هل مات حزب الأصالة والمعاصرة؟ هل قتلت حركى 20 فبراير الحزب السلطوي, الأغلبي, حزب الدولة, حزب صديق الملك إلى آخر التسميات التي جادت بها قريحة المتتبعين للسياسة مثلما تقترف في المغرب؟ كل المؤشرات تقول نعم. المنتمون إلى البام خوفا من الهمة أو تقربا وتزلفا له أصبحوا أكثر الراغبين في الهروب من البام خوفا من الهمة والبقاء معه في هذه الأيام التي تهب فيها رياح ثورية على المنطقة العربية ككل.
كنا نعرف ونحن نشاهد حشد الحشود السياسية من كل التنظيمات أن أغلب هؤلاء لن يصمدوا كثيرافي الحزب إذا مافارقه مؤسسه, لكننا لم نكن نتخيل أن يتسرب الوهن بهذه السهولة وهذا اليسر إلى التنظيم القوي فور أن ترتفع في الشارع شعارات قليلة يوم 20 فبراير وبعده تقول بأن حزب الدولة لم يعد له مكان في العالم اليوم. ومع ذلك, ولأن السياسة في المغرب استثناء فعلي علينا أن نتحفظ قليلا في استباق كل النتائج التي يمكن أن نتخيلها, وعلينا أن نترك خط رجعة لنا مع كل هذه السياسة وكل هؤلاء السياسيين.
للتملي في حجم المفارقات المضحكة المبكية في سياسة المغرب, يكفي أن نتأمل هذا المشهد لوحده: البعض كان يتحدث عن استوزار قريب مباشرة بعد انتهاء استحقاقات 2012, البعض كان يضع نفسه في المؤسسة العمومية التي تحلو له, البعض كان يتحدث عن تطبيق الدولة حرفيا لكل التنظيرات التي يضعها, والبعض الرابع كان يكتفي بتحريك رأسه والابتسامة في وجه محدثيه ولسان حاله يقول "دابا تشوفو شنو قلت ليكم".
السياسة لحسن الحظ أو لسوئه في العالم الآخر, عالم الناس المتحضرين لم تعد تصرف بهذا الشكل نهائيا. أصبحت لديها برامج محددة وأحزاب بمناضلين حقيقيين, وبشعوب تأتمر بكلمتها هي التي تقرر لها متى ستخرج إلى العلن, متى ستؤسس نفسها, متى ستعقد مؤتمراتها, من ستنتخب من قياداتها, ماهي تحالفاتها الحالية والمستقبلية, وماهي الأشياء التي تعد أولويات فعلية بالنسبة لها, وما هي الأمور الثانوية التي يليق تأجيلها إلى حين. باختصار الحزب ليس نزوة ولن يكون أبدا كذلك.
ومع ذلك دعنا لا نشبه أولئك الذي لايحلو لهم إطلاق النار إلا على سيارات الإسعاف. دعنا نجد للبام في أيام ذهابه هاته (أو مايبدو أنها أيام ذهاب له) بعض الحسنات التي حملها معه إلى المشهد السياسي المغربي هو الذي يقول خصومه السياسيون إنه لم يأت إلا بالسلبيات.
أولى حسنة صنعها البام لهاته السياسة المترهلة في وطننا هي أنه أعاد للسياسيين المغاربة رغبتهم في النقاش. علينا أن نعترف أنه وقبل خلق أو إحداث أو تأسيس أو الأمر بتأسيس البام, كان المشهد السياسي الوطني رتيبا للغاية, يخرج منه المحجوبي أحرضان لكي يقتحمه عبد الواحد الراضي, باختصار ملل يذهب وروتين يأتي. بعد البام أصبحت هناك بعض التنويعات. انشغل المتتبعون أو تم أمرهم بالانشغال طويلا بالعلاقة التي تجمع فؤاد عالي الهمة بالحزب, وهل هو صاحبه أم هو مجرد مؤتمن عليه, أم هو عرابه, أم هو شيء آخر عصي على التحديد تربطه بهذا الحزب علاقات وأواصر أقوى من كل ماقلناه حتى الآن.
بعد تأسيس البام, اكتشف المغاربة قدرة النفوذ على إقناع الناس بالعودة إلى السياسة. بعضهم, وفيهم أناس كنا نعتقد أن لديهم موقفا واضحا من الديمقراطية الحزبية, ومن الديمقراطية ككل, أصبح فجأة متحمسا لقيادة الجهة نحو النصر في الانتخابات المقبلةو واستل من حيث لاندري عبارات الصراع السياسي الحزبي بعد أن كان يقول لنا لسنوات إن الحزبية في المغرب هي دليل إفلاس لا أقل ولا أكثر.
بعد بناء البام فهمنا أن المشكل لا يوجد في السياسة في المغرب ولكنه يوجد في السياسيين بالتحديد. عندما كنا نرى عمليات الترحال الكبرى من الفرق إلى الفريق الجديد, وعندما كنا نلمح مشاهد سوريالية لأحزاب تنام في الليل مالكة لعدد من النواب, وتستيقظ في الواحدة صباحا وهي لا تتوفر إلا على عضوين, أحدهما كان نائما ولم يتسن للبام الاتصال به لاستقطابه والثاني نسي هاتفه النقال مقفلا مما ضيع عليه هذه الفرصة التاريخية هو الآخر.
بعد مجيئ البام إلى الحقل السياسي المغربي تعرفنا على إلياس العماري, الرجل الذي يبدو قادرا على فعل كثير من الأشياء في مغرب اليوم. شاهدنا حكيم بنشماس في جلسات مجلس المستشارين كل ثلاثاء, وتعرفنا على آخرين وأخريات كلهم كانوا يقولون لنا إنهم كانوا مختفين في مكان ما في انتظار رجة حقيقية تعيد للمشهد السياسي المحلي قيمته وهاهي أتت الآن, لذلك هم عادوا, وجميعهم كانوا يحرصون كلما تحدث إليهم أحد أن يقولوا أن لاعلاقة إطلاقا للهمة بانخراطهم في الحزب الجديد, وأنه لو لم يكن هناك فيه هذا الرجل لتملكهم نفس الحماس الذي أبدوه لنا تلك الأيام.
والآن؟ ما الذي سيقع بالتحديد؟ أمنيتي الأكثر صدقا هو أن يخرج من بين هؤلاء من يتشبث اليوم بحزبه بغض النظر عن كل مايقال, وأن يقنعنا بأنه فعلا لم يذهب إلى البام تزلفا أو طمعا أو انتهازا لشيء ما, بل ذهب عن اقتناع وسيبقى فيه اليوم عن اقتناع حتى مع الكلام الذي يقال في كل مكان الآن عن ضرورة حل هذا الحزب ورفع يد الدولة عن التدخل السافر في الحقل الحزبي.
سنرى وسنتابع ماسيقع, وبعد ذلك سنحكم, دون أن ننسى أن "كلها كيجبد على أصلو", وهذا في السياسة وفي كل مناحي الحياة.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
لاأفهم حقيقة موقف سعيد بن جبلي الذي يقول عن نفسه إنه أول من أسس صفحة 20 فبراير على صفحات الفيسبوك. الشاب المنتمي إلى العدل والإحسان يريد "باللي كاين" أن ينسب إلى نفسه زعامة لا أحد يواففقه عليها, والمشكلة هي أنه يريد القيام بهذا الأمر في حركة تأسست أصلا على قتل مفهوم الزعامة والكفر بكل من يعتبرون أنفسهم زعماء.
على بن جبلي إذا أراد البقاء في حركة 20 فبراير دون أن يضطر الشباب كلهم إلى التبرؤ منه أن ينسى وهم أول من أسس والمطلق الرئيسي للحركة, لأن الحركة في عمقها لم يطلقها أي كان بل تجمع حول دعوتها شباب المغرب الذين أصبحوا يحملون اليوم إسم "شباب عشرين فبراير". وما على من يحلم بقيادتهم إلا أن يغادر هذا الوهم لأنه غير قابل للتحقق نهائيا.
الثلاثاء، 8 مارس 2011
الاثنين، 7 مارس 2011
الجيل الملعون
نحن من جيل منتصف الطريق. لسنا من جيل من يمنون علينا يوميا أنهم سبب كل الخيرات التي يعيش فيها البلد, وأنهم المناضلون الذين عانوا لكي نصل إلى مانحن فيه من قدرة على الكلام دون خوف من شيئ, ولسنا كذلك من الجيل الجديد الذي يريد تكسير كل المعابد على رؤوس كل الشمشونات لكي يعثر على دليلته الخاصة به والذي يعتقد أن الكل إما "باع الماتش" أو "باع الطرح" أو باع الوطن بكل اختصار.
ميزة الانتماء لجيل الوسط هاته هي أنها تعطيك القدرة على التحديق مليا في الجيلين السابقين لكي تقول لهما حقيقتهما معا دون أن تفكر كثيرا في العواقب والتبعات. الجيل الأول الذي لايتعب حاخاماته من ترديد جملة "شفتي أنا؟ عمرك كامل دوزتو حباسات", هو جيل قدم ماعليه والسلام. النضال لم يكن في يوم من الأيام فرض عين على أحد. النضال اختيار أولا وأخيرا, والمناضل الحق لا يناضل لكي يصل إلى أرذل العمر قادرا على التمتع بالحقيبة الوزارية الفارغة من كل محتوى إلى أن تنعيه يوما القناة الأولى الرسمية بعباراتها الإنشائية المسكوكة ببلادة غريبة من معجم خشب الصندل العتيد.
المناضل الحقيقي يناضل لكي يصل ببلده إلى موقع ما, وحين ينجح في الوصول بالبلد إلى ذلك الموقع يعتبر أنه قدم ماعليه وينزوي, ينسحب أو يواصل النضال حسب الظروف. هو لايقول لكل من يتحدث معهم باستمرار إنه صاحب فضل على كل الأجيال التي ستأتي بعده, وأن الجرح الذي يحمله في كتفه, أو "البونية" التي أكلها ذات يوم في دار المقري أو مولاي الشريف أو الكوربيس هي دين علينا جميعا أن نستمر في تأديته إلى أن تنتهي كل الأيام.
هذا الأمر لايسمى نضالا. هذا الأمر يسمى وضع وديعة في بنك الزمن ومطالبة الأجيال باستمرار بأداء الفوائد عليها إلى أن تنقرض هذه الأجيال. وأعتقد أننا وصلنا في المغرب اليوم إلى المرحلة التي ينبغي فيها علينا أن نحترم تاريخ الناس دون أن يطلب منا هؤلاء الأخيرون ذلك تحت التهديد بأنهم سيغضبون منا, وسيندمون على كل يوم نضال قضوه دفاعا عن قضاينا نحن الذين لانستحق كل هذا الهراء.
الجيل الثاني, هذا الذي نبت الآن, له طريقة مشابهة في التفكير لكن في الاتجاه الآخر. هو يعتقد أن الجميع بلا استثناء مشتركون في مؤامرة على الجميع. أطراف المجتمع وأطيافه تلتم يوميا من أجل التخطيط لشيء غامض, والراغبون في الحديث بصوت هادئ هم مناورون باعوا كل لقاءات الدوري الوطني, ويبحثون عن "ماتشات" من دوريات عالمية أخرى لكي "يعيدوا فيها البيع مجددا".
من ميزات بعض الجيل الجديد أيضا هذا الاكتفاء الذاتي المرعب الذي يحيا فيه. ألتقي بشباب في العشرين أو دونها اليوم في الفيسبوك, يبادرك الواحد منهم بالسلام, ثم يشرح لك أنك أنت وماتكتب وماقرأته على امتداد سنوات عمرك كلها لاتعنون له شيئا. "علاش آحنيني؟", لأنك ممخزن أنت وكل من يكتب في الصحافة المغربية اليوم. تشكره وتتمنى له ليلة سعيدة, وتقفل حسابك الفيسبوكي نهائيا, ثم تلعن الشيطان وتقول إن عليك أن تسمع صوت الجيل الجديد, لكي تعرف مع من تعيش ومن هم مجايلوك بالتحديد.
تخرج لك من الجنب فتاة صغيرة في السادسة عشر, تبدؤك بالسلام (بعدا مربيين هاد الدراري), ثم تطلب منك أن تتوب عن غيك وأن تدخل إلى دين الإسلام. تذكرها بأن المسألة حسمت منذ خمسة عشر قرنا في شبه الجزيرة العربية, وأنها حسمت أيضا في بلدك منذ أيام إدريس الأول والأمازيغ الباحثين عن ملك إلى آخر الرواية التاريخية التي تحفظها دون أن تكون متأكدا من صحتها. تستمع إليك الشابة الصغيرة, ولاتقتنع ختاما بل تنهي محادثتها معك بالقول بكل بساطة : أيها العلماني لعنك الله".
تردد في دواخلك "آمين", فأنت من اختار المحادثة في نهاية المطاف, وأنت من ينبغي أن يدفع عواقبها وكل الضرائب التابعة لها.
بين الجيل الأول والجيل الثالث يوجد جيل ثان, خير تجسيد له لمن يبحث عن تجسيد هم هؤلاء الكهول الذين يسجلون أنفسهم اليوم في العمالات والأقاليم بعد أن قيل لهم إن هناك وظائف في انتظارهم بعد سنوات طويلة من الحرمان. هذا الجيل الوسط لم يعش سنوات الرصاص مثل الجيل الأول, ولم يعش سنوات الفيسبوك والتويتر مثل الجيل الثاني. هذا الجيل عاش سنوات الخيبة العالقة في أعين الأمهات, ولحظات الغصة الكثيرة التي علقت بغير قليل من الآباء, وعاش مرارة "الشمتة" يوم أنهى دراسته بتفوق وقالوا له "إذهب أنت وشهادتك, فاجلسا أمام البرلمان, إنا هاهنا متفرجون".
هذا الجيل التائه بين مناضلي العهود القديمة وبين مناضلي الفيرتيال الجدد, يستحق بعد كل "التخربيق" الذي وجد نفسه فيه منذ البدء وحتى الختام, أن يحيا متأرجحا بين الجيلين, فلا هو هنا ولا هو مع الهناك. له اللعنة التي اعتنقها منذ أتى, وله بالتأكيد يوم سيرحل, المزيد من اللعنات.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
يبدو أن صديقنا معمر سيناضل طويلا ضد أبناء شعبه, وسيقاوم رغبتهم في إزالته ولو اضطره الأمر لقتلهم جميعا وقتل نفسه معهم في الختام إذا تعذرت عليه المغادرة الطوعية. البعض ممن يسبون معمر هذه الأيام لا حق لهم في ذلك. هم كانوا مستفيدين من خيرات بترول الجماهيرية إلى أقصى مدى, وكانوا على العكس مما يفعلونه الآن ومما يفرضه المنطق السليم, يسبون من ينتقد معمر ويتهمونه بأنه يريد توتير الأجواء بين المملكة والجماهيرية.
أمثال هؤلاء عليهم أن يكتفوا بإخراج اللطيف هذه الأيام لكي ينتصر معمر وعياله, فيما عدا ذلك لايبدو لي أن أحدا يريد الإنصات لرأيهم في هذا الموضوع بالذات
ميزة الانتماء لجيل الوسط هاته هي أنها تعطيك القدرة على التحديق مليا في الجيلين السابقين لكي تقول لهما حقيقتهما معا دون أن تفكر كثيرا في العواقب والتبعات. الجيل الأول الذي لايتعب حاخاماته من ترديد جملة "شفتي أنا؟ عمرك كامل دوزتو حباسات", هو جيل قدم ماعليه والسلام. النضال لم يكن في يوم من الأيام فرض عين على أحد. النضال اختيار أولا وأخيرا, والمناضل الحق لا يناضل لكي يصل إلى أرذل العمر قادرا على التمتع بالحقيبة الوزارية الفارغة من كل محتوى إلى أن تنعيه يوما القناة الأولى الرسمية بعباراتها الإنشائية المسكوكة ببلادة غريبة من معجم خشب الصندل العتيد.
المناضل الحقيقي يناضل لكي يصل ببلده إلى موقع ما, وحين ينجح في الوصول بالبلد إلى ذلك الموقع يعتبر أنه قدم ماعليه وينزوي, ينسحب أو يواصل النضال حسب الظروف. هو لايقول لكل من يتحدث معهم باستمرار إنه صاحب فضل على كل الأجيال التي ستأتي بعده, وأن الجرح الذي يحمله في كتفه, أو "البونية" التي أكلها ذات يوم في دار المقري أو مولاي الشريف أو الكوربيس هي دين علينا جميعا أن نستمر في تأديته إلى أن تنتهي كل الأيام.
هذا الأمر لايسمى نضالا. هذا الأمر يسمى وضع وديعة في بنك الزمن ومطالبة الأجيال باستمرار بأداء الفوائد عليها إلى أن تنقرض هذه الأجيال. وأعتقد أننا وصلنا في المغرب اليوم إلى المرحلة التي ينبغي فيها علينا أن نحترم تاريخ الناس دون أن يطلب منا هؤلاء الأخيرون ذلك تحت التهديد بأنهم سيغضبون منا, وسيندمون على كل يوم نضال قضوه دفاعا عن قضاينا نحن الذين لانستحق كل هذا الهراء.
الجيل الثاني, هذا الذي نبت الآن, له طريقة مشابهة في التفكير لكن في الاتجاه الآخر. هو يعتقد أن الجميع بلا استثناء مشتركون في مؤامرة على الجميع. أطراف المجتمع وأطيافه تلتم يوميا من أجل التخطيط لشيء غامض, والراغبون في الحديث بصوت هادئ هم مناورون باعوا كل لقاءات الدوري الوطني, ويبحثون عن "ماتشات" من دوريات عالمية أخرى لكي "يعيدوا فيها البيع مجددا".
من ميزات بعض الجيل الجديد أيضا هذا الاكتفاء الذاتي المرعب الذي يحيا فيه. ألتقي بشباب في العشرين أو دونها اليوم في الفيسبوك, يبادرك الواحد منهم بالسلام, ثم يشرح لك أنك أنت وماتكتب وماقرأته على امتداد سنوات عمرك كلها لاتعنون له شيئا. "علاش آحنيني؟", لأنك ممخزن أنت وكل من يكتب في الصحافة المغربية اليوم. تشكره وتتمنى له ليلة سعيدة, وتقفل حسابك الفيسبوكي نهائيا, ثم تلعن الشيطان وتقول إن عليك أن تسمع صوت الجيل الجديد, لكي تعرف مع من تعيش ومن هم مجايلوك بالتحديد.
تخرج لك من الجنب فتاة صغيرة في السادسة عشر, تبدؤك بالسلام (بعدا مربيين هاد الدراري), ثم تطلب منك أن تتوب عن غيك وأن تدخل إلى دين الإسلام. تذكرها بأن المسألة حسمت منذ خمسة عشر قرنا في شبه الجزيرة العربية, وأنها حسمت أيضا في بلدك منذ أيام إدريس الأول والأمازيغ الباحثين عن ملك إلى آخر الرواية التاريخية التي تحفظها دون أن تكون متأكدا من صحتها. تستمع إليك الشابة الصغيرة, ولاتقتنع ختاما بل تنهي محادثتها معك بالقول بكل بساطة : أيها العلماني لعنك الله".
تردد في دواخلك "آمين", فأنت من اختار المحادثة في نهاية المطاف, وأنت من ينبغي أن يدفع عواقبها وكل الضرائب التابعة لها.
بين الجيل الأول والجيل الثالث يوجد جيل ثان, خير تجسيد له لمن يبحث عن تجسيد هم هؤلاء الكهول الذين يسجلون أنفسهم اليوم في العمالات والأقاليم بعد أن قيل لهم إن هناك وظائف في انتظارهم بعد سنوات طويلة من الحرمان. هذا الجيل الوسط لم يعش سنوات الرصاص مثل الجيل الأول, ولم يعش سنوات الفيسبوك والتويتر مثل الجيل الثاني. هذا الجيل عاش سنوات الخيبة العالقة في أعين الأمهات, ولحظات الغصة الكثيرة التي علقت بغير قليل من الآباء, وعاش مرارة "الشمتة" يوم أنهى دراسته بتفوق وقالوا له "إذهب أنت وشهادتك, فاجلسا أمام البرلمان, إنا هاهنا متفرجون".
هذا الجيل التائه بين مناضلي العهود القديمة وبين مناضلي الفيرتيال الجدد, يستحق بعد كل "التخربيق" الذي وجد نفسه فيه منذ البدء وحتى الختام, أن يحيا متأرجحا بين الجيلين, فلا هو هنا ولا هو مع الهناك. له اللعنة التي اعتنقها منذ أتى, وله بالتأكيد يوم سيرحل, المزيد من اللعنات.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
يبدو أن صديقنا معمر سيناضل طويلا ضد أبناء شعبه, وسيقاوم رغبتهم في إزالته ولو اضطره الأمر لقتلهم جميعا وقتل نفسه معهم في الختام إذا تعذرت عليه المغادرة الطوعية. البعض ممن يسبون معمر هذه الأيام لا حق لهم في ذلك. هم كانوا مستفيدين من خيرات بترول الجماهيرية إلى أقصى مدى, وكانوا على العكس مما يفعلونه الآن ومما يفرضه المنطق السليم, يسبون من ينتقد معمر ويتهمونه بأنه يريد توتير الأجواء بين المملكة والجماهيرية.
أمثال هؤلاء عليهم أن يكتفوا بإخراج اللطيف هذه الأيام لكي ينتصر معمر وعياله, فيما عدا ذلك لايبدو لي أن أحدا يريد الإنصات لرأيهم في هذا الموضوع بالذات
الأحد، 6 مارس 2011
20 مارس
تحولت 20 فبراير إلى 20 مارس, وضرب الشباب موعدا مع الديمقراطية والحرية لكي يروا إن كانت الرسالة قد وصلت بالفعل يوم تم تقديمها بشكل حضاري للغاية في العشرين من الشهر الفائت, رغم كل المحاولات الإرادية واللاإرادية التي تمت من أجل إفساد اليوم التاريخي بالمغرب. كل المؤشرات تقول إن الاستثناء المغربي سيظل حاضرا: القصر أعطى علامات دالة وقوية على أنه معني بكل الإصلاحات التي يريدها الشباب, مستشار جلالة الملك قال للنقابات إن موجة إصلاحات ستعرف طريقها إلى المغرب, الأحزاب السياسية انتفضت من صدمتها الأولى ومن نفاقها السياسي المعهود لكي تتبنى بشكل أو بآخر مطالب الشباب, الحكومة غيرت طريقة تواصلها مع الناس إن لم تكن قد غيرت طريقة عملها على الأقل, الإدارة المغربية الأقرب إلى المواطنين أي الشركة وغيرها من تمظهرات السلطة أصبحت أكثر انتباها لتعاملها مع خلق الله.
كل هذا وغيره من العلامات الدالة على أن رسالة 20 فبراير وصلت جزئيا, أمر طيب للغاية, لكن شبابنا يريد المزيد. أو للتدقيق أكثر هو يريد جعل هذه الإصلاحات أمرا واقعا لن يعود أبدا للارتفاع, عبر المرور إلى الإصلاح الدستوري والسياسي المنشود, وعبر جعل الانتخابات المقبلة ل2012 أول انتخابات يخوضها المغرب والمغاربة بأحزاب حقيقية, وبسياسيين حقيقيين, وبرغبة حقيقية في القطع مع الماضي, كل الماضي بشكل نهائي للغاية.
لن يستكثر أحد على شعبنا هذه المطالب, ولدينا في المغرب حظ جيد للغاية لأن أعلى السلطة مقتنع تمام الاقتناع بضرورة القيام بكل هذه الإصلاحات, لكن علينا فعلا أن نمر إلى مرحلة التطبيق. التردد أو أخذ الوقت الكافي وربما أكثر من الكافي من شأنه أن يعطي للشباب الإحساس فقط بأن ثمة تحايلا والتفافا على مطالبهم يلعب على الوقت, ويحاول العثور على التخريجات المناسبة لكل شيء. وهنا ينبغي أن نقولها كما هي: لقد تجاوزنا زمن التخريجات المعيبة, ووصلنا إلى زمن الإنصات لنبض الشارع وتنفيذ مايريده دونما إبطاء, خصوصا إذا التقى هذا الذي يريه الشارع بما تريده القيادة.
لا عذر لنا حينها في أي تأخر إضافي, سوى أننا نريد إقناع الشباب بأنهم غير مؤهلين لتقديم مطالب بهذا الحجم, وهذه مسألة لا يمكن القبول بها نهائيا. ولقد شاهدنا كيف ارتبكت كل الأحزاب السياسية من العدالة والتنمية إلى الاتحاد الاشتراكي إلى الاستقلال الحاكم, دون نسيان الأحزاب الأخرى بمن فيها "أحزاب بلعاني" جراء حركة 20 فبراير, وكيف فاجأ سقف المطالب التي نزلت إلى الشارع قيادات هذه الأحزاب التي ظلت متكئة لسنوات على توافقات جد محدودة يختزلها شعبنا في الحصول على مناصب الترضية لهذه الأحزاب ولقياداتها ولأبنائها مقابل الإبقاء على الوضع على ماهو عليه.
اليوم لدينا معطى جديد في الساحة, سواء اقتنعت هذه الأحزاب بضرورة الاعتراف به أم لا. لدينا شباب لارابط بينهم إلا الأنترنيت وحب المغرب, يضربون لأنفسهم الموعد تلو الموعد من أجل تغيير حال بلدهم, وينطلقون من مسلمة سهلة للغاية هي أن البلد ينتظر منهم أن يكونوا في الموعد, وهم قرروا أنهم لن يخلفوا أبدا هذا التاريخ.
البقية, مجرد تفاصيل قد نختلف وقد نتفق على بعضها, لكنها تظل شيئا نافلا لامعنى له وسط الحراك الشعبي والشبابي الكبير الذي يقع. ويؤسفنا هنا أن نخبر الأحزاب السياسية المغربية التي حاولت جر نفسها بشكل أو بآخر للحركة أن مطالب 20 مارس ستكون أعلى قليلا من مطالب 20 فبراير بكل بداهة, وأن من اعتقدوا أنهم ركبوا الحركة بعد مرور يومها وشذبوا مطالبهم لكي تصبح مشابهة بعض الشيء لمطالب الشباب, عليهم أن يبذلوا جهدا إضافيا لكي يلتحقوا بمطالب العشرين من الشهر الحالي. وهذه في حد ذاتها مزية جديدة تحسب للشباب, فقد دفعوا هؤلاء المترهلين السياسيين إلى بذل بعض الجهد في الإبداع السياسي بعد أن أصبح كل جهدهم في السنوات الأخيرة يسير نحو التخطيط لتوريث الأنجال المواقع الحزبية والسياسية.
على الأقل اليوم يجتمعون في اجتماعات حقيقية وصاخبة, ويكشفون أوراق بعضهم البعض, ويهددون بالانسحاب الكاذب من الحكومة, أو يعدون على عجل المذكرات الإصلاحية لكي لايطردهم شباب المغرب من مفكرته نهائيا هو الذي طردهم جزئيا منذ سنوات عديدة من تفكيره, واعتبرهم مجرد عالات سياسية ورثها من سنوات الرصاص ويجب عليه أن يجد طريقة ما للتخلص منهم إن آجلا أم عاجلا.
هذه الأيام التاريخية التي نحياها وهذا المنعطف الكبير الذي منحتنا الصدفة الرائعة فرصة عيشه مسألتان لاينبغي إطلاقا أن نخطئ طريقة التعامل معهما, لأننا لو فعلنا ذلك سنجد أنفسنا أمام أمور لاقبل لنا بها على الإطلاق في بلد مستعد للغاية لكي يتأرجح من الأمن الكامل إلى الفوضى الكاملة دون سابق إشعار أو إنذار. واليوم علينا جميعا أن نتذكر أن أمن البلد في أعناقنا, وأن إصلاحه بيدنا, وأن الموعد المضروب يوم 20 مارس لن يكون شبيها بموعد 20 فبراير إلا في بعض التفاصيل الصغيرة, الأهم سيكون بعمق أكبر بكل تأكيد, ومن يعش ير...
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
أهلنا في ليبيا يرددون كلاما خطيرا للغاية عن عدم وجود أي وسائل تواصل معهم في محنة حصارهم هناك, وجلهم يستنكرون حديث الرسميين عن تخصيص أرقام يتصل بها النازحون المغاربة, مثلما يستنكرون الدور الخفي جدا الذي تقوم به سفارتنا هناك.
أهلنا في ليبيا المحاصرين وأهلهم في المغرب يستحقون من وزارة خارجيتنا في هذه الأيام تجندا كاملا لئلا نتركهم هناك دون مساعدة ودون إحساس بأن البلد لن يتخلى عنهم مجددا بعد أن تخلى عنهم مرة أولى ودفعهم إلى الغربة واعتناق ذلها من أجل العيش الكريم.
كل هذا وغيره من العلامات الدالة على أن رسالة 20 فبراير وصلت جزئيا, أمر طيب للغاية, لكن شبابنا يريد المزيد. أو للتدقيق أكثر هو يريد جعل هذه الإصلاحات أمرا واقعا لن يعود أبدا للارتفاع, عبر المرور إلى الإصلاح الدستوري والسياسي المنشود, وعبر جعل الانتخابات المقبلة ل2012 أول انتخابات يخوضها المغرب والمغاربة بأحزاب حقيقية, وبسياسيين حقيقيين, وبرغبة حقيقية في القطع مع الماضي, كل الماضي بشكل نهائي للغاية.
لن يستكثر أحد على شعبنا هذه المطالب, ولدينا في المغرب حظ جيد للغاية لأن أعلى السلطة مقتنع تمام الاقتناع بضرورة القيام بكل هذه الإصلاحات, لكن علينا فعلا أن نمر إلى مرحلة التطبيق. التردد أو أخذ الوقت الكافي وربما أكثر من الكافي من شأنه أن يعطي للشباب الإحساس فقط بأن ثمة تحايلا والتفافا على مطالبهم يلعب على الوقت, ويحاول العثور على التخريجات المناسبة لكل شيء. وهنا ينبغي أن نقولها كما هي: لقد تجاوزنا زمن التخريجات المعيبة, ووصلنا إلى زمن الإنصات لنبض الشارع وتنفيذ مايريده دونما إبطاء, خصوصا إذا التقى هذا الذي يريه الشارع بما تريده القيادة.
لا عذر لنا حينها في أي تأخر إضافي, سوى أننا نريد إقناع الشباب بأنهم غير مؤهلين لتقديم مطالب بهذا الحجم, وهذه مسألة لا يمكن القبول بها نهائيا. ولقد شاهدنا كيف ارتبكت كل الأحزاب السياسية من العدالة والتنمية إلى الاتحاد الاشتراكي إلى الاستقلال الحاكم, دون نسيان الأحزاب الأخرى بمن فيها "أحزاب بلعاني" جراء حركة 20 فبراير, وكيف فاجأ سقف المطالب التي نزلت إلى الشارع قيادات هذه الأحزاب التي ظلت متكئة لسنوات على توافقات جد محدودة يختزلها شعبنا في الحصول على مناصب الترضية لهذه الأحزاب ولقياداتها ولأبنائها مقابل الإبقاء على الوضع على ماهو عليه.
اليوم لدينا معطى جديد في الساحة, سواء اقتنعت هذه الأحزاب بضرورة الاعتراف به أم لا. لدينا شباب لارابط بينهم إلا الأنترنيت وحب المغرب, يضربون لأنفسهم الموعد تلو الموعد من أجل تغيير حال بلدهم, وينطلقون من مسلمة سهلة للغاية هي أن البلد ينتظر منهم أن يكونوا في الموعد, وهم قرروا أنهم لن يخلفوا أبدا هذا التاريخ.
البقية, مجرد تفاصيل قد نختلف وقد نتفق على بعضها, لكنها تظل شيئا نافلا لامعنى له وسط الحراك الشعبي والشبابي الكبير الذي يقع. ويؤسفنا هنا أن نخبر الأحزاب السياسية المغربية التي حاولت جر نفسها بشكل أو بآخر للحركة أن مطالب 20 مارس ستكون أعلى قليلا من مطالب 20 فبراير بكل بداهة, وأن من اعتقدوا أنهم ركبوا الحركة بعد مرور يومها وشذبوا مطالبهم لكي تصبح مشابهة بعض الشيء لمطالب الشباب, عليهم أن يبذلوا جهدا إضافيا لكي يلتحقوا بمطالب العشرين من الشهر الحالي. وهذه في حد ذاتها مزية جديدة تحسب للشباب, فقد دفعوا هؤلاء المترهلين السياسيين إلى بذل بعض الجهد في الإبداع السياسي بعد أن أصبح كل جهدهم في السنوات الأخيرة يسير نحو التخطيط لتوريث الأنجال المواقع الحزبية والسياسية.
على الأقل اليوم يجتمعون في اجتماعات حقيقية وصاخبة, ويكشفون أوراق بعضهم البعض, ويهددون بالانسحاب الكاذب من الحكومة, أو يعدون على عجل المذكرات الإصلاحية لكي لايطردهم شباب المغرب من مفكرته نهائيا هو الذي طردهم جزئيا منذ سنوات عديدة من تفكيره, واعتبرهم مجرد عالات سياسية ورثها من سنوات الرصاص ويجب عليه أن يجد طريقة ما للتخلص منهم إن آجلا أم عاجلا.
هذه الأيام التاريخية التي نحياها وهذا المنعطف الكبير الذي منحتنا الصدفة الرائعة فرصة عيشه مسألتان لاينبغي إطلاقا أن نخطئ طريقة التعامل معهما, لأننا لو فعلنا ذلك سنجد أنفسنا أمام أمور لاقبل لنا بها على الإطلاق في بلد مستعد للغاية لكي يتأرجح من الأمن الكامل إلى الفوضى الكاملة دون سابق إشعار أو إنذار. واليوم علينا جميعا أن نتذكر أن أمن البلد في أعناقنا, وأن إصلاحه بيدنا, وأن الموعد المضروب يوم 20 مارس لن يكون شبيها بموعد 20 فبراير إلا في بعض التفاصيل الصغيرة, الأهم سيكون بعمق أكبر بكل تأكيد, ومن يعش ير...
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
أهلنا في ليبيا يرددون كلاما خطيرا للغاية عن عدم وجود أي وسائل تواصل معهم في محنة حصارهم هناك, وجلهم يستنكرون حديث الرسميين عن تخصيص أرقام يتصل بها النازحون المغاربة, مثلما يستنكرون الدور الخفي جدا الذي تقوم به سفارتنا هناك.
أهلنا في ليبيا المحاصرين وأهلهم في المغرب يستحقون من وزارة خارجيتنا في هذه الأيام تجندا كاملا لئلا نتركهم هناك دون مساعدة ودون إحساس بأن البلد لن يتخلى عنهم مجددا بعد أن تخلى عنهم مرة أولى ودفعهم إلى الغربة واعتناق ذلها من أجل العيش الكريم.
الجمعة، 4 مارس 2011
نداء تمغربيت
لازال القذافي قادرا على لفت أنظار العالم وانتباهه وكل حواسه إليه, ولازال حاكم طرابلس يمتلك في الجراب السحري الذي يستل منه خطبه العجيبة المزيد من الكلمات القادرة على إضحاك الناس أولا, ثم تحسيسهم بالكثير من الألم وهم يرون هذا الشكل من الحكام يسوسون المنطقة العربية.
ومعذرة على الشوفينية, وعلى الرد على من يقولون اليوم إننا نحس بالفخر لأننا عرب, لكنني لا أستطيع الإحساس بنفس الشعور بسب الثورات هنا وهناك. العكس هو الذي يتملكني حين أرى القذافي يقول لقناة أمريكية "شعبي يحبني", والعكس يتملكني حين أرى علي عبد الله صالح وهو يقول إن أمريكا تحقد على الديمقراطية اليمنية. قلبي يؤلمني حين أرى زين العابدين يقول بعد ثلاثة وعشرين عاما من قهر شعبه "لقد فهمتكم", وأحاسيسي كلها تتعطل حين أرى حسني مبارك يواعد شعبه بأن ينفذ له كل مايريده شرط أن لايطرد من الحكم ولو إلى شهر شتنبر القادم على الأقل.
حقيقة أعاد لنا الصغار الذين خرجوا إلى الشوارع بعضا من أمل في حياة هذه الأمة, لكن الأمر لا يكفي, إذ هو سيشبه خدعة مماثلة لتلك التي ابتلعها الأجداد والآباء يوم اقتنعوا أنهم فعلا ينتمون إلى "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة", اليوم علينا أن نستوعب الدروس التي مضت في كل بلد على حدة, أن نحترم إرادات الشعوب في التحرر من ديكتاتورياتها, وأن نفكر في مآل بلدنا لوحده, وأن نضغط على وتر "تمغربيت" اليوم أكثر من أي وقت مضى بكل قوة قد نملكها وقد لاتواتينا البتة.
السؤال الأكبر الذي لايطرحه اليوم أحد ممن يسخرون من القذافي ومن نكته البايخة, هو "كيف صبر الشعب الليبي على رجل مجنون لمدة إثنين وأربعين سنة؟", الجواب واحد من إثنين إما أن الليبيين كانوا أكثر جنونا منه لذلك ولوه أمرهم, وإما أن الجبن كبل منهم كل الحواس, وجعلهم لايبدون أي رد فعل إلى أن أتت الظرفية العالمية الحالية التي هبت على منطقتنا العربية, ونضجت الحركات الأصولية في القطر الليبي بما فيه الكفاية لكي تغتنم الهبة وتقود الناس هناك نحو الثورة على "الأخ العقيد".
وليعذرنا مجددا أولئك الذين لايرون إلا الجزء المليء من كأس هذه الثورات "المباركة", لكننا اليوم ونحن نعاين صبر شعوبنا على كثير من البلاءات, نعاين أيضا الخسائر التي ستصاب بها هذه الأوطان في أفق بنائها مجددا علما أنها ليست أوطان قوية اقتصاديا بل هي منتمية _ بكل فخر _ إلى العالم الثالث مايعني أن أمامها زمنا طويلا جدا لكي تعود للوقوف على ركبتيها أما القدمان فلم تقف عليهما في يوم من الأيام.
هل يستطيع أحد أن يقول لنا اليوم كم ستمضي مصر بين القيادة العسكرية التي تحكمها وبين بقايا مبارك الذين لازالوا في كل مواقع المسؤولية وبين الشباب الراغب في العثور على موطئ قدم, وبين الإخوان الذين يضعون العين على الثورة ويريدون اختطافها قبل أن يبدأ البلد في التحرك من جديد؟ هل يستطيع أيضا شخص ما أن يقول لنا إلى أين تسير تونس, وإلى أين سيسير اليمن السعيد بجهل رئيسه وقات شعبه؟ أما عن ليبيا فلا داعي نهائيا للسؤال, إذ لا أحد يرى مصيرا لهذا البلد المسكين إلا الحرب الأهلية ختاما أو عملية انتحار درامية للقذافي ونظامه على أعتاب الإمارات الإسلامية التي أصبحت تعلن عن نفسها في كل مكان هناك.
لذلك يبدو لنا جميعا اليوم أنه من الضروري أن نعود "لشوفينيتنا" المغربية الجميلة, أن نقفل علينا الباب, وأن نستفيد من دروس هؤلاء العرب الحمقى, لكي نتفادى كل أخطائهم, ولكي نستفيد من الأشياء الإيجابية التي حققوها, ولعل النداء الواضح الذي أطلقه الرئيس الفرنسي ساركوزي في ختام خطابه الأخير الأحد الفارط, وهو يشير إلى الاتحاد من أجل المتوسط الذي كان المغرب بلد إنشائه, هو نداء يهمنا أكثر مما تهمنا خطب القذافي المضحكة وبهلوانيات نظام بنعلي السابق, وحماقات عسكر وإخوان بر المحروسة.
اليوم _ وهذا كلام أشعر به بكل صدق _ شرعت في استيعاب المسافة التي وضعها المغرب بينه وبين العالم العربي وقممه المتتالية التي لامعنى لها, والتي كان كثير من أبناء الجلدة هنا يلومون قيادة بلدنا بسبب عدم ذهابها إليها, قبل أن يتضح اليوم أن أفضل شيء كان المغرب يفعله هو وضع هذه المسافة بينه وبين هذه القمم المضحكة, مع التركيز على علاقات ثنائية مع بلدان بعينها نستفيد منها فعلا ولا تكتفي بقذفنا بالخطب الفارغة كل ساعة وكل حين.
ربما هو موقعنا الجغرافي, ربما هو البعد عن هؤلاء العرب, ربما هي الصدفة, ربما هو حسن حظنا كمغرب أن اللحظة التاريخية منحتنا فرصة التفرج على كل ما يحدث الآن بدءا من تونس ومرورا بمصر ووصولا إلى ليبيا عسانا نمتلك ما امتلكه المغاربة منذ القديم, حسن الفطنة الذي سيسمح لنا بالاستفادة من كل مايقع من أخطاء أمام أعيننا, كي لانعيش نهائيا مايعيشه هؤلاء القوم مما عاشوه باستمرار وكنا الأكثر استعصاء على السقوط فيه على امتداد التواريخ والأيام.
أتمنى أن لايخلف بلدي الموعد الفاصل مع التاريخ, دون أي خسائر على الإطلاق, فدمنا المغربي أغلى من بقية الدماء, وترابنا أغلى بالتأكيد من بقية البلدان, وهذا كلام نقوله بكل شوفينية نتحمل منها كل النتائج وكل الخلاصات.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
كيف ابتدأ الحديث عن التعديل الحكومي؟ وكيف انتهى؟ أين الصحف التي وضعت مصطفى التراب مكان عباس الفاسي منذ أسبوع أو يزيد؟ ولم توقفت عن لوك الكلام الذي نقلته لها مصادرها المطلعة بخصوص تعديل وشيك تم استدعاء الفاسي على عجل من أجل القيام به من قطر إلى مراكش؟
للأسف الشديد, لازلنا في البلد مضحكين على مستوى تداول المعلومة الحقيقية في صحافتنا, ولا زال بعضنا يسقط في فخ من يريدون الإيقاع به دون حرفية أو مهنية رغم ترديد الشعارات الكبيرة باستمرار. قارنوا حالنا بحال الصحافة الفرنسية التي كانت تعرف تعديل ساركوزي الأخير بحذافيره وستعرفون كل شيء.
ومعذرة على الشوفينية, وعلى الرد على من يقولون اليوم إننا نحس بالفخر لأننا عرب, لكنني لا أستطيع الإحساس بنفس الشعور بسب الثورات هنا وهناك. العكس هو الذي يتملكني حين أرى القذافي يقول لقناة أمريكية "شعبي يحبني", والعكس يتملكني حين أرى علي عبد الله صالح وهو يقول إن أمريكا تحقد على الديمقراطية اليمنية. قلبي يؤلمني حين أرى زين العابدين يقول بعد ثلاثة وعشرين عاما من قهر شعبه "لقد فهمتكم", وأحاسيسي كلها تتعطل حين أرى حسني مبارك يواعد شعبه بأن ينفذ له كل مايريده شرط أن لايطرد من الحكم ولو إلى شهر شتنبر القادم على الأقل.
حقيقة أعاد لنا الصغار الذين خرجوا إلى الشوارع بعضا من أمل في حياة هذه الأمة, لكن الأمر لا يكفي, إذ هو سيشبه خدعة مماثلة لتلك التي ابتلعها الأجداد والآباء يوم اقتنعوا أنهم فعلا ينتمون إلى "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة", اليوم علينا أن نستوعب الدروس التي مضت في كل بلد على حدة, أن نحترم إرادات الشعوب في التحرر من ديكتاتورياتها, وأن نفكر في مآل بلدنا لوحده, وأن نضغط على وتر "تمغربيت" اليوم أكثر من أي وقت مضى بكل قوة قد نملكها وقد لاتواتينا البتة.
السؤال الأكبر الذي لايطرحه اليوم أحد ممن يسخرون من القذافي ومن نكته البايخة, هو "كيف صبر الشعب الليبي على رجل مجنون لمدة إثنين وأربعين سنة؟", الجواب واحد من إثنين إما أن الليبيين كانوا أكثر جنونا منه لذلك ولوه أمرهم, وإما أن الجبن كبل منهم كل الحواس, وجعلهم لايبدون أي رد فعل إلى أن أتت الظرفية العالمية الحالية التي هبت على منطقتنا العربية, ونضجت الحركات الأصولية في القطر الليبي بما فيه الكفاية لكي تغتنم الهبة وتقود الناس هناك نحو الثورة على "الأخ العقيد".
وليعذرنا مجددا أولئك الذين لايرون إلا الجزء المليء من كأس هذه الثورات "المباركة", لكننا اليوم ونحن نعاين صبر شعوبنا على كثير من البلاءات, نعاين أيضا الخسائر التي ستصاب بها هذه الأوطان في أفق بنائها مجددا علما أنها ليست أوطان قوية اقتصاديا بل هي منتمية _ بكل فخر _ إلى العالم الثالث مايعني أن أمامها زمنا طويلا جدا لكي تعود للوقوف على ركبتيها أما القدمان فلم تقف عليهما في يوم من الأيام.
هل يستطيع أحد أن يقول لنا اليوم كم ستمضي مصر بين القيادة العسكرية التي تحكمها وبين بقايا مبارك الذين لازالوا في كل مواقع المسؤولية وبين الشباب الراغب في العثور على موطئ قدم, وبين الإخوان الذين يضعون العين على الثورة ويريدون اختطافها قبل أن يبدأ البلد في التحرك من جديد؟ هل يستطيع أيضا شخص ما أن يقول لنا إلى أين تسير تونس, وإلى أين سيسير اليمن السعيد بجهل رئيسه وقات شعبه؟ أما عن ليبيا فلا داعي نهائيا للسؤال, إذ لا أحد يرى مصيرا لهذا البلد المسكين إلا الحرب الأهلية ختاما أو عملية انتحار درامية للقذافي ونظامه على أعتاب الإمارات الإسلامية التي أصبحت تعلن عن نفسها في كل مكان هناك.
لذلك يبدو لنا جميعا اليوم أنه من الضروري أن نعود "لشوفينيتنا" المغربية الجميلة, أن نقفل علينا الباب, وأن نستفيد من دروس هؤلاء العرب الحمقى, لكي نتفادى كل أخطائهم, ولكي نستفيد من الأشياء الإيجابية التي حققوها, ولعل النداء الواضح الذي أطلقه الرئيس الفرنسي ساركوزي في ختام خطابه الأخير الأحد الفارط, وهو يشير إلى الاتحاد من أجل المتوسط الذي كان المغرب بلد إنشائه, هو نداء يهمنا أكثر مما تهمنا خطب القذافي المضحكة وبهلوانيات نظام بنعلي السابق, وحماقات عسكر وإخوان بر المحروسة.
اليوم _ وهذا كلام أشعر به بكل صدق _ شرعت في استيعاب المسافة التي وضعها المغرب بينه وبين العالم العربي وقممه المتتالية التي لامعنى لها, والتي كان كثير من أبناء الجلدة هنا يلومون قيادة بلدنا بسبب عدم ذهابها إليها, قبل أن يتضح اليوم أن أفضل شيء كان المغرب يفعله هو وضع هذه المسافة بينه وبين هذه القمم المضحكة, مع التركيز على علاقات ثنائية مع بلدان بعينها نستفيد منها فعلا ولا تكتفي بقذفنا بالخطب الفارغة كل ساعة وكل حين.
ربما هو موقعنا الجغرافي, ربما هو البعد عن هؤلاء العرب, ربما هي الصدفة, ربما هو حسن حظنا كمغرب أن اللحظة التاريخية منحتنا فرصة التفرج على كل ما يحدث الآن بدءا من تونس ومرورا بمصر ووصولا إلى ليبيا عسانا نمتلك ما امتلكه المغاربة منذ القديم, حسن الفطنة الذي سيسمح لنا بالاستفادة من كل مايقع من أخطاء أمام أعيننا, كي لانعيش نهائيا مايعيشه هؤلاء القوم مما عاشوه باستمرار وكنا الأكثر استعصاء على السقوط فيه على امتداد التواريخ والأيام.
أتمنى أن لايخلف بلدي الموعد الفاصل مع التاريخ, دون أي خسائر على الإطلاق, فدمنا المغربي أغلى من بقية الدماء, وترابنا أغلى بالتأكيد من بقية البلدان, وهذا كلام نقوله بكل شوفينية نتحمل منها كل النتائج وكل الخلاصات.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
كيف ابتدأ الحديث عن التعديل الحكومي؟ وكيف انتهى؟ أين الصحف التي وضعت مصطفى التراب مكان عباس الفاسي منذ أسبوع أو يزيد؟ ولم توقفت عن لوك الكلام الذي نقلته لها مصادرها المطلعة بخصوص تعديل وشيك تم استدعاء الفاسي على عجل من أجل القيام به من قطر إلى مراكش؟
للأسف الشديد, لازلنا في البلد مضحكين على مستوى تداول المعلومة الحقيقية في صحافتنا, ولا زال بعضنا يسقط في فخ من يريدون الإيقاع به دون حرفية أو مهنية رغم ترديد الشعارات الكبيرة باستمرار. قارنوا حالنا بحال الصحافة الفرنسية التي كانت تعرف تعديل ساركوزي الأخير بحذافيره وستعرفون كل شيء.
الخميس، 3 مارس 2011
اللي دوا يرعف
تحدث حسن أوريد الناطق الرسمي السابق باسم القصر الملكي ووالي مكناس تافيلالت سابقا في ندوة الزميلة "أخبار اليوم المغربية" حول الثورات التي يشهدها العالم العربي, وقال كلاما صريحا للغاية لا يمكن إلا الترحيب به عندما يصدر عمن كان مثل أوريد قريبا من المحيط الملكي, راغبا في خدمته حقا, معروف الأهداف وواضح المرامي, لكن رد الفعل الذي صدر عن بعض أطراف السلطة كان بدائيا للغاية. خرجت "ضوسيهات" وليست ملفات من العدم عن أراض وممتلكات باسم حسن أوريد توجد في كل مكان من المملكة, بشكل يدفع للتساؤل فعلا : كيف تخرج هذه الملفات يومين فقط بعد حديث أوريد في الندوة المذكورة التي قال فيها إن "من يحب الملك يجب أن يقول له الحقيقة كما هي"؟
تحدث في الندوة إياها كريم التازي رجل الأعمال المشهور والمعروف بعصاميته وبكونه واحدا ممن صنعوا ثورتهم بأيديهم اعتمادا على أنفسهم. التازي قال كلاما يردده الجميع اليوم عن استحالة الجمع بين السلطة وبين المال, وهو كلام ينبغي في المقام العادي والمعهود أن نرحب به لصدوره عن رجل أعمال لا يمكن لأحد أن يتهمه أنه يريد قلب النظام أو أي شيء من هذا القبيل, لكن العكس هو الذي حصل. خرجت "ضوسيهات" عن والدة كريم التازي وعن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية, وعن ضغطه عبر الصحف للوصول إلى مآربه الشخصية والتجارية. مرة أخرى طرح الناس السؤال: كيف تخرج هذه الملفات يومين فقط بعد أن قال التازي ماقاله في الندوة المذكورة.
هل نواصل؟ أم نتوقف؟ مولاي حفيظ العلمي الذي يتعرض اليوم لحملة بشعة للغاية يختلط فيها السب بالقذف بالتشهير, بنشر الكلام دون وثائق, هو الآخر الكثيرون يتساءلون عن سبب خروج ضوسيهاته اليوم إلى العلن وعبر الوسيلة إياها التي أصبحت متخصصة في تقديم هذا النوع من الخدمات دون أدنى حياء أو خجل, إلى الحد الذي يفسر الكثير من الأشياء, بدءا من الأحكام المخففة, مرورا بتعطيل الأحكام الكبرى, ووصولا ختاما إلى الأحكام القاسية ضد الخصوم.
ما الذي يقع بالتحديد؟ أو بدارجتنا الواضحة : شنو هو هادا؟ واش عارفين هاد الناس آش كيديرو؟ ولا غير كيشيرو وصافي؟" هل يعتقدون أن قمع النقاش حول الحرية في المغرب اليوم سيتم بهذه الطريقة, طريقة " اللي دوا يرعف"؟ تتحدث ياأوريد عن الإصلاح في ندوة إعلامية, طيب تعال هنا: أنت استوليت حين كنت واليا على مكناس على الأراضي الفلانية والعلانية. طيب أين كنتم من قبل؟ لم لم تخرجوا هذه الملفات إلا الآن؟ الواضح أن مصلحة البلد لاتهمكم, والصالح العام لايعني لكم شيئا, الأساسي هو الاحتفاظ بالملفات والاشتغال بها حين اللزوم. تحدثت يا كريم عن الإصلاح الاقتصادي, تعال هنا, هذا ملف والدتك مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نخرجه لك لكي تعرف أننا نعرف كل شيء, لكننا نتغافل بإرادتنا إلى أن يأتي الوقت المناسب.
آسفون لقولها, ولكن الاشتغال بمنطق العصابات هذا لم يعد صالحا للزمن الحديث. من الممكن أن تخرج لشخص أو إثنين أو ثلاثة ماتريد من الملفات المخابراتية, لكن المستحيل أن تخرج لشعب بأكمله ملفات مشابهة, واليوم الكلام الذي يقوله أوريد والتازي وغيرهما قاله الشعب قبلهما بكثير, هما فقط يلحقان أو يحاولان اللحاق بطلبات الشباب المغربي التي تجاوزت سقف سياسيينا بكثير.
نعتذر مجددا, لكن من يفكرون بهذا المنطق الأخرق أناس تجاوزهم الزمن بكثير, والصحافة التي تلعب معهم هذه اللعبة هي ليست صحافة في نهاية المطاف, هي تشتغل وفق مهمتها التي أنشئت من أجلها والتي عبدت لها للوصول إليها كل الطرق, وهذه أشياء نعرفها في الميدان دون حاجة لجمع "ضوسيهات" عن أي كان لأننا نكتوي يوميا بطريقة الاشتغال هاته التي تريد إقناع المغاربة أن كل من ينادي بالإصلاح بينهم هو "شفار" لايحق له أن يتكلم أو يفتح فمه. وماذا بعد؟ لاشيء, الإبقاء على الوضع على ماهو عليه, والمزيد من تكفير النماس بالسياسيين وبالنخبة الاقتصادية التي قد تقدم نفسها بديلا لنخبة وصل الآن زمن انهيارها واختفائها من الوجود سواء وافقت على هذا الأمر أم رفضته لأن المسألة ليست باختيارها.
كان ممكنا لمن يفضلون الاشتغال بتفنية الملفات المخابراتية هاته أن يفتحوا التلفزيون لدقائق, أن يشاهدوا قنوات بلد يسمى مصر, وأن يسألوا أنفسهم أين رئيس النظام المخابراتي العتيد الذي بناه مبارك على امتداد سنوات؟ كان ممكنا أن يفتحوا تلفزيون تونس وأن يسألوا أنفسهم عن مصير بنعلي الذي أسس لمخابرات بوليسية لا مثيل لها في العالم كله, وكان ولازال ممكنا أن يتوجهوا صوب الجماهيرية التي اعتقد العقيد أنه قطع الهواء والماء عن ساكنيها بنظام الملفاتي, قبل أن يجد نفسه مثل المخبول هذه الأيام يضحك بعصبية وهو يردد "شعبي يحبني", دون أن يكون قادرا على تصديق ماوقع له على الإطلاق.
أعرف أن من يقررون الاشتغال بهذه التقنية يعرفون أمورهم أفضل منا بكثير, لكن ليسمحوا لنا في هذه أن نقول لهم إن سياسة "اللي دوا يرعف" التي انطلقوا فيها لن تنتج لنا في الختام إلا رعافا كثيرا, ونزيفا من كل الأنوف, وليس فقط من أنوف من يتم لكمهم هذه الأيام. والنظر السديد لهم قبل وبعد كل الأشياء.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
اكتشفنا مع هبات الحرية المنعشة التي هزت العالم العربي أن الهواية الثانية للحكام في المنطقة بعد الحكم المزمن هي هواية وضع الأموال في الأبناك الأجنبية, والمشكلة هي أنه كلما سقط حاكم جديد منهم يكون الأبناك الأجنبية هي الأسعد بسقوطه لأنها تصادر الممتلكات وتخرج لسانها للجميع بذريعة تنفيذ العقوبات والتضامن مع الشعوب المقهورة.
حكام يودعون أموالهم في البنوك الأجنبية, ويطالبون المواطنين في خطبهم بأن يتضامنوا مع الوطن وأن يضحوا بالنزر اليسير من المال الذي يتقاضونه لكي يحيا البلد حرا وكيرما وعزيزا. ولاد الحرام, هكذا يقول المغاربة عمن كان بهذه الطبيعة وهاته الصفات
تحدث في الندوة إياها كريم التازي رجل الأعمال المشهور والمعروف بعصاميته وبكونه واحدا ممن صنعوا ثورتهم بأيديهم اعتمادا على أنفسهم. التازي قال كلاما يردده الجميع اليوم عن استحالة الجمع بين السلطة وبين المال, وهو كلام ينبغي في المقام العادي والمعهود أن نرحب به لصدوره عن رجل أعمال لا يمكن لأحد أن يتهمه أنه يريد قلب النظام أو أي شيء من هذا القبيل, لكن العكس هو الذي حصل. خرجت "ضوسيهات" عن والدة كريم التازي وعن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية, وعن ضغطه عبر الصحف للوصول إلى مآربه الشخصية والتجارية. مرة أخرى طرح الناس السؤال: كيف تخرج هذه الملفات يومين فقط بعد أن قال التازي ماقاله في الندوة المذكورة.
هل نواصل؟ أم نتوقف؟ مولاي حفيظ العلمي الذي يتعرض اليوم لحملة بشعة للغاية يختلط فيها السب بالقذف بالتشهير, بنشر الكلام دون وثائق, هو الآخر الكثيرون يتساءلون عن سبب خروج ضوسيهاته اليوم إلى العلن وعبر الوسيلة إياها التي أصبحت متخصصة في تقديم هذا النوع من الخدمات دون أدنى حياء أو خجل, إلى الحد الذي يفسر الكثير من الأشياء, بدءا من الأحكام المخففة, مرورا بتعطيل الأحكام الكبرى, ووصولا ختاما إلى الأحكام القاسية ضد الخصوم.
ما الذي يقع بالتحديد؟ أو بدارجتنا الواضحة : شنو هو هادا؟ واش عارفين هاد الناس آش كيديرو؟ ولا غير كيشيرو وصافي؟" هل يعتقدون أن قمع النقاش حول الحرية في المغرب اليوم سيتم بهذه الطريقة, طريقة " اللي دوا يرعف"؟ تتحدث ياأوريد عن الإصلاح في ندوة إعلامية, طيب تعال هنا: أنت استوليت حين كنت واليا على مكناس على الأراضي الفلانية والعلانية. طيب أين كنتم من قبل؟ لم لم تخرجوا هذه الملفات إلا الآن؟ الواضح أن مصلحة البلد لاتهمكم, والصالح العام لايعني لكم شيئا, الأساسي هو الاحتفاظ بالملفات والاشتغال بها حين اللزوم. تحدثت يا كريم عن الإصلاح الاقتصادي, تعال هنا, هذا ملف والدتك مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نخرجه لك لكي تعرف أننا نعرف كل شيء, لكننا نتغافل بإرادتنا إلى أن يأتي الوقت المناسب.
آسفون لقولها, ولكن الاشتغال بمنطق العصابات هذا لم يعد صالحا للزمن الحديث. من الممكن أن تخرج لشخص أو إثنين أو ثلاثة ماتريد من الملفات المخابراتية, لكن المستحيل أن تخرج لشعب بأكمله ملفات مشابهة, واليوم الكلام الذي يقوله أوريد والتازي وغيرهما قاله الشعب قبلهما بكثير, هما فقط يلحقان أو يحاولان اللحاق بطلبات الشباب المغربي التي تجاوزت سقف سياسيينا بكثير.
نعتذر مجددا, لكن من يفكرون بهذا المنطق الأخرق أناس تجاوزهم الزمن بكثير, والصحافة التي تلعب معهم هذه اللعبة هي ليست صحافة في نهاية المطاف, هي تشتغل وفق مهمتها التي أنشئت من أجلها والتي عبدت لها للوصول إليها كل الطرق, وهذه أشياء نعرفها في الميدان دون حاجة لجمع "ضوسيهات" عن أي كان لأننا نكتوي يوميا بطريقة الاشتغال هاته التي تريد إقناع المغاربة أن كل من ينادي بالإصلاح بينهم هو "شفار" لايحق له أن يتكلم أو يفتح فمه. وماذا بعد؟ لاشيء, الإبقاء على الوضع على ماهو عليه, والمزيد من تكفير النماس بالسياسيين وبالنخبة الاقتصادية التي قد تقدم نفسها بديلا لنخبة وصل الآن زمن انهيارها واختفائها من الوجود سواء وافقت على هذا الأمر أم رفضته لأن المسألة ليست باختيارها.
كان ممكنا لمن يفضلون الاشتغال بتفنية الملفات المخابراتية هاته أن يفتحوا التلفزيون لدقائق, أن يشاهدوا قنوات بلد يسمى مصر, وأن يسألوا أنفسهم أين رئيس النظام المخابراتي العتيد الذي بناه مبارك على امتداد سنوات؟ كان ممكنا أن يفتحوا تلفزيون تونس وأن يسألوا أنفسهم عن مصير بنعلي الذي أسس لمخابرات بوليسية لا مثيل لها في العالم كله, وكان ولازال ممكنا أن يتوجهوا صوب الجماهيرية التي اعتقد العقيد أنه قطع الهواء والماء عن ساكنيها بنظام الملفاتي, قبل أن يجد نفسه مثل المخبول هذه الأيام يضحك بعصبية وهو يردد "شعبي يحبني", دون أن يكون قادرا على تصديق ماوقع له على الإطلاق.
أعرف أن من يقررون الاشتغال بهذه التقنية يعرفون أمورهم أفضل منا بكثير, لكن ليسمحوا لنا في هذه أن نقول لهم إن سياسة "اللي دوا يرعف" التي انطلقوا فيها لن تنتج لنا في الختام إلا رعافا كثيرا, ونزيفا من كل الأنوف, وليس فقط من أنوف من يتم لكمهم هذه الأيام. والنظر السديد لهم قبل وبعد كل الأشياء.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
اكتشفنا مع هبات الحرية المنعشة التي هزت العالم العربي أن الهواية الثانية للحكام في المنطقة بعد الحكم المزمن هي هواية وضع الأموال في الأبناك الأجنبية, والمشكلة هي أنه كلما سقط حاكم جديد منهم يكون الأبناك الأجنبية هي الأسعد بسقوطه لأنها تصادر الممتلكات وتخرج لسانها للجميع بذريعة تنفيذ العقوبات والتضامن مع الشعوب المقهورة.
حكام يودعون أموالهم في البنوك الأجنبية, ويطالبون المواطنين في خطبهم بأن يتضامنوا مع الوطن وأن يضحوا بالنزر اليسير من المال الذي يتقاضونه لكي يحيا البلد حرا وكيرما وعزيزا. ولاد الحرام, هكذا يقول المغاربة عمن كان بهذه الطبيعة وهاته الصفات
الأربعاء، 2 مارس 2011
أفضال 20 فبراير
اكتشفنا فجأة أن للاتحاد شعبا ينتظر موقفا منه. يعتقد قطعا أن الحزب ليس ككل الأحزاب وأنه قادر اليوم على أن يتخذ شكلا أشكال السياسة يجعله مغايرا للآخرين ممن أدمنوا الفعل السياسي المحلي وجعلوه وسيلة لللنيل من البلادوالعباد. أنا الذي كنت أتوقع أن الناس فقدت الأمل في السياسة والسياسيين اكتشفت أنه لازال بعض من أمل في بعض من سياسيينا وأن القوم منا ينتظرون علامة تدل على أنه لازالت للسياسة بعض من نظافة وبعض من موقف حقيقية مجسدة في بعض من أحزاب
أعترف أن الاكتشاف راقني أنا الذي نظرت لموت السياسية والسياسيين واعتبرت أن الأحزاب لم تعد ذات جدوى بيننا, وأعترف الآن أن ماوقع حرك في بعضا من رغبة في العودة إلى السياسة وإلى معترك الخوض فها, ومع القرار الذي اتخذه الاتحاديون أخيرا, بترك المجال مفتوحا أمام الخروج من الحكومة أو البقاء فيها مما لم أفهمه, فإن ما لمسته من ردود الفعل لدى الناس القريبين أو البعيدين من السياسة ومعتركها أعاد لي بعضا من إيمان في كل مايجري الآن.
من قالوا إن 20 فبراير لم تكن ذات جدوى عليهم أن يتأملوا فيما فعلته في الأحزاب السياسية لدينا, ومن ادعوا أن الحركة كلها كانتا حركة صغار غير واعين لا انتماء سياسي لديهم, ولا وعي يؤهلهم لكي يقودوا المجتمع المغربي عليهم فعلا أن يسائلوا الحزب الذي كان الأول في البلد قبل أن تفعل اليد إياها كل الأفاعيل لكي تجعله مجرد تابع من التابعين, عن المآل الأخير لكل ما وقع بعد التاريخ إياه.
حقيقة لم يكن رد فعل الحزب عند انتظار من توسموا فيه خيرا, وحقيقة لم يستطع الاتحاديون فهم موقف الشعب المغربي الذي كان يتوقع منهم شيئا أكبر من موقف غير واضح الأبعاد, ملتبس الأهداف, غامض الرسائل. لكن الأهم بالنسبة للعديدين كان هو الاقتناع بأن شيئا ما عاد للتحرك في المستنقع السياسي المغربي الآسن. شيئ ما يقال له الآمل ماكان أحوجنا إليه نحن الذين لم نعد ننتظر من هذه الأحزاب إلا المظيد من الخيبات, والكثير من الإخفاقات وغير قليل من محبطات الأمل.
اليوم على من يحترفون السياسة في البلد أن يفهموا أن هناك أناسا _ هم شعبنا في نهاية المطاف _ لازالوا على الوهم الأول الذي حرطهم قادرين على الاقتناع بأن الأحزاب كلها ليست سواء رغم أن العقلية إياها اشتغلت على إقناعنا بالأمر ذاته لسنوات وعقود. واليوم على من يجعلون من السياسة مهنتهم الأساسية أن يقتنعوا بأن الناس تنتظر منهم شيئا أكبر من التوافقات الزائفة ومن الالتباسات التي يسمونها توافقاتهم, والتي يهيؤون لها أماكنها وكل الطروف المحيطة بها في الأماكن التي لانعرفها نحن.
ماأحوجنا فعلا إلى وضوح في الفعل السياسي كله, ما أحزجنا إلى أناس من محترفي هذه السياسة قادرين على الخروج على ناسنا بقرارت مفهومة, معللة باختيارات واضحة, قابلة للشرح لأهلنا, وغير مضطرة للانتظار سنوات طويلة قبل أن تبدو لنا أهميتها وقيمتها. ذلك أن الذين نراهم في البلدان الأخرى لا يفعلون مثلما يفعل سياسيونا. هم يتخذون مواقف مبنية على القاعدة التي أوصلتهم إلى الحكم أو حكمت عليهم بالبقاء في المعارضة. أما لدينا فنحن لانعرف إن كنا السبب في بقاء من نعتقدها أحزابنا في موقع الحاكمين أو في مقوع المعارضين.
البعض يسمي مانحييه الانتقال الديمقراطي, لكن شعبنا يفضل تسميته الالتباس الديمقراطي ذاك الذي لايسمح لما بالتمييز بين من ينتمون فعلا لنا من السياسيين وبين من ينتمون لأنفسهم وتحركهم مصالحهم فقط, ويريدون من خلال احتراف كل هذه المسارات أن يحققوا الأهداف التي يسعون إليها لا تلك التي يحلم شعبنا بالوصول إليها يوما. لذلك علينا فعلا أن نشكر اللحظة الراهنة تلك التي سمحت لنا بأن نرى الكثيرين على حقيقتهم العارية: من تنكروا لحزب الدولة الأغلبي بعد أن كانوا من السباقين لطلب وده, من اعتنقوا مطالب الشباب رغم أن تنظيماتهم هي الأبعد نظريا وعلميا عن الشباب وروحه, من عادوا إلى الحياة السياسية بعد أن فارقوها من تنظيمات التطرف التي لا موطئ للقدم لديها بين الناس, من عادوا للاقتناع أن الشارع هو الكان الأفضل لطرح المطالب كلها وانتظار الرد عليها, من عجزا عن إقناع المخزن بالحاجة إليهم ووجدوا في 20 فبراير الوسيلة المثلى للتحسيس ببعض ضرورتهم, من كانوا قاب قوسين أو أدنى من إقفال حوانيتهم ودكاكينهم السياسية لكنهم عثروا الآن على شكل من أشكال العودة إلى الحياة, من قاوموا لفترات معينة ثم اقتنعوا أنهم ماتوا وأن الأفضل بالنسبة إليهم هو انتظار زمن قد يأتي وقد لايأتي, وهاهو قد أتى, لكي يمنجهم صغار الفيسبوك كل أسباب البقاء.
كل هؤلاء وغيرهم كثير يدينون لحركة 20 فبراير بغير قليل من الفضل لكنهم لن يستطيعوا يوما الاعتراف أن هؤلاء الصغار كانوا وحدهم القادرين على صنع كل هذه الأفاعيل بهم وبسياستهم التي اعتقدناها قد ماتت. أفلا يستحق الوافدون الجدد _ على وزن الوافد الجديد كذبا _ كل التحية, وكل الاحترام؟
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
الفرق واضح بين التظاهرات السلمية التي تتم في ظروف جيدة وترفع شعارات واضحة، وبين التظاهرا ت التخريبية التي تتخذ لها هدفا واحدا هو إشعال نار الحرائق في الوطن عبر مختلف مدنه. وبالقدر الذي نطالب فيه بالاحترام الكامل للمظاهرات السلمية للشباب والتعامل بنضج مع مطالبهم بالقدر الذي نطالب فيه بالحزم مع المخربين والضرب على أيديهم بقوة لأن أمن الوطن لا يقبل التلاعب به نهائيا.
المواطن الذي يحتج سلميا وبشكل حضاري هو أول المطالبين بهذا الأمر لأن المخرب لا يترك له حتى المجال للتظاهر السلمي ويحرمه من حقه الأساسي في إيصال مطالبه بشكل مقبول ومنتم لعصر الناس هذا
أعترف أن الاكتشاف راقني أنا الذي نظرت لموت السياسية والسياسيين واعتبرت أن الأحزاب لم تعد ذات جدوى بيننا, وأعترف الآن أن ماوقع حرك في بعضا من رغبة في العودة إلى السياسة وإلى معترك الخوض فها, ومع القرار الذي اتخذه الاتحاديون أخيرا, بترك المجال مفتوحا أمام الخروج من الحكومة أو البقاء فيها مما لم أفهمه, فإن ما لمسته من ردود الفعل لدى الناس القريبين أو البعيدين من السياسة ومعتركها أعاد لي بعضا من إيمان في كل مايجري الآن.
من قالوا إن 20 فبراير لم تكن ذات جدوى عليهم أن يتأملوا فيما فعلته في الأحزاب السياسية لدينا, ومن ادعوا أن الحركة كلها كانتا حركة صغار غير واعين لا انتماء سياسي لديهم, ولا وعي يؤهلهم لكي يقودوا المجتمع المغربي عليهم فعلا أن يسائلوا الحزب الذي كان الأول في البلد قبل أن تفعل اليد إياها كل الأفاعيل لكي تجعله مجرد تابع من التابعين, عن المآل الأخير لكل ما وقع بعد التاريخ إياه.
حقيقة لم يكن رد فعل الحزب عند انتظار من توسموا فيه خيرا, وحقيقة لم يستطع الاتحاديون فهم موقف الشعب المغربي الذي كان يتوقع منهم شيئا أكبر من موقف غير واضح الأبعاد, ملتبس الأهداف, غامض الرسائل. لكن الأهم بالنسبة للعديدين كان هو الاقتناع بأن شيئا ما عاد للتحرك في المستنقع السياسي المغربي الآسن. شيئ ما يقال له الآمل ماكان أحوجنا إليه نحن الذين لم نعد ننتظر من هذه الأحزاب إلا المظيد من الخيبات, والكثير من الإخفاقات وغير قليل من محبطات الأمل.
اليوم على من يحترفون السياسة في البلد أن يفهموا أن هناك أناسا _ هم شعبنا في نهاية المطاف _ لازالوا على الوهم الأول الذي حرطهم قادرين على الاقتناع بأن الأحزاب كلها ليست سواء رغم أن العقلية إياها اشتغلت على إقناعنا بالأمر ذاته لسنوات وعقود. واليوم على من يجعلون من السياسة مهنتهم الأساسية أن يقتنعوا بأن الناس تنتظر منهم شيئا أكبر من التوافقات الزائفة ومن الالتباسات التي يسمونها توافقاتهم, والتي يهيؤون لها أماكنها وكل الطروف المحيطة بها في الأماكن التي لانعرفها نحن.
ماأحوجنا فعلا إلى وضوح في الفعل السياسي كله, ما أحزجنا إلى أناس من محترفي هذه السياسة قادرين على الخروج على ناسنا بقرارت مفهومة, معللة باختيارات واضحة, قابلة للشرح لأهلنا, وغير مضطرة للانتظار سنوات طويلة قبل أن تبدو لنا أهميتها وقيمتها. ذلك أن الذين نراهم في البلدان الأخرى لا يفعلون مثلما يفعل سياسيونا. هم يتخذون مواقف مبنية على القاعدة التي أوصلتهم إلى الحكم أو حكمت عليهم بالبقاء في المعارضة. أما لدينا فنحن لانعرف إن كنا السبب في بقاء من نعتقدها أحزابنا في موقع الحاكمين أو في مقوع المعارضين.
البعض يسمي مانحييه الانتقال الديمقراطي, لكن شعبنا يفضل تسميته الالتباس الديمقراطي ذاك الذي لايسمح لما بالتمييز بين من ينتمون فعلا لنا من السياسيين وبين من ينتمون لأنفسهم وتحركهم مصالحهم فقط, ويريدون من خلال احتراف كل هذه المسارات أن يحققوا الأهداف التي يسعون إليها لا تلك التي يحلم شعبنا بالوصول إليها يوما. لذلك علينا فعلا أن نشكر اللحظة الراهنة تلك التي سمحت لنا بأن نرى الكثيرين على حقيقتهم العارية: من تنكروا لحزب الدولة الأغلبي بعد أن كانوا من السباقين لطلب وده, من اعتنقوا مطالب الشباب رغم أن تنظيماتهم هي الأبعد نظريا وعلميا عن الشباب وروحه, من عادوا إلى الحياة السياسية بعد أن فارقوها من تنظيمات التطرف التي لا موطئ للقدم لديها بين الناس, من عادوا للاقتناع أن الشارع هو الكان الأفضل لطرح المطالب كلها وانتظار الرد عليها, من عجزا عن إقناع المخزن بالحاجة إليهم ووجدوا في 20 فبراير الوسيلة المثلى للتحسيس ببعض ضرورتهم, من كانوا قاب قوسين أو أدنى من إقفال حوانيتهم ودكاكينهم السياسية لكنهم عثروا الآن على شكل من أشكال العودة إلى الحياة, من قاوموا لفترات معينة ثم اقتنعوا أنهم ماتوا وأن الأفضل بالنسبة إليهم هو انتظار زمن قد يأتي وقد لايأتي, وهاهو قد أتى, لكي يمنجهم صغار الفيسبوك كل أسباب البقاء.
كل هؤلاء وغيرهم كثير يدينون لحركة 20 فبراير بغير قليل من الفضل لكنهم لن يستطيعوا يوما الاعتراف أن هؤلاء الصغار كانوا وحدهم القادرين على صنع كل هذه الأفاعيل بهم وبسياستهم التي اعتقدناها قد ماتت. أفلا يستحق الوافدون الجدد _ على وزن الوافد الجديد كذبا _ كل التحية, وكل الاحترام؟
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
الفرق واضح بين التظاهرات السلمية التي تتم في ظروف جيدة وترفع شعارات واضحة، وبين التظاهرا ت التخريبية التي تتخذ لها هدفا واحدا هو إشعال نار الحرائق في الوطن عبر مختلف مدنه. وبالقدر الذي نطالب فيه بالاحترام الكامل للمظاهرات السلمية للشباب والتعامل بنضج مع مطالبهم بالقدر الذي نطالب فيه بالحزم مع المخربين والضرب على أيديهم بقوة لأن أمن الوطن لا يقبل التلاعب به نهائيا.
المواطن الذي يحتج سلميا وبشكل حضاري هو أول المطالبين بهذا الأمر لأن المخرب لا يترك له حتى المجال للتظاهر السلمي ويحرمه من حقه الأساسي في إيصال مطالبه بشكل مقبول ومنتم لعصر الناس هذا
الثلاثاء، 1 مارس 2011
فيشل العرايسي
لانصيب لي في اختراع هذه الكلمة التي تعد لعبا على الحروف بخصوص الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة فيصل العرايشي, بل براءة الاختراع هي لرجل برع في الصنف يسمى أحد السنوسي زاوج في الكلمة بين فشل فيصل العرايشي في الوصول بالقطب العمومي المغربي إلى بر الأمان, وبين الهوس الملحوظ على تلفزيوننا منذ أن حل على رأسه المواطن المذكور بالأعراس وبرامج "للا لعروسة" و"الهودج" لكأن الشيء الوحيد الذي ينقص المغاربة في تلفزيونهم هو الاحتفال بالأعراس الحقيقية والوهمية إلى يوم الدين.
تذكرت الللقب ونحن نتابع الغياب الكلي لقطبنا العمومي أو لما يسمى قطبنا العمومي عن أحداث البلد الجسام التي نحياها حاليا, وتذكرت أنه قد مرت منذ اللحظة الأولى التي تسلم فيها العرايشي مقاليد الإذاعة والتلفزة المغربية, ثم الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة مايربو عن الأحد عشر سنة هي كافية لكي تسمح لنا بإقامة مايشبه التقييم لعمل الرجل الذي يعد عمليا المسؤول الأول عن كل مايشاهده المغاربة في تلفزيوناتهم, وماينصتون إليه في إذاعاتهم.
أحد عشر سنة. مدة طويلة بحساب الزمن, لكنها بحساب التلفزيون مدة خرافية للغاية, إذ هي تتيح للعرايشي لو كان يتوفر على استراتيجية لتسيير القطب العمومي وقبله التلفزيون فقط أن يظهر "حنة يديه", وأن يترك بصمته على المجال ككل, لكن للأسف الشديد ماسيتركه العرايشي لتلفزيوننا هو قليل للغاية مقارنة مع اللحظة التاريخية التي تسلم فيها "حكم التلفزيون", ومقارنة مع الميزانية الهائلة التي وضعت تحت تصرفه, ومقارنة مع إطلاق يده بكل حرية لكي يفعل مايشاء في القنوات التلفزيونية منذ 2000 وحتى الآن.
المقربون من العرايشي _ ويعلم الله أنني أعرف منهم الكثيرين _ يقولون إن الرئيس المدير العام وضع استراتيجية القطب العمومي, أطلق القنوات التلفزيونية المتنوعة, تدبر أمر ميزانياتها, هيأ تقنيا الانتقال نحو الرقمي في كل القنوات التابعة لشركته, والبقية, أي ملء الشبكات البرامججية بما يرضي المشاهد المغربي هي مسألة ليست من اختصاصه ولكنها من اختصاص المدراء العامين المسؤولين عن كل قناة من القنوات التابعة له.
لن نناقش هذا الأمر بالنسبة لكل قناة على حدة, سنكتفي بنموذج واحد: قناة "المغربية", هل يعقل أن يتم التفكير في تحويل القناة التي كانت عبارة عن "فيديوتيك" لإعادة البرامج إلى قناة إخبارية تنافس بشكل أو بآخر الجزيرة والعربية, وأن يتم تكليف شاب صغير لايتجاوز الرابعة والعشرين بالتنسيق بين برامجها فقط لأنه إبن الوزير الأول؟
البعض سيقول لا للشخصنة, ونعم لانتقاد المنتوج وأفكاره مع الابتعاد عن الأشخاص. ياسيدي آمين, لكن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه, ومناقشة منتوج أنجزه فريق تحت إمرة الشاب المذكور هي مسألة تدخل في إطار "الاستهبال" أكثر من دخولها تحت أي مسمى آخر. لننتقل الآن إلى أهم انتقاد يوجه إلى التلفزيون العمومي الرسمي المغربي: الأخبار. انتظرنا سنوات طويلة أن يعفو الله علينا وعلى المغاربة من الإنشاء في نقل الأنشطة الرسمية, وأن يتجاوز تتلفزيوننا تلك العقدة الغريبة التي يفهم بموجبها كل المشتغلين داخله أن عليهم أن يظهروا فقط الأشياء الإيجابية التي تحدث في البلد, وأن يشغل هذا التلفزيون باله يوما بمشاكل الناس, بمشاغلهم, أن يحيا معنا على نفس القارة المسماة مغربنا, أن لايشطح به الخيال باستمرار نحو الكوارث المسماة روبرتاجات حسب فهمه للروبرتاج, والفضائح المسماة تقارير صحفية حسب تصوره لها, والزلات الكبرى التي تحمل وصف التحقيقات وفق منظوره.
انتظرنا وانتظرنا وانتظرنا, ثم فهمنا أن الأمور ستسير على هذا المنوال. النشاط الرسمي بالإنشاء الركيك أولا, ثم التغطية على أخبار الناس الحقيقية عوض تغطيتها, والالتزام بمايريده "مالين الشي" بلا زيادة ولا نقصان", وإخراج اللسان للمغاربة كلما انتقدوا أو قالوا كلمة سيئة عن هذا التلفزيون.
حينما كنا نكتب عن هذا الجهاز العجيب _ ويعلم الله أن العبد لله أصبح يخجل من الكتابة عن هذا الموضوع لفرط إطنابنا فيه _ كنا نسمع الصدى بشكل مقلوب "خليهم يكتبو حتى يعياو, دابا يخوا ليهم الستيلو". كنا نقول, لمن يريد أن يوصل لمن يقولون هذا الكلام, فكرة واحدة صغيرة هي أن العالم لم يعد يكتب "بالستيلو" منذ عشرات السنين, وأن من يفكر هذا التفكير هو إنسان تجاوزه العصر نهائيا حتى وإن كان يبدو ظاهريا "ولد الوقت". كنا نقول لهؤلاء "نحن لانريد شيئا منكم, نريد فقط تلفزيونا يستحقه المغاربة عوض التخلف الذي تقدمونه لنا". لكنهم كانوا يجيبون "بقاو تنبحو", ولحسن الحظ أو لسوئه وصلنا الآن إلى زمن أصبح فيه ل"نباحنا" بعض الأثر وبعض الصدى, لكن بعد ماذا؟ بعد أن فات الأوان.
شيء واحد بقي لهؤلاء لم يفعلوه بعد في خضم إنجازاتهم الكثيرة التي اقترفوها , هو أن يرحلوا, أن يتركوا الجمل بما حمل, أن يستقيلوا أو يقالوا, أن يقولوا للمغاربة "لقد فشلنا في صنع تلفزيون يستحق أن تشاهدوه, وهانحن الآن نمضي بملاييرنا, بلوبياتنا, بأصدقائنا الذين أغدقنا عليهم المشاريع الفاشلة تلفزيونيا, المدرة للمال الكثير ماديا, لكننا ماضون, فسامحونا".
متأكد أنا أن شعبنا _ لطيبوبته الساذجة _ سيسامحهم, فقط عليهم أن ينسحبوا قبل أن يفوت الأوان مجددا, ويشرع الناس في المطالبة بأشياء أخرى غير رحيلهم.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
كنت أعتقد أن الناس لم يعودوا ينتظرون من الاتحاد الاشتراكي شيئا إلى أن جاء الأحد الفارط, واكتشفت أن عددا كبيرا ممن أعرفهم ينتظرون موقفا حازما يعيد الاتحاد إلى شعبه, ويعيد للسياسة في المغرب بعضا من نظافتها وقليلا من قدرتها أحيانا على الضرب على الطاولة.
للأسف أو لحسن الحظ اتخذ الاتحاديون القرار الذي يعتقدونه ملائما لهم أكثر, وبالنسبة لمن انتظر منهم موقفا أكثر شجاعة, فهم غير مسؤولين بالتأكيد عن حسن ظن الناس فيهم. هذا ماأقوله لنفسي منذ الأحد الفارط على سبيل التفسير والمواساة.
تذكرت الللقب ونحن نتابع الغياب الكلي لقطبنا العمومي أو لما يسمى قطبنا العمومي عن أحداث البلد الجسام التي نحياها حاليا, وتذكرت أنه قد مرت منذ اللحظة الأولى التي تسلم فيها العرايشي مقاليد الإذاعة والتلفزة المغربية, ثم الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة مايربو عن الأحد عشر سنة هي كافية لكي تسمح لنا بإقامة مايشبه التقييم لعمل الرجل الذي يعد عمليا المسؤول الأول عن كل مايشاهده المغاربة في تلفزيوناتهم, وماينصتون إليه في إذاعاتهم.
أحد عشر سنة. مدة طويلة بحساب الزمن, لكنها بحساب التلفزيون مدة خرافية للغاية, إذ هي تتيح للعرايشي لو كان يتوفر على استراتيجية لتسيير القطب العمومي وقبله التلفزيون فقط أن يظهر "حنة يديه", وأن يترك بصمته على المجال ككل, لكن للأسف الشديد ماسيتركه العرايشي لتلفزيوننا هو قليل للغاية مقارنة مع اللحظة التاريخية التي تسلم فيها "حكم التلفزيون", ومقارنة مع الميزانية الهائلة التي وضعت تحت تصرفه, ومقارنة مع إطلاق يده بكل حرية لكي يفعل مايشاء في القنوات التلفزيونية منذ 2000 وحتى الآن.
المقربون من العرايشي _ ويعلم الله أنني أعرف منهم الكثيرين _ يقولون إن الرئيس المدير العام وضع استراتيجية القطب العمومي, أطلق القنوات التلفزيونية المتنوعة, تدبر أمر ميزانياتها, هيأ تقنيا الانتقال نحو الرقمي في كل القنوات التابعة لشركته, والبقية, أي ملء الشبكات البرامججية بما يرضي المشاهد المغربي هي مسألة ليست من اختصاصه ولكنها من اختصاص المدراء العامين المسؤولين عن كل قناة من القنوات التابعة له.
لن نناقش هذا الأمر بالنسبة لكل قناة على حدة, سنكتفي بنموذج واحد: قناة "المغربية", هل يعقل أن يتم التفكير في تحويل القناة التي كانت عبارة عن "فيديوتيك" لإعادة البرامج إلى قناة إخبارية تنافس بشكل أو بآخر الجزيرة والعربية, وأن يتم تكليف شاب صغير لايتجاوز الرابعة والعشرين بالتنسيق بين برامجها فقط لأنه إبن الوزير الأول؟
البعض سيقول لا للشخصنة, ونعم لانتقاد المنتوج وأفكاره مع الابتعاد عن الأشخاص. ياسيدي آمين, لكن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه, ومناقشة منتوج أنجزه فريق تحت إمرة الشاب المذكور هي مسألة تدخل في إطار "الاستهبال" أكثر من دخولها تحت أي مسمى آخر. لننتقل الآن إلى أهم انتقاد يوجه إلى التلفزيون العمومي الرسمي المغربي: الأخبار. انتظرنا سنوات طويلة أن يعفو الله علينا وعلى المغاربة من الإنشاء في نقل الأنشطة الرسمية, وأن يتجاوز تتلفزيوننا تلك العقدة الغريبة التي يفهم بموجبها كل المشتغلين داخله أن عليهم أن يظهروا فقط الأشياء الإيجابية التي تحدث في البلد, وأن يشغل هذا التلفزيون باله يوما بمشاكل الناس, بمشاغلهم, أن يحيا معنا على نفس القارة المسماة مغربنا, أن لايشطح به الخيال باستمرار نحو الكوارث المسماة روبرتاجات حسب فهمه للروبرتاج, والفضائح المسماة تقارير صحفية حسب تصوره لها, والزلات الكبرى التي تحمل وصف التحقيقات وفق منظوره.
انتظرنا وانتظرنا وانتظرنا, ثم فهمنا أن الأمور ستسير على هذا المنوال. النشاط الرسمي بالإنشاء الركيك أولا, ثم التغطية على أخبار الناس الحقيقية عوض تغطيتها, والالتزام بمايريده "مالين الشي" بلا زيادة ولا نقصان", وإخراج اللسان للمغاربة كلما انتقدوا أو قالوا كلمة سيئة عن هذا التلفزيون.
حينما كنا نكتب عن هذا الجهاز العجيب _ ويعلم الله أن العبد لله أصبح يخجل من الكتابة عن هذا الموضوع لفرط إطنابنا فيه _ كنا نسمع الصدى بشكل مقلوب "خليهم يكتبو حتى يعياو, دابا يخوا ليهم الستيلو". كنا نقول, لمن يريد أن يوصل لمن يقولون هذا الكلام, فكرة واحدة صغيرة هي أن العالم لم يعد يكتب "بالستيلو" منذ عشرات السنين, وأن من يفكر هذا التفكير هو إنسان تجاوزه العصر نهائيا حتى وإن كان يبدو ظاهريا "ولد الوقت". كنا نقول لهؤلاء "نحن لانريد شيئا منكم, نريد فقط تلفزيونا يستحقه المغاربة عوض التخلف الذي تقدمونه لنا". لكنهم كانوا يجيبون "بقاو تنبحو", ولحسن الحظ أو لسوئه وصلنا الآن إلى زمن أصبح فيه ل"نباحنا" بعض الأثر وبعض الصدى, لكن بعد ماذا؟ بعد أن فات الأوان.
شيء واحد بقي لهؤلاء لم يفعلوه بعد في خضم إنجازاتهم الكثيرة التي اقترفوها , هو أن يرحلوا, أن يتركوا الجمل بما حمل, أن يستقيلوا أو يقالوا, أن يقولوا للمغاربة "لقد فشلنا في صنع تلفزيون يستحق أن تشاهدوه, وهانحن الآن نمضي بملاييرنا, بلوبياتنا, بأصدقائنا الذين أغدقنا عليهم المشاريع الفاشلة تلفزيونيا, المدرة للمال الكثير ماديا, لكننا ماضون, فسامحونا".
متأكد أنا أن شعبنا _ لطيبوبته الساذجة _ سيسامحهم, فقط عليهم أن ينسحبوا قبل أن يفوت الأوان مجددا, ويشرع الناس في المطالبة بأشياء أخرى غير رحيلهم.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
كنت أعتقد أن الناس لم يعودوا ينتظرون من الاتحاد الاشتراكي شيئا إلى أن جاء الأحد الفارط, واكتشفت أن عددا كبيرا ممن أعرفهم ينتظرون موقفا حازما يعيد الاتحاد إلى شعبه, ويعيد للسياسة في المغرب بعضا من نظافتها وقليلا من قدرتها أحيانا على الضرب على الطاولة.
للأسف أو لحسن الحظ اتخذ الاتحاديون القرار الذي يعتقدونه ملائما لهم أكثر, وبالنسبة لمن انتظر منهم موقفا أكثر شجاعة, فهم غير مسؤولين بالتأكيد عن حسن ظن الناس فيهم. هذا ماأقوله لنفسي منذ الأحد الفارط على سبيل التفسير والمواساة.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)