وسط كل ضجيج الرأس المسمى ماوقع في تونس هذه الأيام, راقني فعلا موقف الأحزاب المغربية من ثورة الياسمين. أعجبني وأعجب المواطنين المغاربة قاطبة (قديمة هاد قاطبة, من يامات الإعدادي ومصطفى العلوي) أن يروا أحزابهم الوطنية تعبر عن تضامنها مع الشعب التونسي, وعن احترامها لإرادة هذا الشعب في التحرر وفي الوصول إلى تحقيق أهدافه في التقدم والرفعة والازدهار.
حقيقة تساءلنا جميعا : أين كانت هذه الأحزاب أيام بن علي؟ لكنا لن نقسو كثيرا على أحزابنا هذه المرة, خصوصا وقد رأينا أن الانقلاب مائة وثمانين درجة قد مس الكل داخل تونس أولا وخارجها مايعني أنه وباء عام تعاني منه البشرية جمعاء ويسمى النفاق, ويحمل بلغة المغاربة الجميلة والعميقة شعار "الله ينصر من أصبح والسلام". لكننا في الوقت ذاته نجد صعوبة كبرى في عدم التوقف عند مواقف هذه الأحزاب لمساءلتها قليلا ولو على سبيل المزاح معها مادمنا مقتنعين بأن أحزابنا في نهاية المطاف قد تصلح لأي شيء إلا لممارسة السياسة أو تأطير الناس أو دفعهم يوما للإيمان بجدوى هذا الفعل الاجتماعي الخطير المسمى سياسة.
أفضل من أعجبني موقفهم هو حزب التجديد والإنصاف. نعم, هناك حزب في المغرب يسمى "التجديد والإنصاف", مالكم؟ وهو حزب يرأسه أو يتزعمه إنسان يسمى أشهبارو وهو يشارك في الانتخابات, ويسهم من حيث يعرف ومن حيث لايعرف أيضا في دمقرطة الحياة السياسية الوطنية. الحزب عبر عن تضامنه مع "التوانسة مساكن", بل وعبر عن تفهمه لمطالبهم التي وصفها بالعادلة والمشروعة. "مزيان", ولكن ينبغي فعلا أن يشرح لنا هذا الحزب الذي لانعرف إن كان حقيقة أم إشاعة لماذا لم تظهر له هذه المطالب المشروعة والعادلة إلى اليوم.
الأصالة والمعاصرة, الحزب القوي, أو الوافد الجديد, أو الحزب الأغلبي, وقس على ذلك ماتشاء من تسميات صحفنا عبر عن تضامنه هو الآخر مع تونس وشعبها, والتقدم والاشتراكية أو "حزب نبيل" للراغبين في الاختصار قلده في المنحى ذاته, وإن كان المغاربة يعتبرون أن الأحق بالتضامن هو هذا الحزب بالتحديد الذي لم نعد نعرف لفرط التحولات التي وقعت فيه أين يوجد بالتحديد, هو الذي يتوفر على وزراء في الحكومة, وعلى أمين عام غاضب يدق ناقوس الخطر في كل مكان, وعلى نائبة برلمانية خرجت على الناس بقنبلة قبل أن تطفئ كل كلامها وتمصت.
حزب الاتحاد الاشتراكي لم يصدر بلاغا بخصوص تونس, لكن مناضليه غنوا الشعار الوطني التونسي في مؤتمرهم الوطنيو وصعدوا إلى منصة الرئاسة, وكادوا يفترسون القيادة التي ترددت طويلا في مساندتهم في مطلبهم بإصدار بلاغ في الموضوعز ولاأعرف علاقة "إذا الشعب يوما أراد الحياد" بما يجري داخل هذا الحزب الذي كان عتيدا في يوم من الأيام, لكنني أتصور ومعي "ّطرف كبير" من المغاربة أن على شعب الاتحاد أن يتأمل جيدا في البيت الشعري قبل أن يردده, فربما يسوقه التأمل العميق في البيت إلى خطوات عملية أفضل من الغناء, والأمر متروك في الختام للإرادة الاتحادية لا لغيرها.
حزب وزيرنا الأول عباس الفاسي لم يصدر أي شيء في الموضوعو علما أن عباس هو أعرفنا جميعا بتونس . فقد كان سفير المملكة فيهاو أي أنه كان القناة التي كانت توصل للنظام هناك كل احترامنا وتقديرنا للعلاقات الثنائية, مايعني أننا كنا ننتظر _ لو كان لدينا تلفزيون حقيقي _ أن يكون أول ضيف يتحدث عن الحالة التونسية وعن ثورة الياسمين في تلفزيوننا هو الوزير الأول المغربي باعتبار خبرته بالبلد, وباعتباره واحدا من كبار الحاصلين على وسام رفيع للغاية من الرئيس السابق زين العابدين بن علي.
عكس ذلك لم نسمع من الحزب الحاكم (نعم مجددا, الاستقلال هو الحزب الحاكم في بلدنا, لاداعي للضحك), أي كلمة في الموضوع, باستثناء افتتاحية قرأناها في العتيدة "العلم" حملت من العناوين عنوانا ضخما للغاية هو "لن يغمض لنا جفن". وأعترف لكم بكل صدق هنا أنني أمضيت اليوم كله أضحك كلما تذكرت هذه الافتتاحية التي قال فيها مقترفها في السطر الأخير إن "حزب سدي علال لن يغمض له جفن حتى تتحقق كل رغبات الشعب التونسي من ثورته".
"دابا, غير بيناتنا, آش جاب هادو لثورة تونس؟" وأي جفن هذا الذي سيغمض لهم؟ ومتى كانت جفونهم مفتوحة أصلا وهم مسؤولون في البلد عن فضيحة كبرى إسمها "النجاة" لازلنا إلى اليوم لانعرف في رقبة من سنضع أوزارها وذنوبها في نهاية المطاف؟
صديق عاطل من حملة الشهادات من أولئك الذيم يحاولون باستمرار تسلق المقر العام لحزب الاستقلال لتذكير عباس بوجودهم في البلد قال لي فور انتهائه من قراءة تلك الافتتاحية إنه قرر النزول عند رغبة والدته والهجرة إلى ليبيا عند شقيق له, وهي فرصة ظل يتردد في قبولها كثيرا لإيمانه أن يوما سيأتي وستتذكره حكومة عباس. لكن وبعد أن قرأ مانيفستو "لن يغمض لنا جفن" اتخذ قراره, وقال لي بالحرف "هادو واللهيلا مقصرين بينا فهاد البلاد, نمشيو ندبرو على راسنا فقنت آخر".
طريقة أخرى لإحراق النفس, دون إشعال النار إلا في قلب المقربين الذين سيحسون بالغياب. دامت لنا هذه المصائب المسماة أحزابنا.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
قال هوبير فيدرين وزير خارجية فرنسا الأسبق إن بلدان المغرب العربي لاتطلب رأي فرنسا في تغييراتها الكبرى ساردا مثال تونس الأخير, ومثال الراحل الحسن الثاني حين قرر إدخال المعارضة إلى الحكومة في تجربة التناوب, ومثال الجزائر يوم قررت وقف المسلسل الانتخابي بها بعد اكتساح الجبهة الإسلامية للإنقاذ لنتائج الانتخابات.
فيدرين الذي كان يتحدث في "لكم الحكم" على شاشة "فرانس 2" نسي أن بلداننا استأذنت طويلا من مستعمرها السابق, وأن الوقت ربما قد حان لكي تبحث شعوبنا ودولنا عن أصدقاء آخرين ينصتون لأصواتنا بشكل آخر.
السبت، 22 يناير 2011
الجمعة، 21 يناير 2011
حب في الأزهر الشريف
لنقرأ هذا الخبر أولا وبعدها "يحن سيدي ربي": "وصف علماء في الأزهر يوم الأربعاء إقدام الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين على تطليق زوجته الثانية أسماء بن قادة حفيدة الزعيم عبد القادر الجزائري بأنه أمر شخصي، لن يؤثر في صورته أو صورة علماء الإسلام في الخارج أو الداخل، لأنه لم يرتكب فعلاً محرماً على حد قولهم.
وفيما ينظر القضاء القطري دعوي قضائية من أسماء بن قادة مطلقة الشيخ يوسف القرضاوي ضده، أثيرت العديد من الأقاويل طوال الفترة الماضية، حول أسباب الطلاق، الذي جاء بعد زواج استمر لمدة 15 عاماً، تعرض خلالها الشيخ البالغ من العمر نحو 80 عاماً للكثير من الغمز واللمز، لاسيما أن أسماء تصغره بعشرات السنين، لاسيما أن إحدي وسائل الإعلام نشرت خبراً مفاداه أن الشيخ يهددها بالترحيل من قطر وسحب الجنسية منها".
انتهى الخبر أو كاد, وليعذرنا سادتنا من الأزهريين الأفاضل, وقد تعودنا في المغرب أن نجلهم ونقدرهم لقيمتهم العلمية والدينية, ولأنهم الخريجون من الجامع الأكبر ذلك الذي نحرص إلى اليوم كلما عبرنا القاهرة على زيارته للتبرك من بركات أهله ومن علمهم الغزير. ليعذرونا بشدة, ففي دفاعهم عن الشيخ يوسف الكثير من النفاق والعياذ بالله. فالإسلام هو الذي حضنا على الرفق بالقوارير, ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم هو الذي لم يكف عن نصحنا لكي نضع المرأة في بؤبؤ العين منا, فكيف يجدون مافعله الشيخ يوسف بالصغيرة أسماء شيئا عاديا وهينا ولا يسيء لصورة علماء المسلمين؟
لسنا مسيحيين ولن نكون في يوم من الأيام من المدافعين عن تحول علمائنا إلى رهبان لايمسون الجنس نهائيا, خصوصا وأننا نرى الفضائح التي تتورط فيها الكنيسة بسبب هذا الحرمان الجنسي غير المقبول, حيث تتعدد حكايات الرهبان الذين فعلوا الأفاعيل بصغار الكنيسة وأبناء الأتباع. لكننا في الوقت ذاته مع أن لايقول العالم المسلم الشيء ويأتي بالنقيض.
وحين كنت أتابع القرضاوي أو شيخ يوسف للمقربين يدعو شعب تونس للجهاد ضد خدام الصنم هبل بعد أن أسقط هذا الأخير حسبت تعبيره, كنت أقول في نفسي "سير نتا ديها غير فراسك", أو في عضو آخر يبدو أنك تمنحه من الاهتمام الشيء الأكثر من اهتمامك بماعداه. "آش داك آمعلم لشي تونس ولا لشي ثورة؟". ولا أتصور أنني كنت الوحيد في الأمر, فالمسلمون كلهم انتبهوا مع حكاية أسماء ويوسف هاته إلى أن الفرق فعلا شاسع والبون كبير بين مايقوله العلماء الأجلاء وبين مايفعلونه, خصوصا إذا كانوا يشبهون تماما في هذا الذي يفعلونه ما قد يقترفه أي جاهل منا بدينه, غير مكترث بصورته حين يقع بينه وبين زوجته أدنى خلاف.
الواقع هو أن عكس ماقاله علماء الأزهر هو الذي وقع, وصورة القرضاوي ومعها صورة مشايخ الحركة الإسلامية العالمية هي التي تضررت مما وقع بين القرضاوي وبين قادة, ولن نذهب حد ما قالته جرائد مغربية من أن القرضاوي أتى إلى المغرب لكي يبحث عن فتاة صغيرة تحلف أسماء في قلبه وفراشه, لكنا سنقول إن الرجل ملزم _ خصوصا وقد شارف التسعين من العمر _ بأن يرعوي قليلا, ويشرب بعضا من "اللويزة" لكي تهدئه, وتحد من يفاعته الجنسية التي لم تتأثر بوصوله إلى أرذل العمر بعد. لكن من ياترى يستطيع اليوم أن يقولها للقرضاوي وهو رئيس اتحاد علماء المسلمين والرجل الذي يلجأ إليه الجميع من أجل استفتائه في الصغيرة والكبيرة؟
وقد حكى لي صديق مغربي يشتغل في قناة الجزيرة _ وكنا بصدد الحديث عن مكانة القرضاوي داخلها _ أن تعليمات مشددة توجه إلى كل أطقم الأخبار في القناة بعدم مقاطعة الشيخ حين يكون بصدد تقديم تصريح تلفزيوني للقناة, وبضرورة أخذ التصريح متى أراد الشيخ ذلك. وقد تذكرت هذا الأمر حين تدخل الشيخ مؤخرا بمناسبة الحدث التونسي, واستفاض في البسملة والحوقلة والحمدلة, ثم مر إلى الحديث الطويل الممل عن هبل واللات والعزى ومناف الثالثة الأخرى, ورغم ذلك لم يستطع مقدما النشرة أن يقولا له لازمتهما الشهيرة "أدركنا الوقت, معذرة على المقاطعة", بكل بساطة لأن التوجيه التحريري الأول في القناة يقوم على تقديس هذا السيد, وبعدها كل شيء قابل للنقاش.
لذلك سيكون فعلا عسيرا حتى على أقرب المقربين من شيخ التلفزيون والنساء هذا أن ينصحه أحد, أو أن يقول له بلغة المصريين "ثلث الثلاثة كام؟". الحال سيبقى على ماهو عليه, والقرضاوي سيواصل بعد كل طلقة بائنة أو غير بائنة غزو المزيد من السبايا, ثم الاغتسال بالوضوء الأكبر فالأصغر, والتوجه إلى القناة إياها ومن هناك سيوجه دعوات الجهاد المجانية إلى كل شعوب الإسلام. ففي نهاية المطاف, هو "ماخاسر والو", فمنذ أن ابتدأت البشرية وحتى ستنتهي كانت ليوسف مع النساء قصة طويلة من الود المتبادل. ويبدو أن من أسمى القرضاوي يوم ولادته يوسف كان شخصا ذا بعد نظر كبير. واصل شيخنا الجليل, وفقك الله لما تحبه ويرضاه.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
تسعة عشر شريطا طويلا وتسعة عشر فيلما قصيرا ستتنافس ابتداء من اليوم في طنجة ضمن فعاليات المهرجان الوطني للفيلم الذي سينطلق في عاصمة السينما المغربية بامتياز. تسعة عشر فيلما فيها "الصالح" وفيها "الطالح", لكن فيها أساسا هذه الرغبة التي تنضح من ثنايا أغلبها في التوفر يوما على سينما محلية قادرة على أن تعكس وجهنا مثلما هو بإبداعية فعلية لاأثر فيها للتطفل أو التصنع, أو غيرهما من الآفات التي نعرف أنها سبب كثير من كوارثنا السينمائية.
عسى أن تكون دروة سينمانا الثانية عشر أفضل من سالف الدورات. و"ساتورن" على كل حال.
وفيما ينظر القضاء القطري دعوي قضائية من أسماء بن قادة مطلقة الشيخ يوسف القرضاوي ضده، أثيرت العديد من الأقاويل طوال الفترة الماضية، حول أسباب الطلاق، الذي جاء بعد زواج استمر لمدة 15 عاماً، تعرض خلالها الشيخ البالغ من العمر نحو 80 عاماً للكثير من الغمز واللمز، لاسيما أن أسماء تصغره بعشرات السنين، لاسيما أن إحدي وسائل الإعلام نشرت خبراً مفاداه أن الشيخ يهددها بالترحيل من قطر وسحب الجنسية منها".
انتهى الخبر أو كاد, وليعذرنا سادتنا من الأزهريين الأفاضل, وقد تعودنا في المغرب أن نجلهم ونقدرهم لقيمتهم العلمية والدينية, ولأنهم الخريجون من الجامع الأكبر ذلك الذي نحرص إلى اليوم كلما عبرنا القاهرة على زيارته للتبرك من بركات أهله ومن علمهم الغزير. ليعذرونا بشدة, ففي دفاعهم عن الشيخ يوسف الكثير من النفاق والعياذ بالله. فالإسلام هو الذي حضنا على الرفق بالقوارير, ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم هو الذي لم يكف عن نصحنا لكي نضع المرأة في بؤبؤ العين منا, فكيف يجدون مافعله الشيخ يوسف بالصغيرة أسماء شيئا عاديا وهينا ولا يسيء لصورة علماء المسلمين؟
لسنا مسيحيين ولن نكون في يوم من الأيام من المدافعين عن تحول علمائنا إلى رهبان لايمسون الجنس نهائيا, خصوصا وأننا نرى الفضائح التي تتورط فيها الكنيسة بسبب هذا الحرمان الجنسي غير المقبول, حيث تتعدد حكايات الرهبان الذين فعلوا الأفاعيل بصغار الكنيسة وأبناء الأتباع. لكننا في الوقت ذاته مع أن لايقول العالم المسلم الشيء ويأتي بالنقيض.
وحين كنت أتابع القرضاوي أو شيخ يوسف للمقربين يدعو شعب تونس للجهاد ضد خدام الصنم هبل بعد أن أسقط هذا الأخير حسبت تعبيره, كنت أقول في نفسي "سير نتا ديها غير فراسك", أو في عضو آخر يبدو أنك تمنحه من الاهتمام الشيء الأكثر من اهتمامك بماعداه. "آش داك آمعلم لشي تونس ولا لشي ثورة؟". ولا أتصور أنني كنت الوحيد في الأمر, فالمسلمون كلهم انتبهوا مع حكاية أسماء ويوسف هاته إلى أن الفرق فعلا شاسع والبون كبير بين مايقوله العلماء الأجلاء وبين مايفعلونه, خصوصا إذا كانوا يشبهون تماما في هذا الذي يفعلونه ما قد يقترفه أي جاهل منا بدينه, غير مكترث بصورته حين يقع بينه وبين زوجته أدنى خلاف.
الواقع هو أن عكس ماقاله علماء الأزهر هو الذي وقع, وصورة القرضاوي ومعها صورة مشايخ الحركة الإسلامية العالمية هي التي تضررت مما وقع بين القرضاوي وبين قادة, ولن نذهب حد ما قالته جرائد مغربية من أن القرضاوي أتى إلى المغرب لكي يبحث عن فتاة صغيرة تحلف أسماء في قلبه وفراشه, لكنا سنقول إن الرجل ملزم _ خصوصا وقد شارف التسعين من العمر _ بأن يرعوي قليلا, ويشرب بعضا من "اللويزة" لكي تهدئه, وتحد من يفاعته الجنسية التي لم تتأثر بوصوله إلى أرذل العمر بعد. لكن من ياترى يستطيع اليوم أن يقولها للقرضاوي وهو رئيس اتحاد علماء المسلمين والرجل الذي يلجأ إليه الجميع من أجل استفتائه في الصغيرة والكبيرة؟
وقد حكى لي صديق مغربي يشتغل في قناة الجزيرة _ وكنا بصدد الحديث عن مكانة القرضاوي داخلها _ أن تعليمات مشددة توجه إلى كل أطقم الأخبار في القناة بعدم مقاطعة الشيخ حين يكون بصدد تقديم تصريح تلفزيوني للقناة, وبضرورة أخذ التصريح متى أراد الشيخ ذلك. وقد تذكرت هذا الأمر حين تدخل الشيخ مؤخرا بمناسبة الحدث التونسي, واستفاض في البسملة والحوقلة والحمدلة, ثم مر إلى الحديث الطويل الممل عن هبل واللات والعزى ومناف الثالثة الأخرى, ورغم ذلك لم يستطع مقدما النشرة أن يقولا له لازمتهما الشهيرة "أدركنا الوقت, معذرة على المقاطعة", بكل بساطة لأن التوجيه التحريري الأول في القناة يقوم على تقديس هذا السيد, وبعدها كل شيء قابل للنقاش.
لذلك سيكون فعلا عسيرا حتى على أقرب المقربين من شيخ التلفزيون والنساء هذا أن ينصحه أحد, أو أن يقول له بلغة المصريين "ثلث الثلاثة كام؟". الحال سيبقى على ماهو عليه, والقرضاوي سيواصل بعد كل طلقة بائنة أو غير بائنة غزو المزيد من السبايا, ثم الاغتسال بالوضوء الأكبر فالأصغر, والتوجه إلى القناة إياها ومن هناك سيوجه دعوات الجهاد المجانية إلى كل شعوب الإسلام. ففي نهاية المطاف, هو "ماخاسر والو", فمنذ أن ابتدأت البشرية وحتى ستنتهي كانت ليوسف مع النساء قصة طويلة من الود المتبادل. ويبدو أن من أسمى القرضاوي يوم ولادته يوسف كان شخصا ذا بعد نظر كبير. واصل شيخنا الجليل, وفقك الله لما تحبه ويرضاه.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
تسعة عشر شريطا طويلا وتسعة عشر فيلما قصيرا ستتنافس ابتداء من اليوم في طنجة ضمن فعاليات المهرجان الوطني للفيلم الذي سينطلق في عاصمة السينما المغربية بامتياز. تسعة عشر فيلما فيها "الصالح" وفيها "الطالح", لكن فيها أساسا هذه الرغبة التي تنضح من ثنايا أغلبها في التوفر يوما على سينما محلية قادرة على أن تعكس وجهنا مثلما هو بإبداعية فعلية لاأثر فيها للتطفل أو التصنع, أو غيرهما من الآفات التي نعرف أنها سبب كثير من كوارثنا السينمائية.
عسى أن تكون دروة سينمانا الثانية عشر أفضل من سالف الدورات. و"ساتورن" على كل حال.
الخميس، 20 يناير 2011
فاميلة الطابلسي
للإسم رنين خاص هذه الأيام. عائلة الطرابلسي، وله كل البريق المحزن الذي يشع من ثنايا الشماتة التي يقابل بها من طرف الشعب التونسي الذي كان سابقا يرمق حسدا وشزرا وغيظا العائلة الصغيرة لزوجة بن علي وهي تراكم كل شيء من الثروات إلى الثروات، وتضعها في مخبآ آمين في انتظار يوم الحسم الذي أتى والتي أصبحت اليوم تتصدر عناوين النشرات الإخبارية للإشارة إليها, وربتها تحمل معها طنا ونصف من الذهب هنا, أو شقيقها الأصغر وهو يحمل يختا مسروقا هناك, قبل أن يلفظ آنفاسه على يد شباب عاطلين حاصروه هو هارب فقرروا تصفيته وليكن بعدها مايكون..
هل تراجع العائلات العربية الكبرى التي تستحوذ على كل شيء هذا الدرس؟ سيقول القائل إنه من الظلم أن نضع كل العائلات الغنية في نفس السلة، وأنا متفق تماما. هناك عائلات غنية جدا أنجبت مناضلين حقيقيين للوطن وهذه العائلات غالبا ماتكون نتاج ثروة مشروعة، أي توارثتها جيلا بعد جيل، أو صنعها أحد العصاميين منها بجهده وكده وذكائه، وهذه العائلات لانتحدث عنها إطلاقا.
نتحدث هنا عن عائلة مثل عائلة الطرابلسي ربها الأكبر (والد ليلى بن علي) كان بائع خضار، وليس في الأمر أدنى عيب، لكن ابنته التي امتهنت الحلاق فيما بعد أصبحت بالفعل "حجامة كتحسن باللي كاين" إلى الدرجة التي جعلتها تخلط بين ثروة الشعب التونسي العامة، وبين مصروف الجيب الشخص الذي كان من المفترض في بن علي أن يتركه لها على "الكومودينو" وهو يتوجه يوميا إلى قصر الرئاسة في قرطاج لكي يحكم الشعب من هناك.
هنا يقبع المشكل بالتحديد، حين يقع هذا الخلط وتتحول عائلة فقيرة أهدتها صدفة الحياة فرصة الاقتراب من السلطة إلى إمبراطورية مالية في بلد لايحتمل أن يكون فيه آباطرة ماليون إطلاقا. هنا يغني فويتح المغربي ويبكي ويقول ماأشبه حالةآل الطرابلسي بحال الأسر الكثيرة التي نعرفها نحن أيضا، ونعرف التسلق الذي بنته اعتمادا على وضع مائل وعلى مد اليد إلى مال الشعب العام، حتى تحولت إلى طبقة لايمكن أن تصفها بأي وصف إذا ماأردت الدقة، وشئت عدم السقوط في الكذب وتزوير الحقيقة على الناس.
لنتأمل لائحة بعض الحكام العرب، ولنلعب لعبة صغيرة للغاية قوامها التأمل في حالهم قبل السلطة وحالهم بعد النوم فيها لسنوات: العقيد معمر القذافي كان يفترض فيه لو بقي عقيدا في الجيش أن يتقاضى الآن شهريا مالايتجاوز العشرة آلاف درهم مغربية نظير تقاعده من الجيش الليبي. "ماتشريلوش دابا حتى وحدة من دوك العساسات اللي دايرين بيه". الريس المصري حسني مبارك كان يفترض فيه الآن لو أطال الله في عمره وتقاعد طيارا من الجيش المصري أن يتقاضى قرابة الثمانمائة جنيه يشتري بها لعلاء وجمال وبقية العيال, قليلا من الفول المدمس وينام. الرئيس بوتفليقة كان يفترض فيه أن يكون مسجلا الآن في تقاعد العاطلين في الجارة الجزائر، يتقاَضى "لشوماج" و يمضي اليوم كله في صيد السمك في بحر الجزائر العاصمة أو في التجول راجلا في باب الواد والنواحي. الرئيس اليمني علي عبد الله صالح كان يفترض فيه لو بقي على ماهو عليه أن يكون تماما مثلما هو الآن, رجلا غير قابل للفهم إطلاقا "ماكتعرفوش شنو كيدير" ، وسيكون بالتآكيد مدمنا على العادة اليمنية الجميلة بمضغ القات ووضعه في الجانب الأيمن أو الأيسر من الفم وانتظار انصرام النهار. رئيس السودان عمر حسن البشير كان الآن من المفترض فيه أن يعيش في الخرطوم يؤم بالناس, أو في أسوء الحالات يراقب لهم المسجد الذي يصلون فيه عوض أن يمضي الوقت في قبول كل الشروط الدولية لتقسيم السودان نظير عدم تقديمه للمحكمة الدولية.
جلهم إذن كانوا سيكونون في حال غير الحال, لكن من ياترى سمح لهم بهذه القفزة الاجتماعية النوعية على حسابنا جميعا؟ الشعوب بطبيعة الحال التي تكتفي بلعنهم والتفرج. والمصريون _ هؤلاء القوم اللطفاء للغاية الذين يبدعون باستمرار النكت التي تتندر من حالهم _ يقولون عن "فرعون إيه اللي فرعنو؟" ويردون على لسانه "مالقيتش حد يلمني". وهذه حقا هي صفوة القول وخلاصته, فلو أن شعب تونس الماجد سأل يوما ليلى الطرابلسي وعائلتها "من أين لكم كل هذا أيها العفاريت؟" لما أزلنا عن الياسمين كل استعمالاته الجميلة وجعلناه إسما لهبة شعبية أودت بحياة مالايقل عن سبعين شخصا في واحد وعشرين يوما.
سنضطر مجددا للقول إنها ليست العائلة الوحيدة في العالم العربي التي نسمح لها بالاغتناء على حساب فقرنا بسبب جبننا, ولن تكون الأخيرة بكل تأكيد. هي فقط رقم إضافي يؤكد لنا مانقوله باستمرار عنا كعرب أننا لانتقن سب من يحكموننا إلا بعد أن يرحلوا, وحينها فقط نكتشف كم كانوا فاسدين ومرتشين ولصوصا ومفسدين.
ماأكثر نفاقنا حول عائلة الطرابلسي, وحول عائلات أخرى كثيرة غيرها بكل تأكيد.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
قال الشيخ بيد الله للتلفزيون المغربي إن أشغال مجلس المستشارين انتهت في جو يسوده الاحترام, ولا أدري لماذا اختار بيد الله هذه الكلمة بالتحديد, لأنها فعلا النقيض لما رأيناه في هذه الغرفة بالتحديد كل ثلاثاء, وماتابعناه بعدها في الصحف المحسوبة على الحكومة, خصوصا صحيفة الحزب الحاكم بخصوص هذا المجلس يقول العكس تماما, ويؤكد أن ماساد هو عدم احترام السادة المستشارين لبعضهم البعض بشكل يدفع للرثاء حقا.
لماذا اختار رئيس الغرفة الثانية لفظة الاحترام إذن؟ ربما لأنه يشعر أنها فعلا الخصلة التي تلزم مجلسه بشكل كبير. ربما.
هل تراجع العائلات العربية الكبرى التي تستحوذ على كل شيء هذا الدرس؟ سيقول القائل إنه من الظلم أن نضع كل العائلات الغنية في نفس السلة، وأنا متفق تماما. هناك عائلات غنية جدا أنجبت مناضلين حقيقيين للوطن وهذه العائلات غالبا ماتكون نتاج ثروة مشروعة، أي توارثتها جيلا بعد جيل، أو صنعها أحد العصاميين منها بجهده وكده وذكائه، وهذه العائلات لانتحدث عنها إطلاقا.
نتحدث هنا عن عائلة مثل عائلة الطرابلسي ربها الأكبر (والد ليلى بن علي) كان بائع خضار، وليس في الأمر أدنى عيب، لكن ابنته التي امتهنت الحلاق فيما بعد أصبحت بالفعل "حجامة كتحسن باللي كاين" إلى الدرجة التي جعلتها تخلط بين ثروة الشعب التونسي العامة، وبين مصروف الجيب الشخص الذي كان من المفترض في بن علي أن يتركه لها على "الكومودينو" وهو يتوجه يوميا إلى قصر الرئاسة في قرطاج لكي يحكم الشعب من هناك.
هنا يقبع المشكل بالتحديد، حين يقع هذا الخلط وتتحول عائلة فقيرة أهدتها صدفة الحياة فرصة الاقتراب من السلطة إلى إمبراطورية مالية في بلد لايحتمل أن يكون فيه آباطرة ماليون إطلاقا. هنا يغني فويتح المغربي ويبكي ويقول ماأشبه حالةآل الطرابلسي بحال الأسر الكثيرة التي نعرفها نحن أيضا، ونعرف التسلق الذي بنته اعتمادا على وضع مائل وعلى مد اليد إلى مال الشعب العام، حتى تحولت إلى طبقة لايمكن أن تصفها بأي وصف إذا ماأردت الدقة، وشئت عدم السقوط في الكذب وتزوير الحقيقة على الناس.
لنتأمل لائحة بعض الحكام العرب، ولنلعب لعبة صغيرة للغاية قوامها التأمل في حالهم قبل السلطة وحالهم بعد النوم فيها لسنوات: العقيد معمر القذافي كان يفترض فيه لو بقي عقيدا في الجيش أن يتقاضى الآن شهريا مالايتجاوز العشرة آلاف درهم مغربية نظير تقاعده من الجيش الليبي. "ماتشريلوش دابا حتى وحدة من دوك العساسات اللي دايرين بيه". الريس المصري حسني مبارك كان يفترض فيه الآن لو أطال الله في عمره وتقاعد طيارا من الجيش المصري أن يتقاضى قرابة الثمانمائة جنيه يشتري بها لعلاء وجمال وبقية العيال, قليلا من الفول المدمس وينام. الرئيس بوتفليقة كان يفترض فيه أن يكون مسجلا الآن في تقاعد العاطلين في الجارة الجزائر، يتقاَضى "لشوماج" و يمضي اليوم كله في صيد السمك في بحر الجزائر العاصمة أو في التجول راجلا في باب الواد والنواحي. الرئيس اليمني علي عبد الله صالح كان يفترض فيه لو بقي على ماهو عليه أن يكون تماما مثلما هو الآن, رجلا غير قابل للفهم إطلاقا "ماكتعرفوش شنو كيدير" ، وسيكون بالتآكيد مدمنا على العادة اليمنية الجميلة بمضغ القات ووضعه في الجانب الأيمن أو الأيسر من الفم وانتظار انصرام النهار. رئيس السودان عمر حسن البشير كان الآن من المفترض فيه أن يعيش في الخرطوم يؤم بالناس, أو في أسوء الحالات يراقب لهم المسجد الذي يصلون فيه عوض أن يمضي الوقت في قبول كل الشروط الدولية لتقسيم السودان نظير عدم تقديمه للمحكمة الدولية.
جلهم إذن كانوا سيكونون في حال غير الحال, لكن من ياترى سمح لهم بهذه القفزة الاجتماعية النوعية على حسابنا جميعا؟ الشعوب بطبيعة الحال التي تكتفي بلعنهم والتفرج. والمصريون _ هؤلاء القوم اللطفاء للغاية الذين يبدعون باستمرار النكت التي تتندر من حالهم _ يقولون عن "فرعون إيه اللي فرعنو؟" ويردون على لسانه "مالقيتش حد يلمني". وهذه حقا هي صفوة القول وخلاصته, فلو أن شعب تونس الماجد سأل يوما ليلى الطرابلسي وعائلتها "من أين لكم كل هذا أيها العفاريت؟" لما أزلنا عن الياسمين كل استعمالاته الجميلة وجعلناه إسما لهبة شعبية أودت بحياة مالايقل عن سبعين شخصا في واحد وعشرين يوما.
سنضطر مجددا للقول إنها ليست العائلة الوحيدة في العالم العربي التي نسمح لها بالاغتناء على حساب فقرنا بسبب جبننا, ولن تكون الأخيرة بكل تأكيد. هي فقط رقم إضافي يؤكد لنا مانقوله باستمرار عنا كعرب أننا لانتقن سب من يحكموننا إلا بعد أن يرحلوا, وحينها فقط نكتشف كم كانوا فاسدين ومرتشين ولصوصا ومفسدين.
ماأكثر نفاقنا حول عائلة الطرابلسي, وحول عائلات أخرى كثيرة غيرها بكل تأكيد.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
قال الشيخ بيد الله للتلفزيون المغربي إن أشغال مجلس المستشارين انتهت في جو يسوده الاحترام, ولا أدري لماذا اختار بيد الله هذه الكلمة بالتحديد, لأنها فعلا النقيض لما رأيناه في هذه الغرفة بالتحديد كل ثلاثاء, وماتابعناه بعدها في الصحف المحسوبة على الحكومة, خصوصا صحيفة الحزب الحاكم بخصوص هذا المجلس يقول العكس تماما, ويؤكد أن ماساد هو عدم احترام السادة المستشارين لبعضهم البعض بشكل يدفع للرثاء حقا.
لماذا اختار رئيس الغرفة الثانية لفظة الاحترام إذن؟ ربما لأنه يشعر أنها فعلا الخصلة التي تلزم مجلسه بشكل كبير. ربما.
الأربعاء، 19 يناير 2011
لاحياء لمن تنادي
السياسي في العادة إنسان لايستحي. يخيل لي أنهم يفترضون في السياسي الناجح اليوم أن يتوفر على أكبر قدر ممكن من الصفاقة وقلة الحياء لكي ينجح في المسار الذي اختاره أو وجد نفسه فيه عنوة. غير أن الإقرار بهذه الخصلة السياسية لدى سياسيي هذا الزمن لاتعي عدم الاستغراب لبلوغها عند بعضهم درجات لاتتخيل. نتحدث هنا عن حركة النهضة الإسلامية التونسية. هذه حركة لم يعد لها عمليا أي وجود في الشارع التونسي منذ سنوات عديدة, تتذكر فقط بعد نجاج ثورة الياسمين أن هناك شعبا في تونس يمكن الضحك على ذقنه بامتياز ويمكن إقناعه أنه قام بكل هذه "الهيلالةط من أجل عيون راشد الغنوشي وتنظيمه.
إذا كان هناك من نجاح يذكر لنظام بنعلي على الإطلاق فهو بالتحديد نجاحه في تحجيم حركة النهضة والحد من إشعاعها بل وقتلها في الشارع التونسي تحديدا, وقد خاضت هذه الحركة _ لمن يتابع تاريخ الحركات الإسلامية قليلا _ صراعها في وقتها ضد النظام التونسي السابق, وانهزمت فيه شر انهزام واختار قادتها إما المنفى اللندني السحيق والفاخر في الآن ذاته, أو التحول إلى العمل السلمي, أو الاختفاء عن الأنظار مثلما وقع لواحد من قادتها الذي تورط في فضيحة أخلاقية وهو يمارس الجنس فوق سجادة الصلاة في مكتبه, وتمكنت أعين بنعلي "التي لم تكن تنامط من تصويره حينها وفرض الابتعاد عن السياسة وضجيجها بالكامل عليه.
لذلك وحين تستل قناة الجزيرة القطرية من العدم رجلا مثل راشد الغنوشي الزعيم المعلن لهذه الحركة لكي يبارك لشعب تونس انتفضاته ويعلن استعداد النهضة لتحمل مسؤوليتها في هذا الظرف الجسيم, يتساءل التونسيون قبل غيرهم "أين كانت النهضة طوال هذه المدة كلها؟". ويعيدون طرح السؤال بشكل آخر "لماذا لم نرفع ولو شعارا إسلاميا واحدا طيلة أيام ثورة الياسمين التي انتهت بفرار بن علي المهين إلى السعودية؟"
الجواب يوجد لدى التونسيين أنفسهم. هم لم يتحركوا من أجل "دولة الخلافة", أو من أجل العودة إلى الوراء خمسة عشر قرنا إضافية. هم تحركوا لأنهم أدركوا عبر اطلاعهم على كل التجارب العالمية أن نظام بن علي يفرض عليهم العيش في الذلة في زمن الكرامة العالمية, وفي زمن حقوق الإنسان الكوني. لذلك أحرق بوعزيزي نفسه, ولم يكترث لما سيقوله عنه القرضاوي الذي يتقاضى آلاف الدولارات من جزيرة قطر في الشريعة والحياة حين بدأ كلامه "بالدعاء للشاب بوعزيزي أن يغفر الله له كبيرته التي ارتكبها حين قتل النفس دون حق".
بوعزيزي يوم أمسك بالنار بين يديه وأشعلها في البنزين الذي صبه على جسده لم يكن يفكر في النهضة ولا في الغنوشي راشد ولافي القرضاوي المرتاح في قطر والذي تشغله أسماء وبقية الفتيات الصغيرات اللائي يهواهن عن التفكير السليم في مشاكل الناس. بوعزيزي كان يفكر في أمه وأخواته وإخوانهو وكان يقول "كيف سأعود إلى المنزل دون زاد لهم؟". وحين أعيته الحيلة ولم يجد ردا قادرا على إقناعه بالبقاء حيا, رأى أن أفضل مايمكن أن يقع له هو أن يحرق نفسه وليذهب العالم بعدها كله إلى الجحيم إذا ماأراد ذلك.
لذلك علينا أن نحتط من "شفارة الثورات" هؤلاء والذي يشبهون تماما أباطرة نظام بنعلي الذين يتصارعون حاليا حول سرقة ما قام به الشعب التونسي. الطرفان معا: الظلامي الكاذب والفاسد الكاذب يتشابهان. هما معا يفكران فقط في قطف ثمار الدم التونسي الذي سال غزيرا في هذه الأيام الماضية. لذلك علينا أن ننتبه لمسألة هامة للغاية: هي أن الثورة لايقوم بها شعب جاهل وأمي أبدا.
قد تنتفض شعوبنا, قد تخرج إلى الشارع, قد تبذل دمها, لكن في النهاية والبداية عليها أن تعرف لماذا خرجت, وما المراد من خروجها وما هو الهدف وماهي الضمانات الضرورية أن لايكون خروجها وموتها مجرد طريقة من أجل أن تستفيد الأطراف ذاتها التي تستفيد من الشعوب باستمرار. والآن فقط نفهم مع ماوقع في تونس لماذا يحرص الحاكم العربي على أن تظل الأمية هي السائدة في الوطن, وأن لايقرأ الناس, وأن يعتبروا الجرائد أمرا زائدا وأن يعتبروا الكتب شكلا من أشكال الكفر بالله . الآن نفهم الأمر جليا, لأن الفرق بين شعب مثقف يخرج إلى الشارع وبين شعب أمي يخرج إلى نفس الشارع هو هذا بالتحديد: أن لايعرف الطرف الثاني لماذا خرج أصلا, أو أن لايتقن الدفاع في الختام عن نتائج خروجه, أن يتركها لمن استفادوا منه دائما, أو أن يسمح لكذبة مثل النهضة الإسلامية أو القرضاوي بأن يدعوا بعد كل هذا الموت وكل هذه الدماء أنهم مستعدون لحكم تونس من جديد.
حقيقة ما أحوجنا لقراءة كل مايقع الآن أمامنا بعين العقل لا بعين أي عضو آخر من أعضاء جسدنا الكريم.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
إذا كان هناك من نجاح يذكر لنظام بنعلي على الإطلاق فهو بالتحديد نجاحه في تحجيم حركة النهضة والحد من إشعاعها بل وقتلها في الشارع التونسي تحديدا, وقد خاضت هذه الحركة _ لمن يتابع تاريخ الحركات الإسلامية قليلا _ صراعها في وقتها ضد النظام التونسي السابق, وانهزمت فيه شر انهزام واختار قادتها إما المنفى اللندني السحيق والفاخر في الآن ذاته, أو التحول إلى العمل السلمي, أو الاختفاء عن الأنظار مثلما وقع لواحد من قادتها الذي تورط في فضيحة أخلاقية وهو يمارس الجنس فوق سجادة الصلاة في مكتبه, وتمكنت أعين بنعلي "التي لم تكن تنامط من تصويره حينها وفرض الابتعاد عن السياسة وضجيجها بالكامل عليه.
لذلك وحين تستل قناة الجزيرة القطرية من العدم رجلا مثل راشد الغنوشي الزعيم المعلن لهذه الحركة لكي يبارك لشعب تونس انتفضاته ويعلن استعداد النهضة لتحمل مسؤوليتها في هذا الظرف الجسيم, يتساءل التونسيون قبل غيرهم "أين كانت النهضة طوال هذه المدة كلها؟". ويعيدون طرح السؤال بشكل آخر "لماذا لم نرفع ولو شعارا إسلاميا واحدا طيلة أيام ثورة الياسمين التي انتهت بفرار بن علي المهين إلى السعودية؟"
الجواب يوجد لدى التونسيين أنفسهم. هم لم يتحركوا من أجل "دولة الخلافة", أو من أجل العودة إلى الوراء خمسة عشر قرنا إضافية. هم تحركوا لأنهم أدركوا عبر اطلاعهم على كل التجارب العالمية أن نظام بن علي يفرض عليهم العيش في الذلة في زمن الكرامة العالمية, وفي زمن حقوق الإنسان الكوني. لذلك أحرق بوعزيزي نفسه, ولم يكترث لما سيقوله عنه القرضاوي الذي يتقاضى آلاف الدولارات من جزيرة قطر في الشريعة والحياة حين بدأ كلامه "بالدعاء للشاب بوعزيزي أن يغفر الله له كبيرته التي ارتكبها حين قتل النفس دون حق".
بوعزيزي يوم أمسك بالنار بين يديه وأشعلها في البنزين الذي صبه على جسده لم يكن يفكر في النهضة ولا في الغنوشي راشد ولافي القرضاوي المرتاح في قطر والذي تشغله أسماء وبقية الفتيات الصغيرات اللائي يهواهن عن التفكير السليم في مشاكل الناس. بوعزيزي كان يفكر في أمه وأخواته وإخوانهو وكان يقول "كيف سأعود إلى المنزل دون زاد لهم؟". وحين أعيته الحيلة ولم يجد ردا قادرا على إقناعه بالبقاء حيا, رأى أن أفضل مايمكن أن يقع له هو أن يحرق نفسه وليذهب العالم بعدها كله إلى الجحيم إذا ماأراد ذلك.
لذلك علينا أن نحتط من "شفارة الثورات" هؤلاء والذي يشبهون تماما أباطرة نظام بنعلي الذين يتصارعون حاليا حول سرقة ما قام به الشعب التونسي. الطرفان معا: الظلامي الكاذب والفاسد الكاذب يتشابهان. هما معا يفكران فقط في قطف ثمار الدم التونسي الذي سال غزيرا في هذه الأيام الماضية. لذلك علينا أن ننتبه لمسألة هامة للغاية: هي أن الثورة لايقوم بها شعب جاهل وأمي أبدا.
قد تنتفض شعوبنا, قد تخرج إلى الشارع, قد تبذل دمها, لكن في النهاية والبداية عليها أن تعرف لماذا خرجت, وما المراد من خروجها وما هو الهدف وماهي الضمانات الضرورية أن لايكون خروجها وموتها مجرد طريقة من أجل أن تستفيد الأطراف ذاتها التي تستفيد من الشعوب باستمرار. والآن فقط نفهم مع ماوقع في تونس لماذا يحرص الحاكم العربي على أن تظل الأمية هي السائدة في الوطن, وأن لايقرأ الناس, وأن يعتبروا الجرائد أمرا زائدا وأن يعتبروا الكتب شكلا من أشكال الكفر بالله . الآن نفهم الأمر جليا, لأن الفرق بين شعب مثقف يخرج إلى الشارع وبين شعب أمي يخرج إلى نفس الشارع هو هذا بالتحديد: أن لايعرف الطرف الثاني لماذا خرج أصلا, أو أن لايتقن الدفاع في الختام عن نتائج خروجه, أن يتركها لمن استفادوا منه دائما, أو أن يسمح لكذبة مثل النهضة الإسلامية أو القرضاوي بأن يدعوا بعد كل هذا الموت وكل هذه الدماء أنهم مستعدون لحكم تونس من جديد.
حقيقة ما أحوجنا لقراءة كل مايقع الآن أمامنا بعين العقل لا بعين أي عضو آخر من أعضاء جسدنا الكريم.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
الثلاثاء، 18 يناير 2011
الميريكان وإرادة الحياة
إذا الشعب يوما أراد الحياة, فلابد أن تتدخل أمريكا لكي تدعم مطالبه, وتصدر تعليماتها لتباعها داخل دولة ذلك الشعب لكي ينفذوا بالحرف الخطة البديلة, تلك التي تجعل الحاكم الصديق والحليف بالأمس, مجرد طاغية مل منه شعبه, وقرر أن يزيلة بضربة ثورة ستسميها الجرائد لتزيينها أكثر ثورة الياسمين.
يجد المتتبع المحايد صعوبة كبرى منذ الجمعة في التقاط التفاصيل كلها التي صنعت الحدث التونسي الكبير, ويجد صعوبة في ترديد الكلام الذي يقوله الكل أو الجل مثل الببغاوات عن تحرك شعبي أتى نتيجة إشعال شاب عاطل عن العمل وانتهى بانتصار الشعب على الطاغية. الأمر مثلما تقول اللازمة الفرنسية "أجمل من أن يصدق بهذه السهولة". ويوم السبت الفارط تورطت قناة "الجزيرة" في استضافة ضيف يبدو أنها لم تحسن اختياره مثلما تفعل عادة مع ضيوفها الذين يرددون الكلام المطلوب منهم فقط أن يقولوه على شاشتها, حيث اتصلت هاتفيا بضابط في الحرس الوطني التونسي قال لها ما لم يكن ينبغي أن يقال, لذلك تعرضت مكالمته للقطع مباشرة بعد أن اتضح أنها لاتساير هوى القناة والهوى الغالب المراد ترويجه هذه الأيام بشأن ماحدث في تونس الخضراء.
قال ضابط الحرس الوطني جوابا عن سؤال بخصوص عدم تدخل الجيش في الأحداث والسمعة الطيبة التي يمتلكها لدى التونسيين, وعن إصرار قادة الجيش على عدم التدخل في الشأن السياسي نهائيا إن "الخطة تقتضي أن تكون هذه السمعة الطيبة للجيش, لأنه الملاذ الوحيد في حال توتر الأمور, حيث سيتمكن من بسط سيطرته على البلاد بسهولة اعتمادا على سلاحه واعتمادا على هذه السمعة الطيبة".
كريشان مذيع الجزيرة الذي فاجأه التصريح أراد فهم مايقوله الضابط التونسي فاستفسره مجددا "إشرح لنا", ليجيبه هذا الأخير أن الجنرال عمار الذي أقاله بن علي منذ أيام تلقى الضوء الأخضر عبر السفارة الأمريكية في تونس لكي يتحرك الجيش, ويجبر بن علي على التنازل ويكلف محمد الغنوشي بالرئاسة في مرحلة أولى ثم بالوزارة الأولى في مرحلة ثانية رغم أن الغنوشي هو المسؤول _ نظريا _ عن الأحداث الأخيرة باعتباره الوزير الأول لتونس".
الضابط التونسي لم يقف عند هذا الحد, بل كشف أن تعليمات صدرت من طرف القيادة الجديدة في تونس لكل أعضاء الشرطة وأعضاء الحرس الوطني بلزوم منازلهم, وعدم التدخل إطلاقا. هنا عيل صبر الجزيرة التي قاطعت الضابط التونسي وانتقلت مباشرة إلى إعطاء الكلمة ليوسف القرضاوي باعتباره رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لكي يبارك لتونس ثورتها ويطالب الشعب التونسي بالتخلص من خدام الصنم الكبر, بعد أن أسقط هبل وبقي خدامه ينتظرون.
في برقية من برقيات ويكيلكس العجيب بخصوص تونس وهي مؤرخة بصيف 2009 نقرأ مايلي : " الرئيس بن علي يتقدم في العمر ونظامه متصلب وليس لديه خليفة معروف". وأضافت البرقية أن "التطرف لا يزال يشكل تهديدا، في مواجهة هذه المشكلات، لا تقبل الحكومة لا الانتقاد ولا النصح سواء من الداخل أو من الخارج ولا تسعى إلا لفرض رقابة أكثر". هل هذا هو المشكل في الختام؟ أن لاتنتظر أمريكا حتى وفاة بنعلي لكي تقامر بالبحث عن بديل له؟
ليست هناك أي طريقة للتأكد عمليا من الأمر سوى انتظار المظيد من التطورات, لكن بالمقابل يمكننا اعتمادا على ماسبق من تجارب, واعتمادا على ماهو معروف بخصوص العلاقات الدولية أن نقول إن خروج بنعلي فجأة من تونس لايمكن إلا أن يكون صفقة واضحة بين أطراف عديدة, اتفقت على الإبقاء على حياته, مقابل ترتيبات جديدة في البلد وربما في المنطقة كلها مستقبلا, وهو ما سيسهل التعرف عليه في الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة.
لنعد الآن إلى تلك الجماهير التي لعبت دور البطل الكومبارس في كل هذا. جميل أن نتحمس لمظهر الشعارات في الشوارع, وجميل أن نحاول إقناع أنفسنا أن الأمور تتم بهذه السذاجة بالتحديد: أن يحرق شاب نفسه, أن تشتعل الأوضاع, أن يخرج الشعب إلى الشارع, وأن يسقط الحاكم. هكذا وبكل بساطة. ربما يتم الأمر في الأفلام التاريخية التي تتناول تاريخ الثورات العالمية بهذا الشكل, ولكن في الواقع لا. في الحقيقة لاوجود لسيناريست يعدل التاريخ المظلم, ويزيل عنه كل الشوائب, ثم يقدمه للمتلقي بالطريقة التي يراها ملائمة.
في الواقع, وتونس لن تكون نشازا بالتأكيد, هناك أشياء أخرى لاينبغي للعامة أن تعرفها. هي تبقى تفاصيل معلقة بين المتحكمين الحقيقيين في الأمور, وفقط حينما تمر العقود والقرون قد تتكشف حقيقة ماجرى فعلا, وقد تفغر أجيال أخرى غيرنا فاها دهشة لا لخطورة ما ستكتشفه, ولكن لقدرتنا البلهاء والساذجة على التصديق رغم كل شيء.
في انتظار ذلك الزمن, لا بأس من أن نتذكر باستمرار أنه إذا الشعب يوما أراد الحياة, مثلما قال الشابي يوما, فإن أمورا كثيرة _ وهذه لم يقلها أبو القاسم _ ينبغي أن تساعده, وإلا فإنه سيموت هدرا ودون أي مقابل, والأذكياء وحدهم سيقطفون ثمار موته الغبي ذاك. نقطة, سير للسطر.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
لازلنا على نهمنا بخصوص مايقع فعلا بسلا التي تورط فيها على مايبدو قياديون من أحزاب تدعي نظافة ذات اليد في قضايا غير واضحة كثيرا. لماذا نقول إننا لازلنا على نهمنا هذا؟ لأن قيادة الحزب الذي ينتمي إليه الموقوفون ترفض الرضوخ لسلطة القضاء لتركه يحكم بالإدانة أو البراءة وتختار التصعيد الخارجي من أجل لملمة الملفات قبل انفجارها, وهو الأمر الذي لن يتقدم بنا كثيرا لفهم مايقع في العدوة المجاورة للرباط.
تراه الهدف الحقيقي من كل الصراخ الذي انخرط فيه قادة الحزب المدان؟ ذلك فعلا هو السؤال
يجد المتتبع المحايد صعوبة كبرى منذ الجمعة في التقاط التفاصيل كلها التي صنعت الحدث التونسي الكبير, ويجد صعوبة في ترديد الكلام الذي يقوله الكل أو الجل مثل الببغاوات عن تحرك شعبي أتى نتيجة إشعال شاب عاطل عن العمل وانتهى بانتصار الشعب على الطاغية. الأمر مثلما تقول اللازمة الفرنسية "أجمل من أن يصدق بهذه السهولة". ويوم السبت الفارط تورطت قناة "الجزيرة" في استضافة ضيف يبدو أنها لم تحسن اختياره مثلما تفعل عادة مع ضيوفها الذين يرددون الكلام المطلوب منهم فقط أن يقولوه على شاشتها, حيث اتصلت هاتفيا بضابط في الحرس الوطني التونسي قال لها ما لم يكن ينبغي أن يقال, لذلك تعرضت مكالمته للقطع مباشرة بعد أن اتضح أنها لاتساير هوى القناة والهوى الغالب المراد ترويجه هذه الأيام بشأن ماحدث في تونس الخضراء.
قال ضابط الحرس الوطني جوابا عن سؤال بخصوص عدم تدخل الجيش في الأحداث والسمعة الطيبة التي يمتلكها لدى التونسيين, وعن إصرار قادة الجيش على عدم التدخل في الشأن السياسي نهائيا إن "الخطة تقتضي أن تكون هذه السمعة الطيبة للجيش, لأنه الملاذ الوحيد في حال توتر الأمور, حيث سيتمكن من بسط سيطرته على البلاد بسهولة اعتمادا على سلاحه واعتمادا على هذه السمعة الطيبة".
كريشان مذيع الجزيرة الذي فاجأه التصريح أراد فهم مايقوله الضابط التونسي فاستفسره مجددا "إشرح لنا", ليجيبه هذا الأخير أن الجنرال عمار الذي أقاله بن علي منذ أيام تلقى الضوء الأخضر عبر السفارة الأمريكية في تونس لكي يتحرك الجيش, ويجبر بن علي على التنازل ويكلف محمد الغنوشي بالرئاسة في مرحلة أولى ثم بالوزارة الأولى في مرحلة ثانية رغم أن الغنوشي هو المسؤول _ نظريا _ عن الأحداث الأخيرة باعتباره الوزير الأول لتونس".
الضابط التونسي لم يقف عند هذا الحد, بل كشف أن تعليمات صدرت من طرف القيادة الجديدة في تونس لكل أعضاء الشرطة وأعضاء الحرس الوطني بلزوم منازلهم, وعدم التدخل إطلاقا. هنا عيل صبر الجزيرة التي قاطعت الضابط التونسي وانتقلت مباشرة إلى إعطاء الكلمة ليوسف القرضاوي باعتباره رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لكي يبارك لتونس ثورتها ويطالب الشعب التونسي بالتخلص من خدام الصنم الكبر, بعد أن أسقط هبل وبقي خدامه ينتظرون.
في برقية من برقيات ويكيلكس العجيب بخصوص تونس وهي مؤرخة بصيف 2009 نقرأ مايلي : " الرئيس بن علي يتقدم في العمر ونظامه متصلب وليس لديه خليفة معروف". وأضافت البرقية أن "التطرف لا يزال يشكل تهديدا، في مواجهة هذه المشكلات، لا تقبل الحكومة لا الانتقاد ولا النصح سواء من الداخل أو من الخارج ولا تسعى إلا لفرض رقابة أكثر". هل هذا هو المشكل في الختام؟ أن لاتنتظر أمريكا حتى وفاة بنعلي لكي تقامر بالبحث عن بديل له؟
ليست هناك أي طريقة للتأكد عمليا من الأمر سوى انتظار المظيد من التطورات, لكن بالمقابل يمكننا اعتمادا على ماسبق من تجارب, واعتمادا على ماهو معروف بخصوص العلاقات الدولية أن نقول إن خروج بنعلي فجأة من تونس لايمكن إلا أن يكون صفقة واضحة بين أطراف عديدة, اتفقت على الإبقاء على حياته, مقابل ترتيبات جديدة في البلد وربما في المنطقة كلها مستقبلا, وهو ما سيسهل التعرف عليه في الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة.
لنعد الآن إلى تلك الجماهير التي لعبت دور البطل الكومبارس في كل هذا. جميل أن نتحمس لمظهر الشعارات في الشوارع, وجميل أن نحاول إقناع أنفسنا أن الأمور تتم بهذه السذاجة بالتحديد: أن يحرق شاب نفسه, أن تشتعل الأوضاع, أن يخرج الشعب إلى الشارع, وأن يسقط الحاكم. هكذا وبكل بساطة. ربما يتم الأمر في الأفلام التاريخية التي تتناول تاريخ الثورات العالمية بهذا الشكل, ولكن في الواقع لا. في الحقيقة لاوجود لسيناريست يعدل التاريخ المظلم, ويزيل عنه كل الشوائب, ثم يقدمه للمتلقي بالطريقة التي يراها ملائمة.
في الواقع, وتونس لن تكون نشازا بالتأكيد, هناك أشياء أخرى لاينبغي للعامة أن تعرفها. هي تبقى تفاصيل معلقة بين المتحكمين الحقيقيين في الأمور, وفقط حينما تمر العقود والقرون قد تتكشف حقيقة ماجرى فعلا, وقد تفغر أجيال أخرى غيرنا فاها دهشة لا لخطورة ما ستكتشفه, ولكن لقدرتنا البلهاء والساذجة على التصديق رغم كل شيء.
في انتظار ذلك الزمن, لا بأس من أن نتذكر باستمرار أنه إذا الشعب يوما أراد الحياة, مثلما قال الشابي يوما, فإن أمورا كثيرة _ وهذه لم يقلها أبو القاسم _ ينبغي أن تساعده, وإلا فإنه سيموت هدرا ودون أي مقابل, والأذكياء وحدهم سيقطفون ثمار موته الغبي ذاك. نقطة, سير للسطر.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
لازلنا على نهمنا بخصوص مايقع فعلا بسلا التي تورط فيها على مايبدو قياديون من أحزاب تدعي نظافة ذات اليد في قضايا غير واضحة كثيرا. لماذا نقول إننا لازلنا على نهمنا هذا؟ لأن قيادة الحزب الذي ينتمي إليه الموقوفون ترفض الرضوخ لسلطة القضاء لتركه يحكم بالإدانة أو البراءة وتختار التصعيد الخارجي من أجل لملمة الملفات قبل انفجارها, وهو الأمر الذي لن يتقدم بنا كثيرا لفهم مايقع في العدوة المجاورة للرباط.
تراه الهدف الحقيقي من كل الصراخ الذي انخرط فيه قادة الحزب المدان؟ ذلك فعلا هو السؤال
الأحد، 16 يناير 2011
عندما يهرب الرئيس
يمضي الحاكم العربي الزمن كله في الكذب علينا قائلا إنه مستعد للتضحية من أجل الوطن, وحين يشتم رائحة الحريق تقترب من ثيابه يمتطي المروحيات, ويعتلي الطائرة الخاصة ويمضي. نكاد نرغب في سؤاله "لمن تترك الوطن ياريس؟" لكننا لانعثر له على أثر. يوم الجمعة الفارطة أهدتنا اللحظة العربية الحزينة تاريخا جديدا يحمل من الأسماء إسم هروب بن علي من تونس, وتكريس الفكرة التي تقول إن أغلب الحكام العرب لا يشعرون بأي شعور تجاه أوطانهم, لذلك تجدهم مستعدين للفرار إذا ما أحسوا أن الشعوب قد قررت مبادلتهم "الحب بحب أكبر منه". فيما عدا ذلك لاشيء.
البعض تحدث عن الثورة والتاريخ الذي تكتبه الشعوب بدمائها, لكن هذا البعض نسي أننا بقينا أسرى هذا الكلام الخشبي منذ الاستعمار ومرورا بالاستقلال وحتى سنوات الالتباس الكامل هاته. وعندما كنت أتابع عبر قناة "الجزيرة" القطرية فرح القناة بانتصار إرادة الشعب التونسي على الديكتاتورية, كنت أتساءل عن الثورة القطرية متى قامت, ومن قادها وهل انتصر فيها الشعب فعلا على الديكتاتورية هناك؟
لا أخلط الأوراق, ولا أحب هذا الأمر كثيرا لكننا مجبرون اليوم أكثر من أي وقت مضى على أن نحتفظ في المغرب بتميزنا عن هذا العالم العربي المريض, وأن نحاول قدر الإمكان الاستفادة من الدروس التي يمنحنا إياها باستمرار, وأن نفهم لوحدنا دون يد أجنبية, ودون فرض من أي جهة ما أننا ملزمون بدمقرطة بلادنا أكثر فأكثر, وأن الوقت تغير تماما, وأن الزمن يفترض أن نبحث عن نموذج مشرق عوض البقاء حبيسي هذه النماذج العربية المعتلة التي تحيط بنا من كل مكان.
لماذا نقول نماذج مريضة؟ ولماذا نقول إننا ملزمون بالحفاظ على تميزنا وسطها؟ لأننا نعرف جيدا أن ماوقع الجمعة في تونس مرشح لكي يقع في كل الدول العربية الأخرى, وبشكل أبشع من ذلك الذي وقع به في تونس, مايعني أن المرض مستشر في الجسد العربي كله, ولأننا نعرف أن بإمكاننا في المغرب أن نشكل استثناء وسط هذا الطوفان الجديد الذي يراد له أن يغرق المنطقة كلها فيما أسمته كوندوليزا رايس منذ زمن سابق "الفوضى الخلاقة".
علينا أن نطرح الأسئلة الحقيقية لما وقع في تونس, وأن نفهم لماذا لم يتحرك الجيش لمساندة الرئيس المخلوع أو الهارب, وأن نستوعب متى تقرر لبن علي أن يكتفي من السلطة التي يعبدها, وأن نربط ذلك بما سيقع في دول عربية أخرى تنتظر دورها على طاولة التشريح للبحث عن حل لجثثها المتحللة ومايمكن عمله من أجلها. علينا أن نفهم الفزاعة الإسلاموية, وهل هي خطر حقيقي يهدد هذه المجتمعات أم أنها مجرد عبارد لبث الرعب في نفوس الناس أو لتبرير بقاء حكام بأعينهم في أمكنتهم.
علينا التمييز بين من يدقون ناقوس الخطر القادم على أيدي هذا التطرف الحقيقي والمرعب للوطن العربي كله, وبين الحكام الذين يستعملون هذا الخطر فزاعة لإدامة تاريخ حكمهم لبلدانهم بكل الديكتاتورية الممكنة. علينا أن نجد طريقة للإنصات للأجيال الجديدة من شعبنا, للشباب الذين يبدون غير قادرين على فهم هذا التناقض الكبير بين العالم مثلما يرونه في كل "الهاي_ تيك" أو التيكنولوجيا المتقدمة المحيطة بهم, وبين العتاقة البليدة التي تحكم دولهم, وتتحكم في مصائرهم دونما أمل في أن تتغير الأشياء بشكل سلمي وهادئ في يوم من الأيام.
نعترف أننا عشنا صدمة جديدة كبرى يوم الجمعة الفارطة, وأن العديدين كانوا يتوقعون عدم سقوط بنعلي بهذه السرعة, وأن وجوها كثيرة تراءت لنا في تلك اللحظات العصيبة. رأينا مبارك وهو يحاول ترك مصر لواحد من أبنائه بعد ثلاثين سنة من الحكم أو يزيد. رأينا القدافي يفاضل بين سيف الإسلام وبين الساعدي لكي يمنحه الجماهيرية من بعده. رأينا بشار الأسد الذي ترك والده الجمهورية السورية إرثا غير مفهوم له. رأينا علي عبد الله صالح وهو يجد صعوبة في الاقتناع بأن من حق اليمن أن يعيش بعده عهدا يشفع له في حمل وصفه "السعيد" المثير لكثير من السخرية. رأينا الدويلات الخليجية الصغيرة جدا والغنية نفطا حد السفه التي لاتعرف إن كانت تنتمي إلى عصر الناس هذا أم إلى عصور أخرى. رأينا بوتفليقة مريضا يجر وهنه خلفه, ويبحث بين أشقائه عمن يستطيع الإنصات للعسكر أكثر. ورأينا الكثير.
وبين كل هذا الكثير, رأينا المغرب علامة على شيء آخر ممكن. لدينا مشاكلنا الكثيرة التي تشبه مشاكل دول عربية ثانية, ولدينا لصوص مالنا العام, ولدينا من استفادوا من وضعيات معينة طيلة عقود, ولدينا متنفذون لايعرفون أن هناك شيئا إسمه الشعب على الإطلاق. لكن مع كل هذا لدينا الإيمان بأننا قادرون على تقديم نموذج آخر مغاير يستوعب الدروس التي تقع الآن, ولا يكررها بغباء,لأننا بكل بساطة لسنا أغبياء.
نتمنى أن لا نكون واهمين. وأن نستفيد فعلا من كل هذه الفرجة المحزنة التي تحيط بنا من كل مكان.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
أن يصف عبد الإله بنكيران إلياس العماري ب"السلكوط اللي كالس كيتسارا فالمغرب", فمسألة تقول لنا إننا قد قطعنا على يد أمين عام حزب "العدالة والتنمية" شوطا إضافيا في مسلسل تمييع العمل السياسي المغربي, وتنفير الناس منه. في الفيديو الذي يجوب اليوتوب حاليا يبدو بنكيران عاجزا عن كبح جماح غضبه, ويظهر غير قادر إلا على ترديد كلمات من قاموس الشارع. ومع كل التفهم الذي قد نبديه لوصول الخلاف بين سياسيين إلى مراحله القصوى إلا أنه من الصعب علينا أن نفهم "سياسة التسلكيط" هاته التي يراد لنا أن نعيش عصرها الحالي.
عبد الإله حسن ألفاظك شوية, مافيها باس
البعض تحدث عن الثورة والتاريخ الذي تكتبه الشعوب بدمائها, لكن هذا البعض نسي أننا بقينا أسرى هذا الكلام الخشبي منذ الاستعمار ومرورا بالاستقلال وحتى سنوات الالتباس الكامل هاته. وعندما كنت أتابع عبر قناة "الجزيرة" القطرية فرح القناة بانتصار إرادة الشعب التونسي على الديكتاتورية, كنت أتساءل عن الثورة القطرية متى قامت, ومن قادها وهل انتصر فيها الشعب فعلا على الديكتاتورية هناك؟
لا أخلط الأوراق, ولا أحب هذا الأمر كثيرا لكننا مجبرون اليوم أكثر من أي وقت مضى على أن نحتفظ في المغرب بتميزنا عن هذا العالم العربي المريض, وأن نحاول قدر الإمكان الاستفادة من الدروس التي يمنحنا إياها باستمرار, وأن نفهم لوحدنا دون يد أجنبية, ودون فرض من أي جهة ما أننا ملزمون بدمقرطة بلادنا أكثر فأكثر, وأن الوقت تغير تماما, وأن الزمن يفترض أن نبحث عن نموذج مشرق عوض البقاء حبيسي هذه النماذج العربية المعتلة التي تحيط بنا من كل مكان.
لماذا نقول نماذج مريضة؟ ولماذا نقول إننا ملزمون بالحفاظ على تميزنا وسطها؟ لأننا نعرف جيدا أن ماوقع الجمعة في تونس مرشح لكي يقع في كل الدول العربية الأخرى, وبشكل أبشع من ذلك الذي وقع به في تونس, مايعني أن المرض مستشر في الجسد العربي كله, ولأننا نعرف أن بإمكاننا في المغرب أن نشكل استثناء وسط هذا الطوفان الجديد الذي يراد له أن يغرق المنطقة كلها فيما أسمته كوندوليزا رايس منذ زمن سابق "الفوضى الخلاقة".
علينا أن نطرح الأسئلة الحقيقية لما وقع في تونس, وأن نفهم لماذا لم يتحرك الجيش لمساندة الرئيس المخلوع أو الهارب, وأن نستوعب متى تقرر لبن علي أن يكتفي من السلطة التي يعبدها, وأن نربط ذلك بما سيقع في دول عربية أخرى تنتظر دورها على طاولة التشريح للبحث عن حل لجثثها المتحللة ومايمكن عمله من أجلها. علينا أن نفهم الفزاعة الإسلاموية, وهل هي خطر حقيقي يهدد هذه المجتمعات أم أنها مجرد عبارد لبث الرعب في نفوس الناس أو لتبرير بقاء حكام بأعينهم في أمكنتهم.
علينا التمييز بين من يدقون ناقوس الخطر القادم على أيدي هذا التطرف الحقيقي والمرعب للوطن العربي كله, وبين الحكام الذين يستعملون هذا الخطر فزاعة لإدامة تاريخ حكمهم لبلدانهم بكل الديكتاتورية الممكنة. علينا أن نجد طريقة للإنصات للأجيال الجديدة من شعبنا, للشباب الذين يبدون غير قادرين على فهم هذا التناقض الكبير بين العالم مثلما يرونه في كل "الهاي_ تيك" أو التيكنولوجيا المتقدمة المحيطة بهم, وبين العتاقة البليدة التي تحكم دولهم, وتتحكم في مصائرهم دونما أمل في أن تتغير الأشياء بشكل سلمي وهادئ في يوم من الأيام.
نعترف أننا عشنا صدمة جديدة كبرى يوم الجمعة الفارطة, وأن العديدين كانوا يتوقعون عدم سقوط بنعلي بهذه السرعة, وأن وجوها كثيرة تراءت لنا في تلك اللحظات العصيبة. رأينا مبارك وهو يحاول ترك مصر لواحد من أبنائه بعد ثلاثين سنة من الحكم أو يزيد. رأينا القدافي يفاضل بين سيف الإسلام وبين الساعدي لكي يمنحه الجماهيرية من بعده. رأينا بشار الأسد الذي ترك والده الجمهورية السورية إرثا غير مفهوم له. رأينا علي عبد الله صالح وهو يجد صعوبة في الاقتناع بأن من حق اليمن أن يعيش بعده عهدا يشفع له في حمل وصفه "السعيد" المثير لكثير من السخرية. رأينا الدويلات الخليجية الصغيرة جدا والغنية نفطا حد السفه التي لاتعرف إن كانت تنتمي إلى عصر الناس هذا أم إلى عصور أخرى. رأينا بوتفليقة مريضا يجر وهنه خلفه, ويبحث بين أشقائه عمن يستطيع الإنصات للعسكر أكثر. ورأينا الكثير.
وبين كل هذا الكثير, رأينا المغرب علامة على شيء آخر ممكن. لدينا مشاكلنا الكثيرة التي تشبه مشاكل دول عربية ثانية, ولدينا لصوص مالنا العام, ولدينا من استفادوا من وضعيات معينة طيلة عقود, ولدينا متنفذون لايعرفون أن هناك شيئا إسمه الشعب على الإطلاق. لكن مع كل هذا لدينا الإيمان بأننا قادرون على تقديم نموذج آخر مغاير يستوعب الدروس التي تقع الآن, ولا يكررها بغباء,لأننا بكل بساطة لسنا أغبياء.
نتمنى أن لا نكون واهمين. وأن نستفيد فعلا من كل هذه الفرجة المحزنة التي تحيط بنا من كل مكان.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
أن يصف عبد الإله بنكيران إلياس العماري ب"السلكوط اللي كالس كيتسارا فالمغرب", فمسألة تقول لنا إننا قد قطعنا على يد أمين عام حزب "العدالة والتنمية" شوطا إضافيا في مسلسل تمييع العمل السياسي المغربي, وتنفير الناس منه. في الفيديو الذي يجوب اليوتوب حاليا يبدو بنكيران عاجزا عن كبح جماح غضبه, ويظهر غير قادر إلا على ترديد كلمات من قاموس الشارع. ومع كل التفهم الذي قد نبديه لوصول الخلاف بين سياسيين إلى مراحله القصوى إلا أنه من الصعب علينا أن نفهم "سياسة التسلكيط" هاته التي يراد لنا أن نعيش عصرها الحالي.
عبد الإله حسن ألفاظك شوية, مافيها باس
الأربعاء، 22 دجنبر 2010
شخصيات العام
سيختار الكثيرون شخصيات هذه السنة حسب حساباتهم الخاصة, سيتقربون من هذا الكبير, سينافقون هذا النافذ, سيطمع بعضهم في إشهار يمنحه له شخص اختاره لكي يكون شخصيته. سيتمنى الثاني ممن اختاره أن يتذكر باستمرار أنه وضعه على الواجهة وفيها ذات نهاية سنة. سيشرب رفقته كل الأنخاب الممكن تصورها على شرف هذا الاختيار, وسيقولان لبعضيهما إنهما فعلا أحسنا الاختيار.
البعض الآخر سيختار سياسيين يهابهم, سيهديهم الألقاب المجانية, تلك التي لاتكلف من يمنحها شيئا. سيهمس في أذنه أن المنافسة كانت قوية وأن الاختيار وقع عليه بعد جهد جهيد. سيبتسم من وقع عليه الاختيار, وسيقول لنفسه إنه يستحقها, وأن الصبر جيد مادام في الختام يحمل لقبا مثل هذا سيمضي الستة أشهر الأولى من السنة في تأمله, وسيمضي الستة أشهر الأخرى في التنبؤ باسم من سيخلفه فيه.
سيختار آخرون رجال مال وأعمال يعتقدون أن اختيارهم سيجلب عليهم بعض النفع المادي العابر. ستختار جهة أخرى من يبدو لها الأقدر على حمل هذا اللقب إن صدقا أو نفاقا, وكل من سيقومون بهذا الأمر خلال كل هذا الأسبوع سيحاولون إقناع أنفسهم أنهم كانوا مصيبين في الاختيار, وأنهم وضعوا اليد فعلا على الرجل أو المرأة الذي أو التي طبعا السنة بميسمهما, وسينتهون.
من جهتنا سنشذ عن القاعدة. هذه السنة سنختار أحد عشر شخصية لكي نقول عنها إنها شخصية العام. في الواقع هم ليسوا شخصيات بالمعنى الحرفي للكلمة. هم أناس عاديون جدا لم يكن أحد يعرفهم قبل شهر نونبر الماضي, ولن يتعرف عليهم أحد بعد هذا التاريخ لأنهم بكل بساطة فادحة رحلوا.
أسماؤهم هي الشيء الوحيد رفقة ذكراهم ماتبقى لأهلهم, وهذه دعوة لنا جميعا لكي نجعلهم شخصيات هذه السنة لأنهم فعلا يستحقون. هم: نورالدين أودرهم, محمد علي بوعالم, , ياسين بوكطاية ,عبد المومن النشيوي , أولعيد أيت علا ,بدر الدين التراهي , عبد المجيد أدادور , بلهواري أنس , بن الطالب لختيل , محمد نجيح ,علي الزعري
هم كالإخوة لنا, أو كالأبناء. فقدناهم خلال تفكيك مخيم كديم إيزيك بالعيون المغربية, تركناهم هناك أخبارا سمعناها, قبل أن نتأكد مجددا أن من رأى ليس كمن سمع ونحن نكتشف مشاهد التقتيل البشع التي تعرضوا لها. فهمنا حينها أنه من الصعب عليك أن تكون مجرد مواطن عادي في بلد مثل بلدنا. أن يلقي بك مسؤولوك دون سلاح في أتون نار حامية, وأن يشددوا عليك في التعليمات "لاتطلق النار", ثم أن يذكروك أنك حتى وإن أردت ذلك لاتتوفر على ماستطلق به هذه النار اللعينة.
يقولون لك وأنت تحمل تلك العصا الخشبية المضحكة التي منحوك إياها "ضرب غير بالشوية, راه جمعيات حقوق الإنسان حاطة علينا". تتساءل حينها وأنت ذاهب إلى حتفك برجليك إن كانت هذه الجمعيات البليدة ستذكر إسمك بعد الرحيل, أم أنها ستعتبرك مجرد قربان تجوز التضحية به لأنه محسوب على القوات العمومية, أي أنه لايحق لك بعد أن تموت أن تحتج لأن أحدا لن يذكرك. تتذكر حينها من تركتهم في "البلاد" في القرية أو في المدينة. تتوالى وجوه أحبتك أمام عينيك وتسأل نفسك مجددا _ لأنك وحيد إلا منها _ إن كنت ستراهم ثانية أم لا. تقرئهم الكثير من السلام داخليا, وتقول على عادة المؤمن إذ يتأكد أنه راحل بأنه من غير المعقول أن يكون الوداع هكذا, وأن يوما آتيا بلا ريب ستلتقي فيه بكل من لم تتح لك فرصة توديعهم في ذلك اليوم الحزين.
تلملم جراحك وتتكئ عليها, وتفتح عينيك بعد عناء شديد, فتجد أمامك شخصا يحمل سكينا كبيرة يريد ذبحك بها. تتصور أنك تحلم, تحس بالشفرة حادة للغاية تجتاح مسام العروق الأخيرة منك. تقول إن هذا الكابوس ملزم بالتوقف حالا. تحس بخدر لذيذ, تفقد بعده الإحساس بكل الأشياء. تبدو لك الحياة ذاهبة إلى غير رجعة, فتقول لنفسك إنك تموت, وأن هذه هي النهاية. تقفل عينيك آخر مرة على مشهد الصحراء التي ربوك في المدرسة على أنها مقدسة, وأنت تمنحها الروح, فتهدي لنفسك برقية العزاء الأخيرة وأنت تقول "على الأقل ذهبت شهيدا لهذا الوطن".
للذكرى وللتاريخ, ستبقى. البعض سيسميك شهيدا, البعض سينظم دوريات الكرة باسمك, البعض الثالث سينساك قبل أن تغرب شمس اليوم الذي رحلت فيه. وحدهم أولئك المكتوون حقا بألم رحيلك سيتذكرونك حتى الختام. تلك التي منحتك الحياة أولا والتي ستظل بالنسبة إليها الجرح النازف الذي لن يندمل أبدا. الآخر الذي رأى فيك خلفه على هذه البسيطة, والذي خنته بهذا الرحيل القاتل. الأخوة, صغارهم الذين كانوا ينتظرون منك أي التفاتة قصد رتق ماتشاء من ثقوب الحياة, والكبار الذين كانوا يرون فيك الصغير الذي أصبح من القوات العمومية يحمي البلاد والعباد, ثم الأبناء والزوجة طبعا.
وحدهم سيتذكرونك. وحدهم سيرونك كل مرة ارتد فيها إليهم طرفهم. وحدهم ونحن معهم في هذا اليوم سنقول إنك تستحق أن تكون شخصية السنة حتى وإن كان الاختيار غير مألوف, به سنتذكرك وكفى, وهذا فعلا أضعف الإيمان.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
اتفق المغرب والبوليساريو على تسريع وتيرة المفاوضات بينهما إثر اللقاء الأخير في مانهاست, وهو الاتفاق الذي يرى فيه الجميع بقاء الوضع على ماهو عليه, مادامت البوليساريو والمتحكمة في قرارها الجزائر غير راغبتين نهائيا في التقدم الحقيقي بهذه المفاوضات إلى مجالات توافق حقيقية بين مختلف المتدخلين في هذا الملف.
مشروع الحكم الذاتي هو فعلا آخر مايمكن للمغرب التقدم به في هذا الملف, ومساندة المنتظم الدولي لهذا المشروع يعني أن لالوم على الجانب المغربي في تعثر هذه المفاوضات أو توقفها حيث أرادت لها الجزائر الجمود.
البعض الآخر سيختار سياسيين يهابهم, سيهديهم الألقاب المجانية, تلك التي لاتكلف من يمنحها شيئا. سيهمس في أذنه أن المنافسة كانت قوية وأن الاختيار وقع عليه بعد جهد جهيد. سيبتسم من وقع عليه الاختيار, وسيقول لنفسه إنه يستحقها, وأن الصبر جيد مادام في الختام يحمل لقبا مثل هذا سيمضي الستة أشهر الأولى من السنة في تأمله, وسيمضي الستة أشهر الأخرى في التنبؤ باسم من سيخلفه فيه.
سيختار آخرون رجال مال وأعمال يعتقدون أن اختيارهم سيجلب عليهم بعض النفع المادي العابر. ستختار جهة أخرى من يبدو لها الأقدر على حمل هذا اللقب إن صدقا أو نفاقا, وكل من سيقومون بهذا الأمر خلال كل هذا الأسبوع سيحاولون إقناع أنفسهم أنهم كانوا مصيبين في الاختيار, وأنهم وضعوا اليد فعلا على الرجل أو المرأة الذي أو التي طبعا السنة بميسمهما, وسينتهون.
من جهتنا سنشذ عن القاعدة. هذه السنة سنختار أحد عشر شخصية لكي نقول عنها إنها شخصية العام. في الواقع هم ليسوا شخصيات بالمعنى الحرفي للكلمة. هم أناس عاديون جدا لم يكن أحد يعرفهم قبل شهر نونبر الماضي, ولن يتعرف عليهم أحد بعد هذا التاريخ لأنهم بكل بساطة فادحة رحلوا.
أسماؤهم هي الشيء الوحيد رفقة ذكراهم ماتبقى لأهلهم, وهذه دعوة لنا جميعا لكي نجعلهم شخصيات هذه السنة لأنهم فعلا يستحقون. هم: نورالدين أودرهم, محمد علي بوعالم, , ياسين بوكطاية ,عبد المومن النشيوي , أولعيد أيت علا ,بدر الدين التراهي , عبد المجيد أدادور , بلهواري أنس , بن الطالب لختيل , محمد نجيح ,علي الزعري
هم كالإخوة لنا, أو كالأبناء. فقدناهم خلال تفكيك مخيم كديم إيزيك بالعيون المغربية, تركناهم هناك أخبارا سمعناها, قبل أن نتأكد مجددا أن من رأى ليس كمن سمع ونحن نكتشف مشاهد التقتيل البشع التي تعرضوا لها. فهمنا حينها أنه من الصعب عليك أن تكون مجرد مواطن عادي في بلد مثل بلدنا. أن يلقي بك مسؤولوك دون سلاح في أتون نار حامية, وأن يشددوا عليك في التعليمات "لاتطلق النار", ثم أن يذكروك أنك حتى وإن أردت ذلك لاتتوفر على ماستطلق به هذه النار اللعينة.
يقولون لك وأنت تحمل تلك العصا الخشبية المضحكة التي منحوك إياها "ضرب غير بالشوية, راه جمعيات حقوق الإنسان حاطة علينا". تتساءل حينها وأنت ذاهب إلى حتفك برجليك إن كانت هذه الجمعيات البليدة ستذكر إسمك بعد الرحيل, أم أنها ستعتبرك مجرد قربان تجوز التضحية به لأنه محسوب على القوات العمومية, أي أنه لايحق لك بعد أن تموت أن تحتج لأن أحدا لن يذكرك. تتذكر حينها من تركتهم في "البلاد" في القرية أو في المدينة. تتوالى وجوه أحبتك أمام عينيك وتسأل نفسك مجددا _ لأنك وحيد إلا منها _ إن كنت ستراهم ثانية أم لا. تقرئهم الكثير من السلام داخليا, وتقول على عادة المؤمن إذ يتأكد أنه راحل بأنه من غير المعقول أن يكون الوداع هكذا, وأن يوما آتيا بلا ريب ستلتقي فيه بكل من لم تتح لك فرصة توديعهم في ذلك اليوم الحزين.
تلملم جراحك وتتكئ عليها, وتفتح عينيك بعد عناء شديد, فتجد أمامك شخصا يحمل سكينا كبيرة يريد ذبحك بها. تتصور أنك تحلم, تحس بالشفرة حادة للغاية تجتاح مسام العروق الأخيرة منك. تقول إن هذا الكابوس ملزم بالتوقف حالا. تحس بخدر لذيذ, تفقد بعده الإحساس بكل الأشياء. تبدو لك الحياة ذاهبة إلى غير رجعة, فتقول لنفسك إنك تموت, وأن هذه هي النهاية. تقفل عينيك آخر مرة على مشهد الصحراء التي ربوك في المدرسة على أنها مقدسة, وأنت تمنحها الروح, فتهدي لنفسك برقية العزاء الأخيرة وأنت تقول "على الأقل ذهبت شهيدا لهذا الوطن".
للذكرى وللتاريخ, ستبقى. البعض سيسميك شهيدا, البعض سينظم دوريات الكرة باسمك, البعض الثالث سينساك قبل أن تغرب شمس اليوم الذي رحلت فيه. وحدهم أولئك المكتوون حقا بألم رحيلك سيتذكرونك حتى الختام. تلك التي منحتك الحياة أولا والتي ستظل بالنسبة إليها الجرح النازف الذي لن يندمل أبدا. الآخر الذي رأى فيك خلفه على هذه البسيطة, والذي خنته بهذا الرحيل القاتل. الأخوة, صغارهم الذين كانوا ينتظرون منك أي التفاتة قصد رتق ماتشاء من ثقوب الحياة, والكبار الذين كانوا يرون فيك الصغير الذي أصبح من القوات العمومية يحمي البلاد والعباد, ثم الأبناء والزوجة طبعا.
وحدهم سيتذكرونك. وحدهم سيرونك كل مرة ارتد فيها إليهم طرفهم. وحدهم ونحن معهم في هذا اليوم سنقول إنك تستحق أن تكون شخصية السنة حتى وإن كان الاختيار غير مألوف, به سنتذكرك وكفى, وهذا فعلا أضعف الإيمان.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
اتفق المغرب والبوليساريو على تسريع وتيرة المفاوضات بينهما إثر اللقاء الأخير في مانهاست, وهو الاتفاق الذي يرى فيه الجميع بقاء الوضع على ماهو عليه, مادامت البوليساريو والمتحكمة في قرارها الجزائر غير راغبتين نهائيا في التقدم الحقيقي بهذه المفاوضات إلى مجالات توافق حقيقية بين مختلف المتدخلين في هذا الملف.
مشروع الحكم الذاتي هو فعلا آخر مايمكن للمغرب التقدم به في هذا الملف, ومساندة المنتظم الدولي لهذا المشروع يعني أن لالوم على الجانب المغربي في تعثر هذه المفاوضات أو توقفها حيث أرادت لها الجزائر الجمود.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)