتهت هذه النهاية التي كان الكل ينتظرها.
مع الراحل الحسن الثاني كانت له حكاية من نوع آخر. الملك المغربي الراحل هو الوحيد الذي استاع في الختام ترويض القذافي، واستطاع أن يحرك جنونه في اتجاه خدمة المغرب ولو مرحليا في عديد اللحظات.
ينبغي هنا التذكير أن معمر مول بكل الكرم الليبي المعروف انفصاليي البوليساريو بل وحارب إلى جانبهم غير مامرة ضد المغرب في إطار ماكان يصفها بأنه حربه "ضة الملكيات وضد الرجعيات". لكن الحسن الثاني استطاع أن يجد له الطريقة المثلى للتعامل. صبر عليه طويلا، وفي الختام جمع بينهما اتحاد عربي إفريقي صوت عليه الشعبان في المغرب وفي ليبيا ، بل وذهب الحسن الثاني الذي كان معروفا عنه أنه لايحب التدشينات الكبرى في البلاد الأجنبية إلى النهر الصناعي العظيم على متن باخرته مراكش لكي يحضر تدشين الوادي الذي صنعه القذافي من عبقريته المجنونة لليبيين.
في قمة الجزائر وصل القذافي إلى المطار مرتديا قفازا أبيض في يده اليمنى تفاديا للسلام على الحسن الثاني بسبب زيارة شيمون بيريز للمغرب ذلك العام. قال الحسن الثاني للعقيد بعد أن لاحظ القفاز الأبيض في يده "أخي معمر، ألا تريد أن تصافحني؟". اضطرب القذافي من رد فعل الحسن الثاني الذي انخرط في تفسير لقائه بشيمون بيريز. في الختام لم يكتف القذافي بمصافحة الحسن الثاني بل ضمه إلى صدره وهو يقول له "لقد فعلت كل مابوسعي لكي أسقط نظامك، لكنني لم أستطع"، فرد عليه الحسن الثاني معترفا لأول مرة بسر ظل يحبسه في مكنون صدره "وأنا كذلك".
عرف عن بومدين أو القذافي ولعه بكل الغرائب الممكنة في الحياة. كان عاشق نساء متيم، لكنه كان ذميما للغاية، لذلك صنع له عيادة تجميل تصحبه أينما حل وارتحل، وكانت له - على شاكلة من عداه من الحكام المستبدين - الرغبة الفورية في مضاجعة أي أنِثى يراها أمامه، لذلك صنع مع الصحافيات اللائي فكرن يوما في القدوم إلى خيمته لكي يحاورنه أساطير حقيقية انتهت في آغلبها بترضيات مالية مجزية للغاية للصحافيات وبوعود لاتنقطع بالعودة كل مرة إلى سرير العقيد.
حكايته مع الممرضات الأوكرانيات اللائي كن يرافقنه في حله وترحاله ستظل للتاريخ، مثلما ستظل حكاية الحارسات النساء اللائي كن يصحبنه ملحا آخر إضافيا ستحكيه الأسطورة العربية عن رجل من الزمان الليبي الخطأ حكم ليبيا باسم الثورة، وانتهى يقول عن نفسه إنه ملك اللملوك وكبير حكام العالم.
أبناؤه ورثوا عنه جينات العظمة اكاذبة، والأنانية القاتلة. وحده محمد إبن زوجته المطلقة ظل خارج السرب، وظل يقول لإخوته إن كثيرا من الأمور ليست على مايرام. لذلك لم يكن مستغربا أن يسلم نفسه للثوار دون قتال، في الوقت الذي ذاب سيف الإسلام - الإبن الوريث - قتاللا ودفاعا عن أبيه، ونسي الساعدي حكايات الكرة الفاشلة اشتراء الأندية الإيطالية بالمال الوفير لكي تمكنه من اللعب لدقائق في صفوفها، والتحق بالجبهة دفاعا عن ملك والده وعن عشرات المصال الاقتصادية التي راكمها آل القذافي في ليبيا المسكينة.
اليوم وليبيا تسقط بين يدي جهات متعددة من حلف الناتو إلى قطر إلى الحركات المتطرفة إلى بعض المتحررين من أبناد شعبها، يبدو الشاب الذي أتى إلى الحكم عبر انقلاب عسكري مفاجئ ضد الملك السنوسي السبب الرئيسي في وصول أغنى دولة في المغرب العربي إى حالة الفوضى العارمة التي توجد عليها، وتبدو طزطزات القذافي الذي راكم على امتداد سنوات عمره حوادث الإرهاب العالمي، وانتهى بالاعتراف باقترافه لجريمة لوكربي وأداء ثمن غال من رزق الليبيين للعائلات وللدول الأوربية وأمريكا لكي يبقى الذريعة لأساس التي وجدها كل أعدائه للدخول مجددا إلى بئر نفط عرب جديد، تماما مثلما فعل صدام حسين للعراق يوم هرب إلى الشعارات الكبرى قبل أن يترك العراق مشتتا بعده بين الملل والنحل.
تراها لعنة العربان القديمة التي تجعلهم يفسدون أي قرية دخلوها؟ أم تراها الديكتاتورية بكل اختصار؟ تلك التي تجعل إنسانا عاديا يعتقد في لحظة من اللحظات أنه مصطفى من جهة علوية خفية لكي يفعل بالبلاد والعباد مايشاء؟
لاجواب، لكن الكثير من التأمل في مسار رجل استطاع على امتداد واحد وأربعين سنة، أن يحكم بلدا بأكمله ب"الطزطزات".

الأحد، 31 يوليوز 2011

من شابه أباه

بشار على خطى أبيه حافظ, مقتل أكثر من خمسين سوريا ليلة أمس في حماة التي خبرت في بداية الثمانينيات القتل على يد آل الأسد عبر مجزرة حافظ وأخيه في أهاليها. من قال إن جينات القتل لاتمر عبر الوراثة؟

السبت، 30 يوليوز 2011

حدث عيد العرش

الكل كان ينتظر تحديد موعد الانتخابات من خلال خطاب العرش اليوم, إلا أن الملك لم يعلن التاريخ الموعود. بالمقابل الحدث الأبرز كان هو توشيح عبد اللطيف الحموشي مدير "الدي إس تي" كتعبير عن امتنان المغرب لهذا الجهاز بعد تفجيرات أركانة التي تم التوصل إلى مرتكبيها بسرعة, وكذا التنويه بطريقة اشتغال رجال الظل في غمرة انتقادهم من طرف العديدين عن حق أو باطل
بالنسبة للانتخابات الأشياء كلها تقول إننا سائرون نحو مارس المقبل, وأن موعد أكتوبر يبتعد شيئا فشيئا

دستور يا سيادنا

مر الدستور, وانتقلنا إلى مرحلة مابعده. هل لدينا طبقة سياسية قادرة على تنزيله؟ لا أعرف, لكن تعجبني كلمة التنزيل التي اكتشفها الكل هذه الأيام, وأصبح يرددها. عادتنا نحن المغاربة هي هذه بالتحديد. عندما نكتشف كلمة ما نكتشفها جميعا, دفعة واحدة, قاطبة, دون أي استثناء. وقع لنا الأمر ذاته أيام المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
جميعا اكتشفنا أن هناك حاجة ماسة لمبادرة تكون وطنية تضع نصب عينها تنمية البشر في هذا الركن السعيد. البعض حول هذه المبادرة إلى مبادرة شخصية لتنمية حسابه الشخصي, وبعض الجمعيات جعلتها بقرة حلوبا تدخل بموجبها غير قليل من الفوائد إلى كل المنتمين إليها وعلى رأسهم رئيس أو رئيسة الجمعية شخصيا. لكن كل هذا لايهم. الأهم منه أننا جميعا أصبحنا وأمسينا على الكلمة ذاتها لكأن أحدا أوحى لنا بها وتركها بيننا كلمة سر أو رمزا سريا أو ماشابه.
الأمر ليس غريبا علينا, فمنذ بداية الخليقة كنا القوم الذين يفتحون جميعا المحلات لبيع الحرشة إذا ما نجحت هذه التجارة, ثم أصبحنا القوم أنفسهم الذين نفتح "التيليبوتيكات" في كل مكان إلى الدرجة التي أًصبح فيها السؤال مطروحا بالفعل "لمن كيعيطو كاع هاد المغاربة؟", ثم كنا القوم الذين نفتتح بين مقهى ومقهى...مقهى ثالثة, لذلك لاعجب على الإطلاق أن نحفظ نفس الكلمة في نفس اللحظة وأن نشرع في الترديد.
تنزيل, تنزيل, ماعلينا. لكن علينا اليوم فعلا أن نطرح السؤال الآخر: من سينزل علينا الدستور الجديد؟
أحزابنا بكل تأكيد. الكثيرون _ ونحن نتبع هواهم في بعض الأحايين _ يقولون إن هذه الأحزاب غير صالحة لشيء على الإطلاق, وأن الفرصة أتتها مرارا وتكرارا لكي تثبت أن بها نبض حياة أو شبهة عيش, لكنها لم ترد المصادقة على الأمر. فضلت عوضه أن تبقى حبيسة الأوامر والتعليمات واتفاقات الكواليس من تلك التي لايفهمها شعبنا نهائيا, من قبيل المصحف الذي يقال لنا إلى اليوم إن عبد الرحمان اليوسفي أقسم عليه يوما والسلام.
مرة أخرى كل هذا لايهم. الأهم منه اليوم تنزيل هذا الدستور الجديد, والأهم من التنزيل هذه القوانين التنظيميية العديدة التي يلزمها ختاما دستور آخر من أجل أن تكون ذات معنى بالفعل.
المتحزبون منا يقولون "لابديل, ليست هناك ديمقراطية حقيقية دون أحزاب كيفما كان نوع هذه الأحزاب". نقول لهم آمين في الجزء الأول من الكلام "بالفعل ليست هناك ديمقراطية حقيقية دون أحزاب", ونتوقف لكي نقول لهم في الجزء الثاني إنهم واهمون "مامتافقينش على قضية أحزاب كيفما كانت". اليوم المغربي أصبح بشروط كثيرة, مواطنا متطلبا للغاية, وله الحق في ذلك وله أيضا كثير العوامل المساعدة على "الفشوش".
عالمنا العربي الإسلامي يغلي. ماما أمريكا تقول لمن يريد أن يسمعها أو لايريد إنها تساند دمقرطة هذا الركن, بل هي مستعدة لفرض هذه الدمقرطة بالقوة, والدول التي فهمت هذا الكلام هي التي انخرطت في عملية إصلاح نفسها, والأحزاب لاتمتلك إلا المثيل لكي تفعله أو تمتلك معه خيارا آخر ثانيا ووحيدا غيره هو خيار الانقراض.
في أكتوبر المقبل أو في مارس الذي يليه, حسبما تنتهي إليه كل المشاورات اليوم, سنكون مدعوين لانتخابات أخرى. لن يكون الرهان يومها من سيفوز بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية لكي يفرض أكبر عدد من مستوزريه مثلما تعتقد أحزابنا اليوم. الرهان الأكبر لدى المغرب هو كيف ستمر هذه الانتخابات؟ من سيتقدم إليها ؟ هل ستعرف مجددا السباق المحموم بين "مالين الشكارة" لكي يصلوا إلى مواقع فرض القرار الذي يساير أهواءهم المالية ومصالحهم الشخصية؟ هل ستبدع أحزابنا برامج سياسية حقيقية بينها فوارق فعلية, ولا تكتفي بعبارات "غادي ندوزو عليكم الواد الحار" التي ولدنا وعشنا ويبدو أننا سنرحل على إيقاعها؟ هل سنرى وجوها جديدة بالفعل تقدم لنا خطابا سياسيا مغايرا؟ أم ترانا سننتكس ونصاب بخيبة الأمل الكبرى ونحن نرى الوجوه المصائب ذاتها وهي تحاول مرة أخرى وإضافية أن تخدع البلد بنا وأن تخدعنا بالبلد وأن تخرج "عاوتاني" هي المنتصرة بعد كل هذا الهراء؟
من يتخيلون أننا مدعوون لانتخابات, المسائل التقنية من النزاهة إلى احترام إرادة الناخبين وحدها ستتحكم فيها, يخلفون الموعد تماما مع مستقبل هذا البلد. ميعادنا المقبل هو مع أن نجعل كل الكلام الذي تداولناه بيننا في الأيام الماضية حقيقة, أو أن نعلن لشعبنا أنه الوهم فقط, وأن على الناس إذا ما أرادت رؤية نفسها ممثلة في سياسة بلدها فعلا أن تبحث عن طريق آخرغير طريق الانتخابات, وغير طريق الأحزاب.
الكرة بكامل محيطها اليوم في ملعب هذه الأحزاب, وغدا إذا ما أخلفنا مجددا هذاالموعد, لن نلومها فقط, سنبحث عن طريقة أخرى لمعاقبتها. هذا مايقوله المغاربة اليوم, وهذا مايتمنون تفادي قوله مرة أخرى. تسالات الهضرة. "بس خلاص", مثلما يقول شعبولا الذي يبدو وحده قادرا اليوم على فهم كثير الأشياء.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
تصحيح ضروري نبهنا إليه صديقنا حسن مرزاق الفاعل الرياضي المعروف بخصوص ماذكرناه عن عدم تكافؤ الفرص بين الفريقين الذين لعبا نهاية كأس العرش, بعد برمجة لقاء نهضة بركان في مدينة وجدة, حيث أشار مرزاق إلى أن قرار احتضان القاعة المغطاة الجديدة لوجدة للقاء النهاية كان مقررا قبل معرفة الفريقين المتأهلين لخوض غمار هذه المباراة, ولاعلاقة لتأهل بركان ببرمجة اللقاء في مدينة قريبة إليها.
تصحيح في محله وبه وجب التنويه, رغم أن الفريق المنافس وأهله يعتبرون أنه كان ممكنا تغيير هذا الاختيار حفاظا على تكافؤ الفرص من كل ناحية بين الفريقين.

فضائح بلخياطية

شاهدت مثل آخرين غيري لقاء مارسيليا وليل الذي لعب بملعب طنجة الكبير بدون سبب واضح نهائيا, بالنسبة لي أنا على الأقل الذي أعتبر أننا يجب أن نستفيد من علاقتنا بالكرة الفرنسية أكبر من مثل هذه "الاستفادات" الغريبة التي يأتي بها منصف بلخياط وصحبه. في السنة الماضية لعبت الجامعة الفرنسية لكرة القدم نفس المباراة بين بطل الكأس وبطل الدوري الفرنسيين في ملعب رادس بتونس, تحت رعاية شخصية من سليم شيبوب صهر الرئيس التونسي المخلوع الذي كان يقنع بن علي أن مثل هذه المبادرات هي علامات صداقة لا تنتهي ولن تنتهي وهي الدلائل على أن فرنسا لن تتخلى عن بن علي أبدا.
في الخختام اتضح أن سليم شيبوب رئيس الترجي التونسي وأحد أباطرة الرياضة في تونس بن علي كان يطعم الرئيس المخلوع أكاذيب كبيرة لكي يمرر مشاريعه التجارية والاقتصادية لا أقل ولا أكثر, واتضح أن فرنسا لا تهتم بإقامة مباريات فرقها على أرض دول أجنبية قدر ماتهتم بمصالحها السياسية والاقتصادية الكبيرة خصوصا حين يكون الأمر جدا, بل "وجد الجد كمان" مثلما وقع للرئيس التونسي السابق.
نحن لاعلاقة لنا بالوضع بتونس لا من قريب ولا من بعيد, ولكن هناك شيئا فاضحا لايمكن للعين المجردة أن تخطئه في عملية تنظيم لقاء كأس الأبطال على الأرض المغربية هو أن درجة الاستفادة منه مغربيا هي صفر على الشمال وعلى اليمين وعلى كل الاتجاهات الممكنة. لنسر بالمهل, مثلما نفعل حين نريد أن نأكل "بودنجال" مثلما يعلمنا مثلنا الدارج البليغ, لكي نفهم سر عدم الاستفادة هاته, ولكي نفهم من هم العلماء الكبار الذين سخروا هذه اللعبة التجارية لكي تصب في مصلحتهم, والتي انقلبت عليهم بفعل انعدام الخبرة في الميدان الذي يقال لهم في المغرب اليوم: سيروه.
منذ لحظة اللقاء الأولى بين الفرنسيين وبين شركة خليل بنعبد الله التي أصبحت المتعهدة الرسمية للملاعب الكبرى التي تبنيها الدولة المغربية, من ملعب مراكش الكبير إلى ملعب طنجة الجديد, وصولا إلى الملعب المزمع افتتاحه في أكادير وإلى كل الملاعب التي قد يفكر المغرب يوما في بنائها, كان الاتفاق واضحا: الشركة تعهدت للفرنسيين بأن يكون الملعب ممتلئا عن آخره, لأن "المغاربة يحبون الكرة الفرنسية ويحبون بالتحديد فريق مارسيليا", بل وأضاف أصحاب الشركة حينها من توابلهم الشيء الكثير حين قالوا إن المهاجرين المغاربة المستقرين في فرنسا والذين يقضون عطلتهم في المغرب سيتوجهون كلهم إلى الملعب لمشاهدة مارسيليا, وهو مايعني إقبالا جماهيريا منقطع النظير.
ثلاثة أيام قبل اللقاء الذي تم الإعلان عنه منذ أشهر عديدة, لم يكن ربع التذاكر المخصصة له قد نفذ بعد, وكانت الفضيحة التي تنتظر سونارجيس شركة بنعبد الله هي مشهد الملعب فارغا والذي سيتم نقله إلى كل أنحاء الدنيا أو بالتحديد إلى قناة "كنال بلوس" الفرنسية, وهو المشهد الذي لم يكن ممكنا السكوت عنه بالمرة. ما الحل؟ تم اللجوء للعملية المغربية إياها, وتم إهداء التذاكر بالمجان لكل من يريد الدخول ذلك الأربعاء لمشاهدة لقاء لاعلاقة لنا به لا من قريب ولا من بعيد يتم خوضه على أرضنا, وهذه ثاني الفضائح التي تورط يها مسؤولونا الرياضيون "تبارك الله عليهم".
البعض سيقول إن الأنتر وأسي ميلان سيخوضان الكأس الممتازة الإيطالية في ملعب "عش الطائر" بالعاصمة الصينية بكين . الرد جاهز على من سيقارن بين الصين وبين المغرب بالقول إن الشركات الصينية الخاصة هي التي استقدمت الناديين الإيطاليين العملاقين إلى هناك, وهي التي تكفلت بكل شيء, من تذكرة السفر إلى اكتراء الملعب, إلى تسديد حقوق النقل التلفزيوني. فمن الذي استقدم الفريقين الفرنسيين إلى طنجة؟ من أدى الفاتورة المملحة لفنادق المدينة؟ ومن تكلف ب"رش" الصحافيين الفرنسيين المرافقين للناديين القادمين من ليل ومن مارسيليا؟
لا جواب لدينا نحن, إذ نكتفي بطرح الأسئلة مثل أي صحافيين مجتهدين ونترك للخبراء الكبار في مجال الرياضة والاقتصاد و"الماركوتينغ الرياضي" أن يجيبونا على كل شيء. دون أن ننسى شيئا آخر هاما للغاية هو الرد على من يقولون إن لقاء مثل هذا هو فرصة لكي نظهر أننا نعيش في أمن وأمان في المغرب وأنا قادرون على احتضان أي شيء وكل شيء لكي نثبت للعالم أجمع أننا "بخير وعلى خير".
أصحاب مثل هذا التفكير يجب أن يحجر عليهم. المغرب في أمنه وأمانه هذه مسألة لانقاش عليها, وأول من يجب أن يقتنع بهذا الأمن والأمان هم المواطنون المغاربة قبل وبعد الآخرين, كل الآخرين. أما أصدقاؤنا الفرنسيون, فنعرف معدنهم جيدا, ولقد خبرناهم مجددا حين قالت وزيرة خارجية المقالة أليو ماري إن "على فرنسا أن ترسل خبرتها في محاربة الفوضى لمساندة الصديق بن علي في وجه شعبه", قبل أن نسمعهم أياما قليلة بعد سقوط بن علي يعتذرون ويقولون إنهم "لم يكونوا على علم بالفظاعات التي كان يرتكبها في حق شعبه".
بلاد بحال هادي عمرك ماتعول عليها, واخا ينظمو عندك الديفيلي ديال 14 يوليوز كاع, ماشي غير ماتش دالكرة
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
التهديد الذي تلقاه المواطن قاسم الغزالي بعد تجديده لنداء الحريات الفردية, ومطالبته بإلغاء الفصل 222 من القانون الجنائي الذي يعاقب المفطر جهارا في رمضان, هو تهديد يجب أخذه بعين الاعتبار وبكل الجدية الممكنة. قد لانتفق مع رأي قاسم ولا مع مايدعو إليه ومايطالب به, لكننا ملزمون بالتضامن معه في وجه التهديد باالقتل الذي وجه إليه من غير ما جهة وعلى لسان أكثر من منتقد في صفحات الأنترنيت.
قوة المغرب هي في قدرته على تحمل كل الآراء حتى أكثر بعدا عن الحكمة والعقل. "هادا ماكان"