الثلاثاء، 8 فبراير 2011

النزول إلى الشارع

بعد جمعة الغضب، وجمعة الرحيل وآحد الشهداء، يبدو أن المصريين ملزمون بالبحث عن أسماء مبتكرة جديدة لثورتهم في ميدان التحرير خصوصا في ظل المتغيرات الكثيرة التي حدثت منذ أن اندلعت شرارة هذه الأحداث في أرض الكنانة يوم الخامس والعشرين من يناير الفارط، وحتى اللحظة التي تكتب فيها هذه الأسطر نفسها، والتي لايعرف أحد ما الذي سيحدث بعد كتابتها بقليل
علينا الاعتراف أن ماقام به الشباب في مصر هو أكبر من المتوقع وأن سقف مطالبهم فاق تفاؤل أكبر ثوري فينا، وأنهم حركوا العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه, وأن مفعول ثورة الياسمين في تونس ساعدهم على أن يعطوا دفقا كبيرا لحركتهم.
علينا الاعتراف أيضا أن ماوقع في أرض الكنانة حرك كثير الأشياء النائمة في بلاد العرب, وأن وقعه كان أكبر من وقع ماحدث في تونس, بالنظر لقيمة مصر في الوطن العربي, وبالنظر لحجمها وتأثيرها وكل ما تحتفظ به من علاقات متينة مع كل الدول العربية التي وإن رأت فيها الشقيقة المتعالية حينا, فإنها لاتزيل عنها صفة الكبرى, مايجعل كل الأعين والآذان تتوجه اليوم إلى القاهرة وبقية محافظات مصر لمعرفة علام سترسو الأمور.
علينا ثالثا الاعتراف أن العالم العربي المريض والنائم كان بحاجة لرجة من هذا النوع, تزيل عن حكامه وهم الاستقرار الكاذب, تعيد لشعوبه بعضا من أمل في التحرر, تسائل المثقفين الذين غابوا عن الشارع وأصبحوا أكبر من أن ينزلوا إليه, تعيد خلخلة كل اليقينيات التي يبدو أننا تسرعنا جميعا في الارتكان إليها واعتبارها قضاء وقدرا.
كل هذا جميل, ويبشر بأن الموت لم يعرف طريقه بالكامل لأمة العربان هاته, وبأن الأجيال الجديدة والرهان الدائن عليها هما في نهاية المطاف الشيء العاقل الوحيد الذي يمكن للمرء أن يقوم به داخل هذه الأمة المسطولة, لكن هناك دائما لكن مع هذه البلاد. وهذه "اللكن" ضرورية, ولا ينفع معها أن ننجر وراء الحماس لكي ننسى وضع الأسئلة الحقيقية لكل ماجرى ويجري الآن في الميدان, ميدان التحرير, لكن بقية الميادين العربية الأخرى المنتظرة لدورها بكل تأكيد كل حسب الحالة ودرجة استفحالها.
من قام بالثورة في مصر اليوم؟
البعض يقول شباب الفيسبوك. الأمر جميل من الناحية النظرية لكنه غير قابل للتطبيق من الناحية العلمية. الثورة دعا إليها على شكل مظاهرات بدائية في الأول شباب الأنترنيت, ثم تلقفها الشارع المصري بكل أطيافه, وبكل الراغبين في صنع شيء فيه, ثم أصبحت على امتداد الأيام صراعات مختلفة ومتنوعة بين تيارات عديدة إلى أن انتهت في يد التيار الأكثر تنظيما اليوم في الشارع المصري, وهو تيار الإخوان المسلمين.
البعض اعتبرها مجرد استعراض للقوة من طرف الإخوان.هم يعرفون أن الظرف ليس لهم, وأن منطق المغالبة الذي يضعونه في المرحلة الأخيرة من برنامجهم السياسي لم يصل بعد, لذلك لامفر من تفعيل المرتبة التي تسبقه أي منطق المشاركة.
غير أن مشاركة اليوم في مصر تختلف عن مشاركة ماقبل 2005. لايتعلق الأمر الآن بتقديم مائة نائب إخواني إلى انتخابات مجلس الشعب, لا, الكعكة أكبر بكثير هذه المرة. فنظام مبارك بالشكل القديم الذي كان عليه انتهى نهائيا. الحزب الوطني يلفظ أنفاسه الأخيرة. جمال لن يرث مصر, وأغلب القيادات السياسية المؤهلة لتولي منصب الرئاسة في المرحلة المقبلة هي قيادات فوق الستين, مايعني أن الاستقرار لن يعرف طريقه إلى بر المحروسة في القريب العاجل.
إذن هناك إمكانية للعب لعبة أكبر, وهو ماقام به تيار الإخوان المسلمين حين ميز نفسه من بين كل فعاليات ميدان التحرير, من خلال تنظيمه أولا, من خلال مواجهته للهجوم على الميدان ثانيا, ومن خلال رفضه الحوار في مرحلة أولى ثالثا.
الكل كان يعرف أن الإخوان سيشاركون في الحوار لأنها فرصتهم الأخيرة للجلوس ووضع بعض الشروط على الدولة في مصر, لكنهم كانوا ملزمين برفض هذا الحوار في مرحلة أولى لكي يوصلوا الرسالة إلى "ماما أمريكا" التي ترعى كل هذا الذي يجري الآن في المنطقة أنهم يريدون "قطعة أكبر من الكعكة", وهو الأمر الذي سيكون لهم بكل تأكيد بالنظر إلى كل ماحدث في مصر منذ الخامس والعشرين من يناير.
نعود الآن إلى شباب الفيسبوك الذين أراد البعض تحميلهم مالاطاقة لهم به. أجمل شيء في صرخة هذا الجيل الجديد أنها صرخة وصلت إلى كل الآذان. حقيقة, التلقي اختلف بين الجهات والمصالح والمراد من الإنصات, لكن جيل اليوم أوصل رسالته التي قوامها : أننا تعبنا من عد الإنصات إلينا, وأن المستقبل ينبغي أن يضع في حسابه هذه الفئة الغالبة عدديا, غير الموجودة نهائيا في أي مخطط سياسي في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه.
ليس هناك تأطير سياسي لهذه الفئة, هذه حقيقة, ثبتت مجددا في أحداث مصر. ليس هناك تكوين سياسي فعلي, هذه أيضا حقيقة, وليست هناك قيادة موحدة لهذه الجموع الرقمية المنتشرة وراء الحواسيب, هذه هي الحقيقة الثالثة. لكن الحقيقة التي ستظل ملتصقة بهذا التاريخ إلى الأبد هي أن هؤلاء الصغار استطاعوا الدفع نحو فعل ماظل يخشاه العدد العديد من الكبار: النزول إلى الشارع, لكن بأي ثمن؟ ومن سيؤدي الفاتورة الختامية في نهاية المطاف؟ ذلك هوالسؤال المؤجل جوابه إلى حين.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
محمد حسنين هيكل الذي يقدم نفسه الآن باعتباره المساند الأكبر لثورة شباب مصر هو أكبر رمز لنظام مصر منذ 1952, وهو من أطلق على هزيمة 67 إسم النكسة الذي اشتهرت به, وكان المصريون يقولون في النكتة إن "هيكل بيدلع الهزيمة وبيسميها النكسة", وهو من ظل باستمرار مثقف النظام المصري قبل أن يكتشف أن الموجة اليوم تحتاج كلاما آخر يقال عبر "الجزيرة".
رعى الله بخير أحمد فؤاد نجم الذي كتب عن الأستاذ ميكي قبل هذا الزمن بكثير
في رائعته الشهيرة التي مطلعها " بصراحه يا أستاذ ميكى
انك رجعى وتشكيكى
قاعد لامؤاخذة تهلفط
وكلامك رومانتيكى
" لكن الزمن أراد هذه الانقلابات الخطيرة في كل شيء.

الاثنين، 7 فبراير 2011

الشعب مع الملك

هناك موضوع نحاذر جميعا من تلمسه هذه الأيام في بلدنا, محوره الأساس : هل سيقع لدينا في المغرب نحن أيضا ماوقع لدى التونسيين والمصريين؟ لحد الآن تمت ملامسة الموضوع بسطحية خرافية, إذ أن هناك جهتين تحاولان الاقتراب منه وفق مصلحتيهما معا. الجهة الأولى مأجورة من بعض نافذي الخارج الذين اختاروا لأنفسهم مسارا متفردا عن المسار العام للبلد منذ 1999, والجهة الثانية جهة مدافعة عن بقاء الوضع على ماهو عليه لأنها مستفيدة منه, و"أصحاب الحال" يطلبون منها أن تقول هذا الكلام الآن.
علينا أن نكون صرحاء جدا في هذه اللحظة العصيبة التي تمر منها المنطقة. الجهتان معا لاتمثلان الشعب المغربي. كل واحدة منهما تمثل نفسها "وبالسيف", مايعني أنهما معا غير مخولتين للحديث بسام شعبنا نهائيا, ومايفعلانه معا يشبه عملية سرقة الثورة التي تدور حاليا في تونس ومصر, مع فارق بسيط للغاية هو أننا نحن لم نبلغ بعد مرحلة الثورة, بل نحيا لحظة الخوف من عدواها فقط.
الجهة الأولى يعرفها الجميع وإن كانت الأغلبية تتحاشى الحديث عنها. جبهة داخلية خارجية تشكلت على امتداد العشرية الأخيرة, كانت في البدء أكثر المتحمسين لكل ماسيقع في البلد, وكانت تدفع في اتجاه إفهام شعبنا أن كل شيء على مايرام فقط لأنها كانت قريبة حينها من النظام, وكانت تنوي تصدر المشهد السياسي, وكانت ترى في نفسها أهلية قيادة ماسيقع في البلد من تطورات. هذه الفئة حين أحست بأن البساط سحب من تحت قدميها لجأت إلى النقيض الكامل لما كانت تقوله وتدعيه في البدء وأصبحت أشرس أعداء كل مايقع في المغرب من تطورات.
هناك فئة أخرى تحلقت حول إسم معين. هي تقول إنها ترفض عبادة الشخصية في المغرب, وتريد ملكية ديمقراطية حقيقية لكنها يف الوقت ذاته تتحلق حول شخصيتها الخاصة بها وتحلم بيوم لايشاطرها إياه الشعب المغربي نهائيا تستطيع أن تدفع بهذه الشخصية إلى مصاف أخرى غير مصاف الدراسة والبحث العلميين والإنسانيين في أمريكا والنواحي.
ثم هناك فئة ثالثة أضاعت مسارها السياسي كلها وبقيت على الهامش منذ البدء وحتى النهاية, وهذه الفئة لاتملك إلا معارضة كل شيء لأنها مستحيلة التموقع في أي إصلاح معقول في البلد, بسبب عدم قدرتها على مجاراة ماحمله العصر من متغيرات, وبسبب انعدام أي شعبية لها في المجتمع المغربي, وهي تلتقي في هذه النقطة بالتحديد (نقطة انعدام الشعبية مع الفئتين الساابقيتن: فئة الطماعة الذين انقلبوا وفلئة المتحلقين حول الشخصية إياها).
نأتي الآن إلى مكونات الجبهة الأخرى: فيها طبعا الخائفون على مصالحهم من مراكز قوى نافذة أكلت كل شيء في البلد في العقدين الأخيرين, وفيها الأحزاب السياسية التي لم تراهن يوما على الشعب وراهنت على الاقتراب من الماسكين بزمام السلطة باستمرار, وفيها العائلات المتنفذة التي تعتقد أن أي تغيير ديمقراطي كبير سيجلب عليها النقمة, وسيزيل عنها كل ما راكمته منذ عديد السنوات, وفيها المكلفون بمهمة الذين يقال لهم "دافعوا" دون أن يفهموا فينطلقون في الدفاع تماما مثل بلطجية الحزب الوطني في مصر مع فارق بسيط أيضا هو أن هؤلاء لن يستطيعوا في يوم من الأيام أن يمروا إلى الضرب بالحجارة والطوب لأنهم في الأصل وقبل وبعد كل الأشياء جبناء باالسليقة.
نأتي الآن إلى الجهة الثالثة بين الجهتين: الشعب المغرب. وهذه الجهة تنسى الفئة الأولى المنشغلة في صالوناتها الكبرى ونظرياتها الضخمة أن تتذكرها, مثلما ينسى المدافعون عن مصالحهم أن يلتفتوا جهتها, لذلك تظل وحيدة وغير مسموعة الصوت. والمفارقة هي أن هذه الجهة هي التي ينبغي أن ينصت إليها الجميع الآن في ظل كل هذا الذي يقع بيننا وأمام أعيننا الآن.
هذه الجهة في ظل عدم اكتراث المتقاتلين على مصالحهم بها, تجد أن الملاذ الوحيد المتبقي لها في البلد, دون أدنى نفاق هو الملك, وتفهم أن جلالته منذ لحظة البدء الأولى أتى لكي يصلح كل المصائب التي اقترفتها الجهتان معا على امتداد تاريخ المغرب, وعلى اختلاف الوجوه التي شكلت الضفتين معا. لذلك يضع الشعب المغربي اليوم كل رهانه على اللحمة الوحيدة الممكنة في البلد, تلك التي ستجمع الملك بشعبه في وجه كل الراغبين في الوصول إلى أهداف غير التي يعلنون عنها الآن وفي وجه الراغبين في إدامة زمن الأزمة أو الأزمات التي يحياها المغربي منذ سنوات.
الرهان الوحيد الذي يراهن عليه المغربي البسيط ليس رهانا على شخصية ما توزع المال يمنة ويسرة على الصحافيين وبعض الفاعلين المدنيين لكي يطبلوا لها ويخيفوا بها الماسكين بزمام الأمور, وليس رهانا على بقاء طبقة سياسية مترهلة أثبت الزمن أنها لم تعد تصلح لشيء.
رهان مغربنا اليوم هو على أن يستطيع شبابه إفراز قيادة جديدة من بين أوساطه, لاترتبط بأي أجندة كيفما كان نوعها اللهم الأجندة المغربية, وتلتقي برغبة الملك في مواصلة الإصلاح الكبير الذي بدأه منذ 1999, وهو إصلاح أضخم من كل الذي يجري في العالم العربي كله الآن. وهذا الالتقاء هو طريقتنا لقطع الطريق على كل من يحلمون لنا بمغرب آخر على مقاس طموحاتهم الشخصية هم فقط لاأقل ولا أكثر.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق

تحدث صلاح عيسى الكاتب الصحفي أول أمس عبر "الحياة" عن منطقي المشاركة والمغالبة في فكر الإخوان المسلمين على هامش الحديث الرائج اليوم عن إدماج هؤلاء بطريقة أو بأخرى في الحياة السياسية المصرية. عمرو أديب علق ساخرا على المشاركة وطلب ضمانات من الإخوان بأنهم لن يغيروا الشكل السياسي الذي قامت عليه جمهورية مصر العربية إنهم "مستعدون للقسم بالله الآن أن لايفعلوا شيئا من هذا, لكن بعد تمكنهم من الأمور, ستحدث بالتأكيد أمور".
المصريون يضعون اليد على القلب اليوم خوفا على أم الدنيا من أن تصبح أم الظلام. كان الله في عونهم وعونها

الأحد، 6 فبراير 2011

كيف تودع شعبك

درس واحد من بين الدروس الهامة التي يتلقاها الحاكم العربي قبل أن يصعد إلى السلطة, تنسى الجهات المكلفة بذلك أن تلقنه لبعض حكامنا, هو درس: كيف تودع شعبك في خمسة أيام دون معلم, وأساسا دون أن تضطر لقتل هذا الشعب المسكين, إما بالرصاص الحي, أو المطاطي أو في حالة أخرى أكثر استعصاء مثل الحالة المصرية, إلى قتله بالفقصة, وهو يراك متمسكا بأهذاب الكرسي مهما وقع.
وفي النظر الشعبي السديد اليوم, لابد لأمريكا, التي يبدو أنها هي التي تمنح قبعات التخرج الشهيرة للرؤساء العرب قبل أن تضعهم على الرقاب, أن تشرع من الآن فصاعدا في صنع مقررات دراسية جديدة للحكام تضمنها أولا وقبل كل شيء هذا الدرس المهم والأساسي, درس الوداع الأخير.
من الممكن اقتراح بعض الجذاذات مثلما يقول آخوتنا رجال التعليم وهم يهيئون دروسهم لتلاميذهم, بخصوص هذا الرس الجديد, وقد يكون شكلها على الآتي: النقطة الأولى في الدرس: التوقيت. على الحاكم العربي أن يحس بالزمن الذي يتعب فيه منه شعبه بالتحديد. فبسبب غياب أي شكل من أشكال انتخاب رؤسائنا في المنطقة, وبالتالي غياب ولايات محددة لبقاء هؤلاء على الصدور, كأن يتولى لخمس أو لأربع سنوات محددة قد تجدد مرة واحدة وكفى, يرجى من الحاكم العربي أن لايعتمد على حدسه نهائيا. فهذا الأخير سيقول له باستمرار إن الشعب يحبه ولايريد له الرحيل. كما يرجى من الحاكم أن لايعتمد على المحيطين بهو فهؤلاء ولأنهم المستفيدون الأوائل من بقائه سيقولون له دائما إن الشعب لن يمل من سيادته.
الأساسي في النقطة الأولى من هذا الدرس أن يصيخ الحاكم العربي السمع جيدا للشارع, وحين يسمع كلمة "إرحل" عليه أن يفهم أنها تعني الرحيل وليس أي شيء آخر. على الحاكم أيضا أن يحترس جيدا حين يسمع بعض المقربين منه يقولون له إنه من الضروري إدخال بعض الإصلاحات, وعليه أن يفهم على الفور أنهم لايريدون أن يقولوا له مباشرة إن الشعب سيزحف قريبا على قصر الرئاسة, وأن عليه أن يرسل "مدام والوليدات" إلى الخارج الآن ودون أي إبطاء.
النقطة الثانية في الدرس هي المكان. على الحاكم العربي, خصوصا في مثل هذه الأيام العصيبة التي تعبر منها أمتنا البلهاء, أن يحدد مكان إقامته جيدا, هو الذي تعود تحديد أماكن إقامة الناس الآخرين لكن في الاتجاه الآخر. تحديد الحاكم لمكان إقامته أساسي للغاية في السويعات العصيبة, فهو لاينبغي أن يبقطن في وسط البلد لأنه لن يجد طريقة للهروب السريع من هناك, ولا ينبغي أن يظل في قصره لأن المتوقع الأول هو أن الشعب الغاضب سيزحف على القصر الرئاسي أولا, وعليه ثانيا أن يضع الكثير من الكيروزين في طائرته الخاصة ثالثا, لأنه "الوقت والزمان هادا", وهو لايعرف متى ستعطيه مصالح مطار الرياض أو جدة إذن السماح بالنزول, وشعوبا العربية, رغم أنها لم تر من أغلب رؤسائها إلا كل شر, لاتريد لهم لحظة "الشليت" أن يموتوا في طائرة خلت من الوقود, وأن ينزلزا من عل مشتتين إلى الأرض. شعوبنا لديها رحمة على كل حال, وهي لاتتمنى موتا مشوها لأي كان مهما كان الذي فعله بها هذا الأي كان.
الدرس الثالث من دروس "كيف تودع شعبك", هو درس الطريقة. بن علي اختار الهروب بعد أن قال "فهمتكم", قبله اختار تشاوشيسكو درس العناد والمكابرة قبل أن ينتهي هو وزوجته عند جدار برأسين مثقوبين بالرصاص, الملك فارق في مصر اختار يوما أن يغادر وشنبه مرفوع إلى أعلى والجيش يضرب له الأحد والعشرين طلقة تشريفية "ديال غير سير بحالك", مبارك اليوم اختار التوديع بطريقة الخيول والجمال الرائعة, وهذا يعني أن هناك طرقا عديدة للفرار, مايفرض التوصل إلى طريقة موحدة تعفي الشعوب من متابعة أفلام سخيفة للغاية ينتهي أغلبها في الدماء .
أفضل من هذا التخبط, يمكن إقناع الحاكم العربي باختيار طريقة أبسط للغاية وأحفظ لكرامته هي أن يقبل على نفسه الكريمة إجراء انتخابات في بلده. والانتخابات ليس شيئا خطيرا للغاية, وليست كارثة إنسانية وليست أي شيء من هذا القبيل على الإطلاق. الانتخابات _ ونحن نورد هذا التعريف البسيط لها للحاكم العربي لأنه لايعرفها ولم يسبق له أن سمع بها _ هي صناديق زجاجية عديدة توضع في كل المدن التي تخضع لسلطة سيادته, ويقوم الرعاع التابعون لحكم فخامته بوضع أوراق صغيرة فيها تتضمن إسم "مسخوط الوالدين" الذين يريدون له أن يسوسهم للخمس سنين أو الأربع سنين المقبلة, وحين تنتهي هذه الأخيرة تتكرر هذه اللعبة "ونتا غادي".
"بالذمة" مثلما يقول المصريون, أليس الأمر أفضل من مشهد الجمال والخيول وهي تضحك العالم علينا وعلى عروبتنا البئيسة وعلى كل مانشترك فيه مع هذا العالم العربي المجنون حقا لا بالقول فقط؟
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
معلومات خطيرة كشف عنها تحقيق لقناة "تي إف 1" الفرنسية بخصوص سير الأمور داخل ميدان التحرير بالعاصمة المصرية القاهرة. ميليشيات الإخوان هي التي تتحكم في كل شيء, حتى المستشفى المقام هناك, والذي تظهره لنا "الجزيرة" باعتباره عملا شعبيا هو مستشفى يديره الإخوان, الذين وصلت بهم الوقاحة حد فرض ارتداء الحجاب على طبيبة علمانية أتت لكي تساعد من اعتقدتهم شباب الثورة, قبل أن تجد نفسها أمام تنظيم سياسي يستغل اندفاع وحماس الصغار لكي يصل إلى هدف ظل يحلم به منذ أنشأه حسن البنا .
للأسف "الجزيرة" وعرباننا لايهتمون بهذه التفاصيل الصغيرة التي يختفي فيها الشيطان. لتحيا الثورة إذن, فهذا ماتريد سماعه الجموع.

السبت، 5 فبراير 2011

كيف تودع شعبك

درس واحد من بين الدروس الهامة التي يتلقاها الحاكم العربي قبل أن يصعد إلى السلطة, تنسى الجهات المكلفة بذلك أن تلقنه لبعض حكامنا, هو درس: كيف تودع شعبك في خمسة أيام دون معلم, وأساسا دون أن تضطر لقتل هذا الشعب المسكين, إما بالرصاص الحي, أو المطاطي أو في حالة أخرى أكثر استعصاء مثل الحالة المصرية, إلى قتله بالفقصة, وهو يراك متمسكا بأهذاب الكرسي مهما وقع.
وفي النظر الشعبي السديد اليوم, لابد لأمريكا, التي يبدو أنها هي التي تمنح قبعات التخرج الشهيرة للرؤساء العرب قبل أن تضعهم على الرقاب, أن تشرع من الآن فصاعدا في صنع مقررات دراسية جديدة للحكام تضمنها أولا وقبل كل شيء هذا الدرس المهم والأساسي, درس الوداع الأخير.
من الممكن اقتراح بعض الجذاذات مثلما يقول آخوتنا رجال التعليم وهم يهيئون دروسهم لتلاميذهم, بخصوص هذا الرس الجديد, وقد يكون شكلها على الآتي: النقطة الأولى في الدرس: التوقيت. على الحاكم العربي أن يحس بالزمن الذي يتعب فيه منه شعبه بالتحديد. فبسبب غياب أي شكل من أشكال انتخاب رؤسائنا في المنطقة, وبالتالي غياب ولايات محددة لبقاء هؤلاء على الصدور, كأن يتولى لخمس أو لأربع سنوات محددة قد تجدد مرة واحدة وكفى, يرجى من الحاكم العربي أن لايعتمد على حدسه نهائيا. فهذا الأخير سيقول له باستمرار إن الشعب يحبه ولايريد له الرحيل. كما يرجى من الحاكم أن لايعتمد على المحيطين بهو فهؤلاء ولأنهم المستفيدون الأوائل من بقائه سيقولون له دائما إن الشعب لن يمل من سيادته.
الأساسي في النقطة الأولى من هذا الدرس أن يصيخ الحاكم العربي السمع جيدا للشارع, وحين يسمع كلمة "إرحل" عليه أن يفهم أنها تعني الرحيل وليس أي شيء آخر. على الحاكم أيضا أن يحترس جيدا حين يسمع بعض المقربين منه يقولون له إنه من الضروري إدخال بعض الإصلاحات, وعليه أن يفهم على الفور أنهم لايريدون أن يقولوا له مباشرة إن الشعب سيزحف قريبا على قصر الرئاسة, وأن عليه أن يرسل "مدام والوليدات" إلى الخارج الآن ودون أي إبطاء.
النقطة الثانية في الدرس هي المكان. على الحاكم العربي, خصوصا في مثل هذه الأيام العصيبة التي تعبر منها أمتنا البلهاء, أن يحدد مكان إقامته جيدا, هو الذي تعود تحديد أماكن إقامة الناس الآخرين لكن في الاتجاه الآخر. تحديد الحاكم لمكان إقامته أساسي للغاية في السويعات العصيبة, فهو لاينبغي أن يبقطن في وسط البلد لأنه لن يجد طريقة للهروب السريع من هناك, ولا ينبغي أن يظل في قصره لأن المتوقع الأول هو أن الشعب الغاضب سيزحف على القصر الرئاسي أولا, وعليه ثانيا أن يضع الكثير من الكيروزين في طائرته الخاصة ثالثا, لأنه "الوقت والزمان هادا", وهو لايعرف متى ستعطيه مصالح مطار الرياض أو جدة إذن السماح بالنزول, وشعوبا العربية, رغم أنها لم تر من أغلب رؤسائها إلا كل شر, لاتريد لهم لحظة "الشليت" أن يموتوا في طائرة خلت من الوقود, وأن ينزلزا من عل مشتتين إلى الأرض. شعوبنا لديها رحمة على كل حال, وهي لاتتمنى موتا مشوها لأي كان مهما كان الذي فعله بها هذا الأي كان.
الدرس الثالث من دروس "كيف تودع شعبك", هو درس الطريقة. بن علي اختار الهروب بعد أن قال "فهمتكم", قبله اختار تشاوشيسكو درس العناد والمكابرة قبل أن ينتهي هو وزوجته عند جدار برأسين مثقوبين بالرصاص, الملك فارق في مصر اختار يوما أن يغادر وشنبه مرفوع إلى أعلى والجيش يضرب له الأحد والعشرين طلقة تشريفية "ديال غير سير بحالك", مبارك اليوم اختار التوديع بطريقة الخيول والجمال الرائعة, وهذا يعني أن هناك طرقا عديدة للفرار, مايفرض التوصل إلى طريقة موحدة تعفي الشعوب من متابعة أفلام سخيفة للغاية ينتهي أغلبها في الدماء .
أفضل من هذا التخبط, يمكن إقناع الحاكم العربي باختيار طريقة أبسط للغاية وأحفظ لكرامته هي أن يقبل على نفسه الكريمة إجراء انتخابات في بلده. والانتخابات ليس شيئا خطيرا للغاية, وليست كارثة إنسانية وليست أي شيء من هذا القبيل على الإطلاق. الانتخابات _ ونحن نورد هذا التعريف البسيط لها للحاكم العربي لأنه لايعرفها ولم يسبق له أن سمع بها _ هي صناديق زجاجية عديدة توضع في كل المدن التي تخضع لسلطة سيادته, ويقوم الرعاع التابعون لحكم فخامته بوضع أوراق صغيرة فيها تتضمن إسم "مسخوط الوالدين" الذين يريدون له أن يسوسهم للخمس سنين أو الأربع سنين المقبلة, وحين تنتهي هذه الأخيرة تتكرر هذه اللعبة "ونتا غادي".
"بالذمة" مثلما يقول المصريون, أليس الأمر أفضل من مشهد الجمال والخيول وهي تضحك العالم علينا وعلى عروبتنا البئيسة وعلى كل مانشترك فيه مع هذا العالم العربي المجنون حقا لا بالقول فقط؟
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
معلومات خطيرة كشف عنها تحقيق لقناة "تي إف 1" الفرنسية بخصوص سير الأمور داخل ميدان التحرير بالعاصمة المصرية القاهرة. ميليشيات الإخوان هي التي تتحكم في كل شيء, حتى المستشفى المقام هناك, والذي تظهره لنا "الجزيرة" باعتباره عملا شعبيا هو مستشفى يديره الإخوان, الذين وصلت بهم الوقاحة حد فرض ارتداء الحجاب على طبيبة علمانية أتت لكي تساعد من اعتقدتهم شباب الثورة, قبل أن تجد نفسها أمام تنظيم سياسي يستغل اندفاع وحماس الصغار لكي يصل إلى هدف ظل يحلم به منذ أنشأه حسن البنا .
للأسف "الجزيرة" وعرباننا لايهتمون بهذه التفاصيل الصغيرة التي يختفي فيها الشيطان. لتحيا الثورة إذن, فهذا ماتريد سماعه الجموع.

لك الله يامصر

رأينا مصر تحترق صباح ومساء الأربعاء. رأينا فيها احتراق نجيب محفوظ والروايات التي صنعت لغتنا العربية يوما. رأينا فيها احتراق أفلام يوسف شاهين التي خاطبت فينا العين والذهن يوما. رأينا فيها احتراق صوت أم كلثوم ومماويل الليل التي أسكرت كل العشاق. رأينا فيها احتراق كل من أحببناهم وجعلونا نحب الحياة في لحظة من اللحظات.
الكثيرون من الذين لايرون أبعد من أرنبة أنوفهم يهللون اليوم لما يقع ويقولون إن الشعب المصري يتخلص من ديكتاتوره والسلام. هم لا يقولون لنا من سيمسك بالحكم بعده؟ ومن سيقود هذه الجموع؟ ومن سيقول لها ادخلي إلى المنازل بعد أن تحقق المراد؟
الحجارة التي كان يتبادلها آبناء مصر بينهم يوم الأربعاء من أجل طبقة سياسية لاتساوي "جزمة" أصغر مصري هي حجارة كانت ترشقنا جميعا، وهي حجارة تقول لن المأزق الذي يوجد فيه العالم العربي الجريح، بعد أن انتفت عنا أية إمكانية للتفاهم بيننا بشكل ودي وحضاري مثلما يفعل الآخرون. ولكم كرهت الشيخ المتصابي يوسف القرضاوي مجددا وهو يطلب من منفاه المخملي بالدوحة من الشباب المصري الذي كنا نراه بأعيننا يتقاذف بالحجارة أن لايغادر ميدان التحرير.
نداء متوقع من شيخ المتطرفين, الذي يقطن في قصر فاخر في دوحة حمد والذي لم يساهم مع المصريين وثورتهم إلا ببعض الأدعية عبر قناة "الجزيرة" بأن يشد الله من عضدهم وأن ينصرهم على من عاداهم, قبل أن يستقل الطائرة هو الآخر بعد "نجاح الثورة" إلى القاهرة لكي يدخلها دخول الفاتحين, تماما مثلما فعل راشد الغنوشي قبله في تونس.
هل هي ثورة شعبية إذن حقا هاته التي نراها بأعيننا عبر التلفزيون؟ أم هي شيء آخر اختلط فيه الاحتقان الداخلي باليد الخارجية برغبة التنظيمات المتطرفة في بسط اليد على العالم العربي المريض, وكل ذلك ممتزجا بالإرادة العليا الأمريكية في إعادة توزيع الأدوار للفترة المقبلة من الزمن؟
لاتهمنا هنا الإجابات الكثيرة, خصوصا وأن المحللين السياسيين والمحرمين كذلك أصبحوا أكثر من الهم على القلب هذه الأيام, وبعضهم لايعرف هل ينبغي أن يكتب التحليل السياسي لقرائه أم عليه أن يكتب أمنياته وأحلام اليقظة التي تراوده في بلدان الناس, لكن أيضا في بلده دون أن يستطيع التعبير عن ذلك مباشرة ودون خوف من العواقب الكثيرة.
مايهمنا فعلا هو أن شعبا عظيما لبلد عظيم مثل شعب مصر وبلد مصر لايستحقان المشهد البربري والوحشي الذي شاهدناه يوم الأربعاء.
مصر التي في خاطري مثلما غنت المغنية منذ الزمن الفائت, والتي أسست في دواخل كل منا شيئا جميلا أساسيا, لا تستحق أن يضرب أبناؤها بعضهم بالطوب والحجارة, وأن يهدوا تلفزيون دولة بدوية متخلفة _ مهما بلغ ثراؤها البترولي _ مثل قطر فرصة التشفي الصغيرة التي تابعناها طيلة هذه الأيام على شاشة القناة إياها. مصر التي في خاطر كل واحد منا, والتي كانت تغيظنا أحيانا بتعاليها الحقيقي أو المتخيل علينا, والتي قهرتنا بمسلسلاتها الكثيرة وأفلامها اللاتنتهي واقتحامها لمنازلنا دون إذن, والتي اكتشفنا فجأة أننا نحبها أكثر مما كنا نعتقد ليست البلد الذي ينزل صغاره وكباره لكي يحطموا أرضيته ويصنعوا منها حجارة لضرب بعضهم البعض.
في ذلك الأربعاء الحزين, تذكرنا كل من نعرفهم من المصريين, وكنا مع كل وجه جديد نتذكره, نقول إن البلد أكبر من هذا الحضيض الذي نزل إليه. وبحثنا ونقبنا في التفاصيل الصغيرة القاتلة, ووجدنا التنظيم المتطرف إياه يبتسم بخبث بعد أن استطاع التسلل لدعوة صغار الفيسبوك, ومثل دور الراغب في الانخراط في الثورة الشعبية, قبل أن يكشر عن أنيابه يوم الثلاثاء الفارط, حين وزع منشوراته بين حضور المظاهرة المليونية, وحين قام بمنع النساء من الاختلاط بالرجال في المظاهرة, وحين رفضت قياداته السماح لهن بالصلاة مع الذكور في ساحة التحرير.
حقيقة تصدى الشباب من محركي الثورة للإخوان المسلمين حين قاموا بهذه التصرفات, لكن هل لازال الوقت ممكنا لتجنب سرقة ثورة الشباب العفوية من هذا التنظيم المتطرف؟
نعتقد متألمين أن الوقت قد فات, وأن مصر أسلمت زمام عقلها وقياد مستقبلها للفوضى وللظلام. ونتصور أن العالم العربي سيسير على خطى الأخت الكبرى أو الشقيقة الأولى, مثلما تعود فعل ذلك دائما. سنرى التنظيمات المتطرفة التي قررت أمريكا أن تلعب بها لعبة الزمن القادم تحتل المراتب الأولى في كل الترتيبات المقبلة, وسنفهم أن الغرب المسيحي المتطرف لايضيره في شيء أن يمنح الشرق المسلم المتطرف أيضا إمكانية الحكم شرط الحفاظ على المصالح وهو ماسيتم بكل تأكيد.
أما نحن الذين كنا نعتقد أن قيم حقوق الإنسان ومعاداة التطرف والرغبة في إدخال مجتمعاتنا إلى الحداثة والتقدم هي الأفكار التي تحرك الغرب فعلا, فكم كنا واهمين, يوم صدقنا كل ذلك, ونسينا أن "ماما أمريكا" بالتحديد لاتكترث بشيء أو بأحد أكثر من مصالحها.
لك الله يامصر مثلما كان المصريون يقولون دائما. ونعتقد أننا يجب أن نضيف "ولك الله أيها العالم العربي المريض" في الأيام القليلة المقبلة.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
مضحك موقف صديقنا رئيس اليمن علي عبد الله صالح. الرجل تذكر أن بلاده بحاجة للإصلاح الآن فقط, واستوعب أنه غير ملزم بترشيح نفسه للانتخابات القادمة سنة 2013 في بلده, وفهم أن إبنه لايصلح لخلافته عكس ماكان مقررا من قبل في مخيلته ومخطط المقربين منه الذين يحيطون به منذ إثنين وثلاثين سنة, هي زمن سيطرته على الحكم.
بعض حكامنا العرب _ عفا الله عنا وعنهم منهم _ هم سبب الكوارث التي تجتاحنا اليوم, إذ ما معنى أن يكم رجل شعبه 32 عاما ثم يتذكر بعد ما وقع في مصر أن عليه أن يشرع في الإصلاح؟ لامعنى, ولا حول طبعا ولا قوة...
.

الجمعة، 4 فبراير 2011

البكارة الإعلامية

قتل عمار الشريعي يوم الإثنين المشاهدين وهو يتحدث عبر قناة "دريم" عما يقع في مصر اليوم, ثم وهو يرسل الرسائل العديدة إلى كل الجهات التي تدخلت لكي توصل بر المحروسة إلى المأزق الذي تحيا فيه اليوم. وقد نشرنا أمس ورقة عن تدخل الموسيقار الكبير الذي أبكى مقدمة البرنامج منى الشادلي, وأبكى المشاهدين, بل وبكى هو نفسه أثناء حديثه الصادق خصوصا حين وصل إلى الحديث عن إضاعة جيل كامل لعمره "أونطة" مما تحدثنا فيه أمس ولا داعي للعودة له.
مايهمنا في ورقة اليوم هو ماذكره عمار عن تعامل التلفزيون العمومي المصري مع الأحداث, حيث أشار ساخرا إلى أن تلفزيون النظام كان يوم الجمعة الفارط أثناء اندلاع أحداث جمعة الغضب يبث صورا لوصول وزير الخارجية المصري أبو الغيط إلى أديس أبيبا, قبل أن يمر إلى تقديم فيلم كوميدي في الوقت الذي كان الشباب المصري يقدم أفضل فيلم يكن تصوره للرد على كل ماوقع لبلده خلال السنوات السالفة.
عمار كان يتحدث عن التلفزيون الرسمي المصري, لكن كثيرا من العرب, سيتذكرون تلفزيونات بلدانهم, وسيقولون "ماأشبه الشيء بالشيء". ولا أعرف حقيقة من هم هؤلاء العلماء الذين يسيرون إعلام دولنا العربية بهذه الطريقة التي لاتدفع إلا إلى احتقان الناس وغيظهم عوض أن تدفعهم للتفاعل مع ماتقدمه هذه التلفزيونات. بل أكثر من هذا تنفع مثل هذه التصرفات المتخلفة في دفع شعوبنا دفعا إلى القنوات التي نعتبرها معادية أو ذات أجندات خاصة جدا.
ولكم كان الفنان الكبير عمار الشريعي موفقا وهو يقول "أنا أكره قناة الجزيرة, وأعرف الفكر الذي يقف وراءها, ولا أحبها على الإطلاق بل أكرهها, لكن عندما أردت التعرف على أخبار بلدي ومايقع في بلدي ذهبت إلى قناة الجزيرة", قبل أن يطرح السؤال "لماذا لايقدم تلفزيوننا أخبار بلدنا بصدق ودون أجندة خاصة عوض دفع الناس إلى اعتناق هذه القنوات التي تلعب به وبفكره وعقله؟". طبعا لم يجب عمار عن السؤال لأننا جميعا من الخليج إلى المحيط لانعرف له جوابا, ولا نفهم لحد الآن _ خصوصا نحن الذين لانتوقف عن فضح قناة "الجزيرة" ونعتبر أنفسنا غير معنيين ببث دعوتها بين صفوف بني جلدتنا مثلما يفعل آخرون يتقاضون ثمن فعلتهم _ لماذا سيكون قدرا لي أنا المغربي مثلا أن أشاهد نشرة الأخبار تلك التي تقدم لي في الثامنة والنصف مساء دون أي ذنب جنيته اللهم أني مغربي.
نعتبر أننا نستحق أفضل من هذا المستوى, ونعتبر أن من أوجه الاستفادة الفعلية من كل مايقع في العالم العربي اليوم هو أن نفهم أن أول أوجه التغيير هي أن تهب رياح الحرية الحقيقية على الإعلام, أن لايضطر أي مواطن في أي بلد عربي إلى اللجوء الإعلامي يوميا إلى قنوات تطلقها دول رجعية بمباركة أمريكية إسرائيلية من أجل إعادة توزيع الرقعة وبيادق الرقعة في الوطن العربي الجريح.
وعندما نقول الإعلام نقصد أساسا التلفزيون لأنه وسيلة الاتصال الجماهيرية الأكبر التي تصل إلى القدر الوفير من الناس, والذين لايحتفظون للأسف الشديد بعلاقة طيبة مع القراءة, ويعتبرونها "رجسا من عمل الشيطان", لذلك يتجنبونها. هذا التلفزيون العربي المريض الذي يعتقد أنه يحسن للحاكم حين يمضي اليوم بطوله في مدحه بشكل ركيك للغاية, وبطريقة إنشائية مقيتة, تنفر الناس من كل شيء, عليه أن يفهم أنه من الأفضل له أن يعيد النظر في طريقته هاته عن طيب خاطر, عوض أن يجد نفسه مثل قنوات تونس التي كانت تسبح بحمد بن علي ليل نهار, والتي اضطرت بعد 14 فبراير إلى أن تصنع لها بكارة إعلامية جديدة, تقنع بها العريس الذي هو الشعب التونسي أنها "بنت بنوت" لم يلمسها بشر من قبل أو من بعد.
للأسف الأمر كان أكبر من أن يصدق, والتونسيون كانوا يشاهدون بسخرية هذاالانقلاب المفاجئ, وهذه الرغبة الكاذبة ممن مارسوا العهارة الإعلامية لثلاث وعشرين سنة, وهم يحاولو إقناع جمهورهم الجديد أن "دعارتهم" كانت قسرية أو أنها لم تكن دعارة كاملة بالمعنى المتفق عليه بين عموم الناس.
هل نحتاج للقول إن الأمر غير قابل للتصديق لأن الناس تعرف جيدا الفرق بين الكلام الذي كان يقال سابقا وبين الكلام الذي يحاول اليوم أن يجد له موطئ قدم بين الناس, مثلما تعرف أن من كان يمدح نفاقا والذي يهاجم اليوم خوفا, سيعود في الغد القريب أو البعيد لكي يغير جلدته من جديد. وهذا النوع من البشر بالتحديد لا يمكن ائتمانهم على شيء, وبالأساس لا يمكن الاطمئنان على حال الوطن معهم أو بهم.
حاجتنا كبرى اليوم إلى الثقة في شعبنا, وإلى معاملته بالنضج الكامل الذي يستحقه. وأولى علامات هذا النضج أن يتسع البراح الإعلامي لأصواتنا جميعا. أن ننصت فيه لكل رأي محلي, وأن نراه محل التقاء الآراء ببعضها حتى تلك التي لانتفق معها, بل وبالأساس تلك التي لانتفق معها, وأن نمنح العالم العربي المترقب درسا ينتظره من هذا البلد العظيم.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
سؤال هام للغاية: إذا تواصل سقوط الأنظمة العربية بهذا الشكل وواصلت الجزيرة بثها التهييجي بالشكل ذاته إلى حد انتهاء كل الأنظمة وبقاء نظام قطر وحده قائما, هل ستتعامل الجزيرة مع الأحداث هناك بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع الأنظمة الفقيرة؟ أم أن حمار الشيخ حمد سيصل حتى ديرته وسيتوقف؟
يحق لنا طرح السؤال بعد أن اكتشفنا وجود وظيفة أخرى للعمل التلفزيوني قوامها التهييج لإسقاط الأنظمة "المعادية" لظام "مول التلفزيون", وبعد أن أصبحت القناة تهدد بلداننا واحدا بعد الآخر بالمصير ذاته. حقيقة يحق لنا أن نطرح هذا السؤال.

الأربعاء، 2 فبراير 2011

حزن لأجل الوطن

حزين لأجل الوطن. أنا الذي قيل لي يوم ولدت إنني أنتمي إلى كل هذا البراح المسمى عالما عربيا. صدقت ماقيل لي, ورغم الاختلاف, رغم التعالي, رغم نظرة الدونية التي لمحتها مرار اعتنقت الكذبة التي قيلت لي. اعتنقت المعارك كلها, صحت من أجل فلسطين. شتمت إسرائيل. غنيت للعراق. دندنت لكل ديكتاتور عبر المكان بالشعارات. رأيت في الجزائر ثورتي ولمحت في أعين المليون والنصف مليون شهيد إخوتي. عنى لي إسم فرحات حشاد الكثير في تونس منذ القدم. حفظت فيلم عمر المختار وإذلاله للإيطاليين في ليبيا. أعرف أسماء كل الرؤساء اللبنانيين, وأمسك عن ظهر قلب في ذاكرتي أسماء القادة السوريين.
فعلت بالتحديد ماقيل لي في المقررات الدراسية الكاذبة. "من مراكش للبحرين. شعب واحد مش إثنين", قلت آمين. أمة عربية واحدة, ذات رسالة خالدة. طأطأت الرأس موافقا. لاصوت يعلو على صوت المعركة. آمنت وقلت نعم رغم أنني لم أر أي معركة اللهم تلك التي كانوا يخوضونها ضدي. ثورة, ثورة حتى النصر, فرحنا وقلنا إنهم يثورون لأجلنا. كل الشعارات غنيناها, ولكننا اليوم ونحن نعيش هذا المشهد العجيب نكتتشف بكل بساطة فقط بلاهتنا, ولا شيء آخر غيرها.
حزننا عام لأن العالم كله يحيا اختلافاته بشكل عاد وطبيعي, إلانا نحن. وحدنا نقف عند ناصية شارع الزمن. نرفض التقدم لأنه ليس لنا. لانمتلك القدرة على التخلف, لأننا بلغنا مداه ولم نعد قادرين على الوصول إلى حضيض أكبر فيه.
البعض فرح لأنه يرى السقوط والدمار من حوله, لكن هل يستطيه هذا البعض أن يقول لنا "وماذا بعد؟". ذهب بنعلي, وسيذهب مبارك بكل تأكيد, لكن ماذا بعد؟
الشعب الذي يخرج جاهلا في الشارع يصرخ الموت فقط, هل هو المآل؟ هل أعددنا للمستقبل شيئا؟ بالتأكيد أننا نكتشف اليوم أننا نسينا أن هناك شيئا أصلا يسمى الزمن القادم. تركنا شعوبنا ترفل في نعيم الأمية القاتل, لاعتقاد الحاكم العربي أن الشعب الأمي لن يثور في وجهه أبدا قبل أن يكتشف أن الشعب الأمي إذا ماقام يوما لن يكتفي بمطالبته بإخلاء المكان, بل سيسرق, وسينهب, وسيهاجم المتاحف, وسيدلف إلى المتاجر, وسيثير الرعب والهلع فقط.
فرضنا على الناس أن تبقى فقيرة رغم ثروات البلدان, لكي نتمكن من تحديد الخرائط الانتخابية على المقاس اعتمادا على اشتراء أصوات الناس, وعلى التزوير إذا ماترددوا في قبلو الرشى, قبل أن نكتشف أن الجهل حين يسود ويسنده الفقر, لن يتوقف طويلا لكي ينتظر الانتخابات. سيضرب في كل مكان, وسيحاول فقط الانتقام من كل أيات الحرمان التي عاشها في مختلف الأزمان.
حزين لأجل هذه العروبة التي كنت أشك فيها دوما, وكنت أقول لنفسي أن لاعلاقة لي أنا المغربي بهذا العالم العربي المريض, العليل, السقيم, غير القادر إلا على المشي الحثيث نحو الموت, وغير ذلك لاشيء.
اليوم وبعد ماوقع في تونس, والفوضى التي دخلتها البلاد بعد رحيل ديكتاتورها, وبعد مايقع في مصر التي تنتظر زوال الفرعون في ظل غياب أي تصور لشكل المستقبل كيف سيكون, نجد أنفسنا على عتبة الرغبة فقط في مساءلة من يستطيع التوفر على جواب ما: شنو غادي يوقع دابا؟
"أصدقاؤنا" الغربيون يقولون لنا اليوم إنهم اقتنعوا أننا نستحق الديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل نهائي. لكنهم لايقولون لنا السبب الذي جعلهم يقتنعون الآن فقط أننا نستحق هذا الترف. يغفلون عمدا اليوم عن كل التفاصيل, ويحرصون في خطبهم الكاذبة التي لاتعرف لمن ستنتصر في الختام على أن يقولوا لنا إنهم "يقدرون ويحترمون رغبات شعوبنا". نرى صورهم السابقة مع من يقولون عنهم اليوم إنهم حرمونا من الحرية لسنوات, فنكاد نرغب في صفعهم بالسؤال الآخر "ةشحال هادي فين كنتو؟"
لايهتم القطيع اليوم بالسؤال ولا بالجواب, فلاصوت يعلو على صوت المعركة مثلما كان يقول الشعار في الستينيات, ومثلما يقول اليوم في تطبيق سافر لغبائنا الذي يجعلنا نكرر التواريخ كلها, وليس التاريخ الصغير وحده. لذلك عذرا لكل الخائفين مثلي على ماسيحمله الغد من كوارث, لكننا لانرى شيئا غيرها على الإطلاق. لانستطيع أن نتبين ملمح شيء واحد جميل وسط كل مايقع, ولا نستطيع أن نقول إننا نريد لهذا الوضع المائل الحالي أن يستمر, ولا نستطيع في الوقت ذاته أن نطمئن لتصريحات الأصدقاء الموزعين كذبا هنا وهناك.
لانأتمن الحاليين على مصائرنا, ولا نأمن للقادمين ممن يهيئون لنا الأرض للممات, ولا نمتلك بين الضفتين أي دليل على أن خيارا ثالثا قد يعرض نفسه علينا في يوم من الأيام. لذلك يسود الحزن في كل مكان صادق اليوم في العالم العربي, بغض النظر عن كل التطورات. فقد كنا نأمل مسارا آخر لأمتنا, ومصيرا آخر لهؤلاء الصغار الذين يملؤون الساحات عوض أن يملؤوا الجامعات.
تجار الشعارات ومحترفو الثورات عن بعد سيغنون هذه الأيام, ومغيرو كتف البندقية من محترفي "القليب" المباشر ومطبقي شعار "الله ينصر من أصبح" سيعثرون على الكثير من الكلام الذي يصلح لأن يقال في هذه الأثناء. لكنني ومعي العدد العديد من بسطاء هذا الوطن الكبير والجريح ممن لايملكون القدرة على كل هذا التحليل السياسي العميق لانستطيع الآن إلا الحزن العميق.
غير هذه الغصة التي تعتصر في الدواخل, لاشيء نراه في هذه الآفاق.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
عندما تقرأ عناوين عن تتويج الرداءة والتطبيع والابتذال في مهرجان طنجة الأخير, وتبحث في أفلام جميلة جدا توجت على رأسها الفيلم الذي فاز بالجائزة الكبرى "أشلاء" لحكيم بلعباسو تقول لنفسك إن الخلل بالتأكيد موجود في جهة من إثنتين: هو موجود إما لدى من يتعاملون بجدية مع من يكتبون مثل هذا الكلام, ويعتبر أن لديهم شرعية سينمائية وفنية حقا لقوله, أو أن الخلل موجود في هذا الفكر المرضي المصر على الخلط بين الأشياء, وعلى تصفية الحسابات الصغيرة بطريقة تبعث على الرثاء واالشفقة فعلا.
حقيقة, آن لنا أن نطرح السؤال: مامعنى كل هذه الحرب التي تشنها الرداءة في المغرب ضد فن الجمال والحياة المسمى سينما؟