الأحد، 24 أكتوبر 2010

مرتاحو مهنة المتاعب !

اطلعت مؤخرا عبر الأنترنيت على مقال للباحث الإعلامي الصديق يحيى اليحياوي يتحدث فيه عن مهنة الصحافة ويقول إنها في المغرب لاتخضع للتوصيف الذي يطلق عليها في الغرب باعتبارها مهنة للمتاعب.
دليل صديقنا اليحياوي هو أن الصحافي المغربي لايشغل باله بالتحقيق أو الاستطلاع الحقيقي أو غيرهما من الأجناس النبيلة في الصحافة، بل يكتفي باقتعاد مكتبه والإبحار في الأنترنيت لغرضين إثنين: الشات والدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي أولا، ثم أخذ الأخبار وفق تقنية "القص واللصق" اللعينة لتي ابتليت بها الحرفة منذ زمان، وكانت بداية تقهقرها بعد أن اقتنع الناس أن بإمكانهم الذهاب قدما إلى الأنترنيت وقراءة مايريدونه فيه عوض دفع ثلاثة دراهم في جريدة تأخذ أخبارها من نفس الأنترنيت.
من زاوية المعالجة هاته لايمكن إلا الاتفاق مع صديقنا اليحياوي في طرحه، خصوصا وأننا نستطيع أن نضيف إليه المزيد مما نعايشه بحكم الاحتكاك اليومي بالحرفة وأهلها مما يؤكد طرحه ويكرسه. لكن النظر إلى المسألة من هذه الجهة فقط يتركها ناقصة بعض الشيء، إذ بغض النظر عن هذا الجانب التقصيري الفظيع في عمل صحافتنا على الأجناس الكبرى، وهو تقصير تتحمل مسؤوليته إدارات التحرير بجرائدنا الوطنية، ويتحمل مسؤوليته الصحافيون، لكن يتحمل القارئ الكريم أيضا جزءا لابأس به من المسؤولية فيه، أعتقده الأساسي بعد أن اقتنعت الحرفة بأن القارئ المغربي لايهتم بتحقيقات أو استطلاعات كبرى ولا يمكنه أن يجعلها سبب اقتنائه للجريدة التي يقبل عليها، مقابل اهتمامه بأجناس ثانية من حقه طبعا أن يوليها كل الاهتمام، ومن حق الصحافي أن يضع في اعتباره أنها هي التي تلقى القبول ولو اضطره الأمر ختاما إلى نسيان مهنته الأصلية وممارسة تفرعات وتنويعات عنها، إذا ما دقق فيها جيدا سيجد أن لاعلاقة لها بالصحافة.
(بغض النظر عن كل هذا ) الصحافة في المغرب هي مهنة المتاعب وأكثر، والمتاعب تنضاف إذا ما علمنا بطريقة الحصول على الخبر في بلدنا الأمين.
ذلك الوهم الكبير المسمى الحق في الوصول إلى المعلومة دونه الجبال. والخبر عندنا حالتان لاثالث لهما إلا في بعض الاستثناءات القليلة التي تعد في حكم الشاذ الذي لايقاس عليها نهائيا: إما جهة تصفي حسابا مع جهة "فتتطوع" لكي تعطيك ماتشاء من الأخبار التي تهدم صروح الجهة المراد تحطيمها، وإما جهة يهمها أن يخرج ذك الخبر في ذلك اليوم وفي ذلك التاريخ وبذلك العنوان وبتلك الصيغة بالتحديد لأغراض تهمها قد لاتبدو للصحافي، لكنها تكون مسطرة في عقل من قام بتسريبها أو إيصالها إلى الصحافة.
وللأسف الشديد، ورغم كثير الفقاعات الإعلامية العابرة للمجال، ورغم العديد من المحاولات الجادة بالمقابل التي يعرفها ميداننا والتي تحاول التأسيس لصحافة استقصاء وتحقيق، لانتصور أن الصحافة المغربية بارحت مكانها الأول، بل ربما تراجعت في السنتين أو الثلاث سنوات الأخيرة أكثر عما شهدته بداية الألفية الجديدة من نزوع نحو الشغب الصحفي الحقيقي: شغب البحث عن مكامن الغموض في كثير مجالات تهم المجتمع، لا البحث فقط عما يثير أعصاب الحاكمين مما تخصصت فيه صحافة وصلت اليوم إلى حتفها النهائي.
أكثر من هذا تبدو المحاولة التي قد تقوم بها جرائد جادة اليوم لتأسيس صحافة راقية تحقق وتستقصي فعلا محاولة أشبه ماتكون بالانتحار وسط مناخ صحفي يتم العمل بكل قوة على تمييعه قدر الإمكان، وجعله ساحة "المناقرة والسباب" المعروفة التي يعاين الكل خسائرها اليوم مما لم نعد قادرين على مجاراته أو الدخول في حيثيات استراره وبقائه.
هذا عن الخبر أما في مجال الرأي فالمسألة أفظع. تصور أنه من الممكن أن تقرأ يوميا لصحافيين يكتبون من وحي عقلهم وملاحظاتهم ومايفكرون هم فيه فقط هو تصور أضحى ينقرض يوما بعد يوم. عوضه أصبحت كتابة الرأي في الصحافة الوطنية في الغالب الأعم نقلا لتقارير استخباراتية، أو تصفية حسابات من الدرجة الدنيا، أو هرطقات ماأنزل الله بها من سلطان تعرض كاتبها ومن سمح له بنشرها للمساءلة القضائية لو كان للميدان رب يحميه.
لكنها بحمد الله ورعايته "سداح مداح". ومن الممكن أن تخلق فيها وتختلق ماتشاء من أجناس جديدة دون أن تخشى لومة لائم مما أنتج لنا "سنوات الضياع" المغربية التي تعيشها صاحبة الجلالة المسكينة لدينا. ألا يلقبون الصحافة في البلدان الأخرى بهذا اللقب الغريب والعجيب؟
بلى يفعلون ذلك، وهم يعرفون لماذا. أما لدينا فمن الممكن اختيار ألقاب أخرى تكون أقرب إلى الصحة وأبعد عن التمشخير الذي نحسه جميعا عندما يقول لنا شخص ما إنكم تشتغلون ضمن رحاب صاحبة الجلالة.
هي مهنة متاعب فعلا، لكن المتاعب لايحس بها إلا من كان مؤمنا بهذه الحرفة فعلا. أما "النجارة" فيحسون بالارتياح الكامل فيها، وهي تعيد لهم في ظروفها الحالية الراحة براحة أفضل منها.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
"دابا عاد بدا المعقول" فيما يخص غيريتس وعلاقته بنخبتنا. الآن لم نعد قادرين على ابتلاع الآكذوبة التي تقول إن غيريتس منقسم قسمين بين منتخبنا وبين الهلال، ولم نعد متقبلين للكلام الطيب الذي يروم طمأنتنا على نخبتنا ويحاول تطويل أمد الصبر عليها وعلى نتائجها السلبية.
ماانتظرناه طويلا وقع وتم الآن وغيريتس هو اليوم بين يدي جامعتنا ومنتخبنا، والأمل أن لايكون دهاقنة جامعتنا بصدد البحث عن مشاجب جديدة لتعليق القادم من الأفعال عليها..

الخميس، 21 أكتوبر 2010

موتى والله أعلم

أتابع هذه الأيام النقاش الدائر في التلفزيون الفرنسي حول عدد من الإصدارات الأدبية الجديدة وفي مقدتمها الجزء الثالث من كتاب سامويل بنشتريت "chroniques de l'asphalte" وأجدني أتساءل باتمرار: متى سيآتي اليوم الذي سيتقن فيه التلفزيون المغربي لعبة تحبيب القراءة إلى مشاهديه عبر برامج خفيفة، غير ثقيلة، ومرحة غير قاتلة، وثقافية فعلا غير مملة تتحدث عن الكتب ومع كتابها، وتفتح مجال متعة المطالعة أمام شعب يحتاجها فعلا؟
لاأجد الجواب، ولكنني أجد التفسير في غياب هذا النوع من البرامج عن تلفزيوننا لكثير المشاكل التي نحياها على مستوى تواصلنا فيما بيننا، وعلى مستوى تقبلنا أو فهمنا لكثير من الأمور الإبداعية التي قد تقع في بلدنا.
طبعا لست حالما ولا واهما، وأعرف أننا بلد يعيش بقسط أمية كبير تحافظ عليه الطبقة الستفيدة بكل ماأوتيت من قوة لأنه سبب بقائها في "بلاصتها"، لكنني في الوقت ذاته غير قادر على منع نفسي من المقارنة، وغير قادر على عدم التحسر على المآل الذي يراد لشعبنا في هذا المجال: مآل التجهيل، والدفع نحو التافه من الأمور وتصويرنا جميعا باعتبارنا أناسا نهتم فقط بما نزدرده وونهضمه ثم نرسله، أي أناسا لافارق بيننا وبين الحيوانات إلا في بعض الفاصيل القليلة التي لاتقيم فارقا حقيقيا في نهاية المطاف.
وبنفس الحماس نتابع جميعا النقاش الدائر في فرنسا بين نقاباتها وبين حكامها حول قانون رفع سن التقاعد، ونرى كيف أن الصغار من أبناء الرابعة عشرة والخامسة عشرة قد نزلوا إلىالشارع يبحثون عن معركتهم الشخصية التي سيؤثثون بها القادم من الآيام، مثلما أسس أسلافهم لمعركتهم الشخصية ذات ماي 1968 ، وأسمع للطبقة السياسية الفرنسية كلها يمينا ويسارا وهي تتحدث عن معركة الشارع الفرنسي مع رئيسه ومع حكومته، ونتابع النقاش الحيوي الدائر هناك، فننقل - لعن الله البارابول الذي فتح أعيننا هكذا - النقاش إلى البلد، ونبحث عن شخص واحد قادر على أن يقوده فلانجد إلا ضبابا كبيرا، ورغبة في تعويم كل شيء، وعدم قدرة على فتح أي ملف من أجل مناقشته.
حالة موت حقيقية، لا مثقفون يشغلون بالهم بما يهم شعبهم، فينتفضون ضد حالة الركود ويبحثون عن السبل الملائمة لمس الناس وإعادة نبض الحياة لهم، لا صحافيون يمتلكون فعلا الحاسة اللازمة للضرب حيث يوجع الألم الصحفي، والبحث عن مواضيع تنقذ الناس من حالة السب الشاملة التي اعترت الوطن، ولا طبقة سياسية قادرة أن تعطينا الإحساس أنها طبقة فعلا، وأنها سياسية ثانيا، ولا فنانون يشغلون البال هم الآخرون بالبحث عن الجديد المفيد لإبداعنا وذائقتنا وحسنا الفني، بل الأنكى والأمر لارياضيون يرفعون معك وبك "المورال" قليلا، ويرفعن راية البلد في محفل دولي أو إثنين ننسى بهم بؤس انهزامنا الكامل.
كل م في الأمر غرفة كبرى إسمها المغرب، تحيا الليل والنهار بطولهما علي إيقاع السيار اليومي المبتذل، تعيش "آوجور لوجور" مثلما يقول الفرنسيون، وشعارها "كل نهار برزقو" و"يدوز هاد النهار ومن بعد يحن الله". هله هي صورة متشائمة "بزاف"؟
لاأدري، وأعرف أنني أبعد الناس عن التشاؤم في هذا البلد، لكن المقارنة الظالمة لعنها الله تدفع العقل إلى شواطئه الأكثر تطرفا، وتحث عليه بالسؤال "علاش الخرين وحنا لا؟":
قديما قالها الكواكبي وشبع العرب منه ضحكا يوم طرح السؤال "لماذا تقدم الآخرون وتخلفنا نحن؟" قبل أن يجيب في طبائع الاستبداد أن "الاستبداد أس كل بلية" لكن الأجداد لم يسمعوا له مثلما لم يسممع له من أتوا بعدهم، فحولنا القولة إلى "المعدة أصل كل داء"، وجعلنا من الأكل الشرب وبقية العادات الحيواينية الأولى مبلغ علمنا الأخير، ماحولنا إلى هذه الكا'نات الصعب توصيفها اليوم.
ومع ذلك لامفر من قليل أمل لئلا نعتنق مذهب الموت حلا لكل هذا البوار. هناك بالتأكيد حل ما لكل هذا، هناك منفذ علينا أن نسلكه لكي نخرج من هذه الحالة التي لاتسر عدوا ولا صديقا، وعلى مايبدو لن يكون المرج إلا من بواب مابدأنا به هذا العمود: أن نعود للقراءة جميعا، أن نقلد السابقين في عصور انحطاطهم حين فهموا أن الل هو أن يترجموا وأن يزدردوا الكتب والمؤلفات، وأن يعيدوا بناء شخصيتهم الثقافية والحضارية من جديد، لأن الشخصية الثقافية والحضارية القديمة ماتت أو تكاد.
عدا ذلك ستجدنا فعلا "خير" أمة أخرجت للناس ذات تخلف، تأمر بالتطرف، وتنهى عن العلم والتقدم، وترى الشر محيطا بها من كل جانب أتتها منه أمور لاتعرفها، فالمرء عدو مايجهل، ومشكلتها هي أننا نجهل كل شيء ماجعلنا في الختام أعداء كل شيء، وهذه حالة لاتوصف حقا إلا بحالة الموت والله أعلم على كل حال. و"سمحو لينا على الديرانجمون" في كل الأحوال.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
تعيش العيون مثل بوعرفة تماما حالتي غليان اجتماعي مفهومتين فالغلاء يقبض بيده من حديد على رقاب الناس، والأجور الهزيلة التي يتقاضاها المغاربة في أغلبهم غير قادرة على الاستجابة لاحتياجات هذا الزمان، سوى أن المشكل بين العيون وبوعرفة يختلف تماما.
ففي العيون لدينا انفصاليون يرغبون في تسييس هذا الغليان الاجتماعي وتصويره باعتباره أمرا له علاقة لما يقع في تندوف والحق أنه غليان يشبه غليانا. علينا نحن فقط أن لانقع في الفخ

الأربعاء، 20 أكتوبر 2010

تصرفيقة فلسطينية !

صفعة حقيقية وجهها جلالة الملك لكل المزايدين على دفاع المغاربة عن قضية فلسطين ممن تلقفوا الخبر القائل بأن جلالته سيستقبل الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز . الموقف الملكي كان واضحا للغاية: مرحبا ببيريز في المغرب...لكن بعد وقف بناء المستوطنات.
موقف ينخرط فيه المغرب باستمرار، ويؤكد تناغمه مع ذاته باعتباره بلدا يؤمن بأن السلام هو الحل لقضية الصراع في الشرق الأوسط مهما علا صوت السلاح وتجبر، لكن المؤمن أيضا أن على إسرائيل أن لاتساعد المتطرفين في الجانب الفلسطيني على إضعاف القدرات التفاوضية للسلطة الوطنية الشرعية في فلسطين التي تجد نفسها وحيدة ومعزولة في وجه كل مايقع للقضية الفلسطينية من تطورات.
وقد أدهشني فعلا موقف أحد الأصدقاء وفتح عيني على حقيقة تاريخية لاأعتقد أننا في المغرب فكرنا فيها يوما وهي المتعلقة بموقف الفلسطينيين منا ومن الاحتلال الموجود في بلدنا. قال لي ذلك الصديق "تخيل، أننا لم نسمع في يوم من الآيام أي تشكيل من التشكيلات السياسية الفلسطينية يعبر عن تضامنه مع المغرب في وجه الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية". بقيت صامتا أتأمل وجه ذلك الصديق، قبل أن يضيف "بل إنهم لم يتجرؤوا أبدا على معارضة الجزائر فيما تفعله بالمغرب في صحرائه، ولم يفتحوا فمهم يوما لكي يقولوا لحكام الجار إن ماتفلعونه بالمغرب سيء للغاية، ويدل على أنكم لاتريدون مغربا عربيا هادئا في يوم من الأيام".
اختلقت الكثير من الأعذار لكي أرد على ذلك الصديق نها أن الفلسطينيين مشغولون بما هو أهم، أي تحرير أرضهم، وبعدها لكل حادث حديث، ومنها أننا لايمكن أن نطالب شعبا يموت كل يوم عشرات المرات على يد إسرائيل بأن يتضامن مع شعب يعيش في أرضه بهناء وطمأنينة، ومنها أننا إذا أردنا أن نطاع علينا أن نأمر بما يستطاع، وواضح هنا أن الإخوة في فلسطين ليست لديهم القدرة - خصوصا في تاريخ وزمان آخرين - على قول لا للجزائر التي كانت تحتضن مؤتمرات منظمتهم، وكانت تعطيهم الكثير من المال.
ذكرني صديقي أن بيت مال القدس الذراع المالي لوكالة القدس هو الجهة الوحيدة لتي بقيت منتظمة في أداء الواجبات لصالح فلسطين، وأن الاعتراف أتى من طرف الأعداء قبل الأصدقاء بأن المغرب لم يمل ولم يكل من مساندة الكفح الفلسطيني، وأنه بقي البلد الوحيد عربيا الذي لم يربط يوما بين مزايدات سياسية وبين دعم لامشروط للعشب الفلسطيني ونضاله العادل. وفعلا أفحمني ذلك الصديق ووجدتني أردد الكلام المغربي الشهير "حنا المغاربة دايرين بحال هاكا، ماعندنا مانديرو".
كلام لم يمنعني بعد فراق ذلك الصديق من التفكير مليا فيما قاله، وتذكر ذلك الخطاب الشهير للراحل الحسن الثاني عن الفلسطينيين يوم اصطفوا إلى جانب الليبيين والجزائريين ونددوا بالمغرب (الدولة التي استضافتهم ورحبت بهم دون منة أوتفضل) ويومها قالها الحسن لثاني رحمه الله مدوية وكان يقصد بها أبا عمار رحمه الله هو الآخر "اللي عاود ذكر ليا الفلسطينيين..." والتتمة يتذكرها من استمعوا لذلك الخطاب أو من تابعوا قليلا من التاريخ المرتبط به.
تذكرت أيضا عدد المزايدات الفارغة التي أدخل إليها الكثيرون بلدنا باتهامه بالتطبيع السري مع إسرائيل، واتهامه بالتعاون معها لإدخالها إلى العالم العربي، واتهامه بأنه سبب كثير البلاءات التي مست الجسم الفلسطيني رغم أننا بعيدون جدا عن فلسطين وكان من الممكن أن نمثل دور من لايسمعون عنها إلا في نشرات الأخبار بين الفينة والأخرى، لكن المغرب اختار الحل الأصعب فعلا: أن يكف عن التفرج في الدم الفلسطيني وهو يسيل وأن يبذل قصارى جهده لكي يجد لهذه القضية حلا سليما هو الذي يدوم في نهاية المطاف.
طبعا هناك محترفو "الغوات" من عبدة المظاهرات الذين يتمنون أن لاتتوقف نافورة الدم الفلسطيني عن السيلان، والذين يعتبرون فلسطين رسما تجاريا يزايدون به على الجميع كل مرة. هؤلاء لايريدون حلا سلميا لأنهم لايتصورون شكلهم بعد حل قضية فلسطين، لايعرفون أي شعار سيحملونه حينها، وأي صراخ سينخرطون فيه، مثلما لايتخيلون وجود العالم دون قضية بعيدة عنهم لايتضررون من آثارها المدمرة لكنهم يستغلونها لكي يبقوا على قيد الحياة السياسية.
هؤلاء و أمثالهم وهم موجودون لدينا في المغرب ومنتشرون في كل مكان من العالم العربي، وقد وجد الرئيس الفلسطيني أبو مازن الرد المفحم عليهم في قمة سرت الأخيرة حين خاطب الرئيس السوري بشار الأسد الذي يدعي أنه يقود تيار "الممانعة" وقال له في صفعة فعلية "إذا كانت الدول العربية تريد الحرب فلتعلنوها ونحن سنكون معكم، لكن رجاء لاتقاتلوا بنا، كفاكم قتلا لنا"
فعلا ماأحوج شعبنا الفلسطيني اليوم لقولها للكثيرين "لاتقاتلوا بنا وكفاكم قتلا لنا". أيها الكاذبون
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
من رأوا لقاء الترجي التونسي والأهلي المصري والمجزرة التحكيمية التي حدثت فيه وأهدت للترجي تأهلا غير مستحق للنهاية ومن رأوا الحكم الذي قاد لقاء الفت الرباطي والصفاقسي التونسي وهو يختال في الملعب "بكرشه الكبيرة" ويجد صعوبات كبرى في متابعة أطوار المباراة أو الوقوف قرب الموقع الذي توجد فيه الكرة، فهموا أن مسارات كبرى تنتظر الكرة في قارتنا الإفريقية من أجل العثور على موطئ قدم في الخارطة الكروية العالمية.
سنظل لسنوات مقبلة منجما لتصدير المواهب الكروية للآخرين، فقط لاغير، وهذا بفضل مافيا السيد عيسى حياتو ومن معه. هكذا وبكل اختصار

الاثنين، 18 أكتوبر 2010

واش ممكن نتناقشو؟

لم أستغرب كثيرا حجم وحدة الردود التي صاحبت مقال "أحرار ولكن" (عدد الخميس الفارط), لأنني مقتنع تمام الاقتناع أن التيار الغالب في المغرب اليوم ليس هو التيار الظلامي, أو الإخواني أو المتطرف, ولكنه التيار الغبي, الذي يردد كلاما دون أن يفقه أي معنى من معانيه. وبمجرد مارأيت مقال "أحرار ولكن" - الذي خصصناه للدفاع عن الفنانة لطيفة أحرار وحريتها في تقديم فنها بالشكل الذي تريده دون وصاية متخلفة من أحد - وقد وضع في موقع "هسبريس" من طرف "أصدقاء" أستغل الفرصة لكي أشكرهم على "تقديرهم" المبالغ فيه لشخصي المتواضع, حتى علمت أن آلة الشتم ستشتغل من جديد, وأنها لن تترك فردا من أسرنا المسكينة لن تطاله برداءتها.
ومع ذلك لابأس. لنقل إنها ضريبة الحديث بلغة غير تلك التي يحب القطيع سماعها, ولسنا مستعدين لتغيير الديدن في هذه المسألة تحديدا, ولسنا ممن يداعبون "بنادم" في اتجاه الزغب أبدا. نحن نعتبر أن مهمة الرأي هي أن يكون حقيقيا, وصادما, وحرا, وجريئا, عساه يحرك العقول النائمة, ويخرجها من كسلها ولو بالسب والشتم. الأساس هو أن تتحرك قليلا, وأن تشغل المادة الرمادية التي لاتشك أنها موجودة بالفعل داخل دماغها. لذلك مجددا لابأس بكل السب والتجريح الذي قرأناه, ونكتفي مثلما يوصينا بذلك ديننا الحنيف بقول "سلاما" في وجه كل الجاهلين الذين خاطبونا.
سلام لايمنعنا مجددا من العودة إلى نص الموضوع وفكرته الرئيسية: من يخاف حرية الفن في المغرب اليوم؟ ومن يريد أن يوهم المغاربة أن أي جرأة فنية في إبداعهم هي رغبة في النيل من الهوية, ومؤامرة من جهات مختلفة لمس دينهم والإساءة إليه؟
واهم من سيظن أن الآلية التي تحركت ضد لطيفة أحرار في عرضها الأخير "كفر ناعوم" هي ألية اعتباطية حركتها غيرة بضعة معلقين في الأنترنيت هنا وهناك على مااعتبروه شرفهم المشترك كمغاربة. لو كان الأمر هكذا لهان, ولقلنا إنها حرية تعبير علينا احترامها فعلا, وهي إشارة من مجتمعنا لما يريده ويقبله, وعلينا أن نتحرك مستقبلا وفقها إما بالاقتناع أننا سنجلب علينا كل اللعنات إذا ما سرنا ضدها, وإما بتغيير الفكر والنظرية والالتحاق بالتيار القطيعي الذي يتحدث باسم المجتمع دون أن يكلفه هذا الأخير بهذا الأمر أبدا.
المسألة أعقد وأخطر بكثير. المسألة مرتبطة بتوجيه عام للشكل الذي ينبغي أن يكون عليه مجتمعنا في نظر جهات معينة. فيها من ينتمي لتيار الإسلام السياسي, وهو بالتالي يهيء لمستقبل البلد به, ويجب أن يقتل إن فعليا أو رمزيا كل من يشكلون النقيض له. وفيها المتسترون وراء جهات داخل الممسكين بزمام السلطة ممن يتساءلون عن هذه الجرأة التي يعيشها فننا المغربي, وأين ستقف بالتحديد, مدركين ولا شك أن من تجرأ على مساءلة التوافق الجنسي الكاذب في مجتمع يعاني من كل الأمراض المرتبطة بهذا المجال (من الاغتصاب إلى زنا المحارم مرورا بكل ماتريدونه من مظاهر الأعطاب الجنسية), ومن ساءل التدين المظهري السائد والمبني على النفاق في مجمله (من صلاة التراويح المراسيمية إلى احترام "ربعين يوم ديال شعبان" قبل شهر الصيام) سيسائل بكل تأكيد الفراغات السياسية الكثيرة الموجودة في البلد.
لذلك يبدو لهؤلاء أن إيقاف النقاش عند هذا الحد: حد سب من يعبرون عن رأي مخالف, واتهامهم بأنهم "ملاحدة زنادقة, والتلويح بارتباطهم بأجندات غربية أو أجنبية", كافيا لقتل النقاش في مهده تخوفا من أن يصبح كل هذا النقاش حوارا مجتمعيا فعليا حول شكل ديننا وجنسنا وسياستنا, وحول هذا الثالوث المقدس الذي يراد له أن يظل على وضعه الحالي دون أدنى مساس به, لأن في بقائه بالشكل الراهن بقاءا لكل المستفيدين منه.
وإذا كان لمسرحية "كفر ناعوم" من حسنة فهي حسنة فتح هذا النقاش بهذه الحدة اليوم. ولقد كنت مقتنعا على الدوام أن صورة ممثلة شبه عارية في مسرحية ستكون أكثر قدرة على إثارة النقاش في مجتمعنا من مئات المحاضرات والمقالات التي قد نكتبها أو نلقيها في تجمعات محدودة. لذلك أعتبر الفرصة ذهبية فعلا لنقاش حقيقي حول حرية الفن في بلدنا, وحول المسموح به فيه, وحول الممنوع أو الحرام أو المحرم . وأتمنى فعلا من الإخوة المعارضين أن يذهبوا إلى قرارة تفكيرهم وأن يعبروا عن تصورهم لهذه الحرية, وهل يريدون لها بعض الحدود المفهومة, أم يريدون إبادتها كلية.
سنفترض استمرار وجود بعض العقلاء معنا, وسنفترض أن الدعوة لنقاش مثل هذا في زمننا المغربي ليست ترفا لانستحقه, وسننتظر أن نقرأ في هذه الجريدة أو في مواقع الأنترنيت "الصديقة والشقيقة" أو في جرائد أخرى أفكارا تناقش "حرية الفن في المغرب اليوم", وتقنعنا أن المغاربة لازالوا قادرين على النقاش مهما بدا ذلك مستحيلا.
هذا هو الأهم في نظري المتواضع "بزاف", أما الشتائم فمثلما يقول زعيم الكوميديا العربية عادل إمام في "الواد سيد الشغال" ضاحكا: "على العموم, الشتيمة بتلف بتلف وبترجع لصاحبها". "هادا ماكان آلخوت".
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
أرسلت الجزيرة زميلينا أنس بنصالح ومحمد البقالي على التوالي إلى لبنان والسودن حسبما أخبرتنا بذلك جريدة "أخبار اليوم المغربية". إرسال يأتي لكي يضع حدا للصراع الذي جمع الصحافيين مع الدولة المغربية بسبب تصورهما لطبيعة العمل الصحفي، وبسبب عدم رضا وزارة الاتصال على مايقوم به الصحافيان خصوصا بنصالح الذي أثارت مشاركته في ندوة حول الإعلام باعتباره ناشطا السؤال حول التداخل بين مهمته كمراسل لقناة وبين صفته الجديدة كحقوقي.
"فصل السلط" لم يعد مطلبا يوجه إلى الدولة، بل أضحى مطلبا يوجه إلينا جميعا.

الأحد، 17 أكتوبر 2010

الجزيرة "المغربية" 2/2

تركناها أمس عند سؤال أساسي في قضة الجزيرة وعلاقتها بالمغرب يتعلق بمناطق الظل الكثيرة والفراغات التي طبعت "صفقة" تسليم مكتب للقناة القطرية لكي تضع فيه أوزارها. تلك الفترة الفاصلة بين ٢٠٠٤ و٢٠٠٦ عرفت الكثير مما يجب أن نعود إليه اليوم بتأن كامل لكي نفهم إن كانت الخطوة فعلا حسنة وإيجابية تحسب لبلدنا وللانفتاح المعروف عنه عربيا، أم أنها كانت مغامرة غير محسوبة العواقب وغير مأمون الجوانب، اتضح في ختامها أن المغرب خسر فيها أكثر مما ربح بشكل أكيد.
حضر اقتناع في تلك السنوات أن على المغرب أن يؤكد الخير الذي يقال عنه بخصوص انفتاح العهد الجديد على الإعلام وعلى الصحافة، ووجد الرأي من يدعمه داخ لالسلطة بضرورة البحث عن منفذ عربي للمغرب يطلع عبره الأشقاء على "الثورة الهادئة" الت ييعرفها البلد ويكون بمثابة كوة الضوء التي تسلط على الإنجازات السائرة بيقين لدينا، لكن يكون أيضا عيننا على المشرق وعين المشرق علينا. باختصار تصور رفيع بنية سليمة للغاية من الجانب المغربي وبنية يصعب تحديدها من الجانب القطري الذي أعطى الموافقة والضوء الأخضر "للنزول عند طلب الأشقاء المغاربة دون تردد".
طريق جهنم المحفوف بالنوايا الحسنة سيفتح مجالات عبوره للمغرب، ومباشرة بعد مرور الفترة لأولى لشهر العسل القصير جدا اكتشف المسؤولون الإعلاميون المغاربة الذين تكلفوا بأمر هذه القناة ومكتبها أنهم نسوا في غمرة حماسهم المشروع أن يقفوا قليلا عند التفاصيل.
اكتشفوا أنهم لم يتفقوا مع القطريين وقناتهم حول شكل النشرة المغاربية التي ستبث من بلدنا ، وهل ستكون عبارة عن نشرة تشتغل وفق القانون المغربي أم أنها ستكو نشرة تابعة للقانون القطري الذي يحكم صالة التحرير الرئيسية في الدوحة. الأمر لاعلاقة له بالرقابة أو مايشبهها، ولنه متعلق أساسا بالخط التحريري للقناة. اتضح بعدها أن النشرة كانت مجرد خطوة أولى حولها المسؤولون القطريون ومسؤولو القناة إلى مكتب مغاربي للقناة وهو ماكان يعني منذ البدء الإخلال بالاتفاق الرئيسي الذي جمع الطرفين، وهو الاتفاق الذي كان يقول بالسماح لقناة الجيرة القطرية ببث نشرة مغاربية لها بأمر من وزير الاتصال آنذاك نبيل بنعبد الله واتفاق مع الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات المعروفة ب"الأ إن إر تي" . أكثصر من هذا الجزيرة لم تدخل إلى بلدنا بوثيقة مكتوبة لكي نعرف حجم الهواية في تصرفات مسؤولينا. الأمر كله كان عبارة عن اتفاق شفه بموجبه وضعت القناة القطرية رجلها في المغرب وبعدها كان ماكان .
عندما نتابع اليوم طريقة إنجاز دفاتر التحملات الخاص بمتعهدي السعي البصري في المغرب، عندما نسمع عن الملايير التي يضعونها من أجل إعداد ملفات متكاملة تحظى بقبول الهاكا، عندما نعرف السراط المستقيم وغير المستقيم الذي يمرون منه لكي ينتهوا بإذاعة خاصة صغيدة تخاطب مائة ألف شخص على الأكثر في اليوم، ونقارن هذه المساطر العقدة بالمسطرة السهل والبسيطة جدا التي سلكتها الجزيرة التي تخاطب ثمانين مليون مشاهد يوميا ، وهي المسطرة التي انتهت باتفاق شفهي يسمح لها باالعمل فوق أرضنا،، ويتغافل عن تحويلها لنشرتها المغاربية إلى مكتب قائم لوحده في العاصمة، نتساءل فعلا : شكون فينا الغالط بلادنا ولا الجزيرة؟
القناة القطرية وجدت أمامها مجالا مشرع على كل الاحتمالات، فاشتغلت فيه بكل بساطة ودون أدنى اعتبار للقوانين الجاري بها العمل فوق هذه الأرض، لأنها اعتبرتها أرضا خلاء أو "نو مانز لاند".
لذلك وحين كان المغرب يشغل نفسه بإعداد ترسانة قانونية معقدة في السياسة، تقف بالنقطة والفاصلة عند تفاصيل الاشتغال الخاصة بالتلفزيون، وتعطي ٣٠ بالمائة للحكومة ومثلها للأغلبية ومثلها للمعارضة والعشر المتبقية للأحزاب غير الممثلة في البرلمان وهذا خارج فترة الاقتراع. وحين كان يشغل باله بوضع الضوابط الدقيقة لمرور الأحزاب السياسية خلال الانتخابات بحساب الدقائق والثواني، كانت الجزيرة تفتح أبوابها بالدقائق الطوال لأحزاب هي تعتبر أنها أقرب إلى خطها التحريري من الآخرين، وحينها كان السؤال يطرح لدى من أعطوا الموافقة على دخول القناة إلى المغرب "ناري، شنو درنا عاوتاني؟"
للأسف الشديد مثل هذا السؤال يعد أمرا غير مقبول من طرف السياسي الناجح، لأن هذا الأخير يعرف قبل الإقدام على خطوة ما تبعاتها ونتائجها، ولاينتظر بداية هذه النتائج والتبعات لكي يتنصل من خطوته. لذلك أيضا وحين اضطر المغرب لتحجيم عمل "الجزيرة" فوق أرضه لكي يجبرها على الأقل على احترام القانون الساري به العمل هنا، تماما مثلما تججبر قطر القنوات المشتغلة فوق أرضها على احترام قانون الديرة (وإن كانت قطر مْهْنية من هاد الناحية)، سمعنا كثرا من الضجيج لإن "الجزيريين ومن والاههم" صدقوافعلا أن المغرب هو بلد بدون قانون وتلك هي الطامة الكبرى.

الجزيرة "المغربية"_ 1/ 2

أفهم أن يلجأ زميلانا محمد البقالي وأنس بنصالح إلى المحكمة الإدارية بالرباط للطعن في قرار عدم تجديد اعتمادهما للعمل صحافيين في بلدهما. الأمر مفهوم للغاية، وهو يندرج في إطار المطالبة بحق مشروع ألا وهو حق الصحافي العمل والوصول إلى الخبر الصحيح والحقيق البعيد عن تصفية الحسابات، أو خدمة الأجندات الخارجية أو الداخلية أو ماشابه، مما يطالب به زميلانا ونساندهما فيه بقوة ونطالب بتمكينهما من إنهائه.
لكنني لاأفهم نهائيا أن يتنصب المجلس الإداري لقناة الجزيرة الفضائية لكي يقيم دعوى ثانية إلى جانب دعوى الزميلين يطالب فيها بنفس الأمر. هنا ليسمح لنا الإخوة في الديرة القطرية العزيزة على قلوبنا، ولكن لنا بعض الكلام اللازم قوله وإن أغضبهم مجددا: المجلس الإداري لقناة الجزيرة القطرية يعني الأسرة الحاكمة في قطر. هكذا وبكل اختصار. وأن ترفع الأسرة الحاكمة في الديرة القطرية دعوى ضد وزيرنا الأول اللطيف عباس الفاسي وضد وزيرنا في الاتصال الألطف خالد الناصري فالمسألة فيها نظر فعلا، وهي تعني عداءا واضحا للبلد لم نعهده بين الأشقاء العرب إلا في عهد حمد وقناة حمد لنشر الديمقراطية في العالم العربي.
ومع ذلك لابأس. الإخوة الحاكمون في قطر يريدون رفع دعوى قضائية ضدنا وعلى أرضنا. مرحبا، هذا ديل آخر من أدلة حرية التعبير والتحرك في البلد، مثلما نعرف جيدا أن منح ٨٠٠ تصريح بالتصوير وهو العدد المضبوط للتصاريح التي تمنحها وزارة الاتصال المغربية في السنة فقط للقنوات الأجنبية لكي تصور برامج خاصة بالأخبار فقط هو رقم يقول لنا كل شيء عن حرية العمل الصحفي في بلادنا.
وليسمح لي هنا إخوتنا المهووسون بالجزيرة والمبهورون بأدائها، لكنني لاأتصور أن لقطر القدرة على منح ٨٠٠ تصريح بالتصوير داخل قطر لقنوات أجنبية مختلفة على امتداد السنة. قد تنشئ قطر قناة تمولها بمال الغاز الطبيعي الموجد بكثرة هناك _ اللهم لاحسد _ وقد تجلب لها خيرة صحافيي العالم العربي الذين يهربون من بلدانهم لظروف مادية أولا وأخيرا_ اللهم لااعتراض _ وقد تتوسط زوجة حاكم قطر لديه لكي ينشئ مركز ا لحرية الإعلام يضع على رأسه روبير مينار الرئيس السابق لمنظمة "مراسلون بلا حدود" قبل أن يتم طرده بطريقة مهينة منه_ اللهم لاشماتة _ لكن أن تصل الديرة القطرية إلى حدود منح ٨٠٠ ترخيص لقنوات أجنبية داخل قطر لكي تصور مايحلو لها وتبثه بعد ذلك في الفضائيات فالأمر مستحيل تماما، عكسنا نحن في المغرب، "ماكاين مشكل".
الآن علينا أن نصل مع أصدقائنا في الجزيرة وفي قطر إلى حل ما. ولنأخذ كمثال قضية مصطفى سلمة ولد سيدي مولود. كنا نتنمنى بل كنا ننتظر أن الجزيرة ستحاول اقتحام "غوانتنامو المغرب العربي" أي تندوف, لكي تكتشف لنا الظروف التي يعيش فيها المختطف الشهير. لكن على مايبدو الجزيرة "موالفة غير على المطارات ديال لاس بالماس" حيث تقبع أميناتو حيدر حين ترغب في أداء المسرحيات الرديئة، أما حينما يتعلق الأمر بعمل مهني فعلي يتطلب من "الجزيرة" أن تتحرك طواقمها المهنية الكبيرة التي نراها باستمرار في الآخبار إلى تندوف، وأن يفرضوا على الجزائر وأزلامها في تندوف أن يفتحوا الباب أمام الجزرة لكي تأتينا بصورة واحدة من هناك فالأمر ليس ممكنا ولا يتطلب أن ترفع الجزيرة من أجله الدعاوى ولا أن يتباكوا على حرية التعبير من أجله.
وحدنا هنا في المغرب نبدو لهم قابلين لكل أنواع الإهانة, لأننا أخطأنا ذات يوم خطأ لايغتفر, وقمنا بالسماح لقناة أجنبية بفتح نشرة مباشرة لها من بلادنا. نشرة وليس مكتب, وهذه فضيحة لم يساءل عليها أحد إطلاقا في عهد وزير الاتصال السابق نبيل بنعبد الله, الذي لم يتصرف من تلقاء نفسه وهو يمنح الجزيرة حق إطلاق نشرة مباشرة من الرباط, هذا أكيد, لكنه يتحمل المسؤولية السياسية المباشرة عن هذا الخطأ الجسيم.
هذه أول مرة لاتفاوض فيها دولة قناة حول خطها التحريري وحول ماتريد القيام به في البلد قبل أن تمنحها نشرة مباشرة هي النشرة المغاربية التي تحولت بقدرة قادر إلى مكتب الجزيرة في الرباط, وأصبحت "مسمار جحا" الموضوع لنا داخل البلد بشكل غبي ومريع.
البعض يقول لنا إن علامة انفتاح المغرب الكبيرة هي أنه سمح بهذه النشرة التي تحولت إلى مكتب بمدير هو عبد القادر الخروبي الذي لاتحمل بطاقة اعتماده من وزارة الاتصال إلا وصف "مراسل", والذي غادر المغرب منذ يونيو الفارط. لكننا نقول إن للانفتاح حدودا, خصوصا حين أحتاج لرؤية مهنية هذه القناة اليوم في قضيتي الوطنية فأجد "الضباب" والغياب الدال والكامل, مقابل الامتثال لأوامر جنرالات المخابرات العسكرية الجزائرية. فهل يحق لي بعد كل هذا أن أنتظر مهنية أو انفتاحا من هذه القناة؟
غدا نكمل تفاصيل وكواليس فتح نشرة تحولت إلى مكتب تحول إلى كابوس إعلامي في المغرب الجديد.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
أعجبني دفاع كريم غلاب على مدونة السير طيلة فترة هذا الصراع الذي مر, وإصراره يوم الأربعاء مثلا في البرلمان على الحفاظ على نفس حماسه لمشروعه. قد لانتفق مع غلاب في كثير من النقط, لكن لايمكنك إلا أن تنوه بقدرته على الإيمان بمشروع قاده وسجل باسمه, واستطاع الآن إيصاله إلى مرحلة التطبيق.
لو توفرت لكل وزرائنا خصلة الإصرار هاته, وتوفر لهم الدعم الضروري لمواصلتها لمرت قوانين أخرى بشكل أفضل, من يتذكر الآن الوزير الشجاع سعيد السعدي ومدونة الأسرة ومعركتها؟

الخميس، 14 أكتوبر 2010

أحرار ولكن !

أتابع منذ فترة غير هينة الفنانة الرقيقة لطيفة أحرار، وأعرف عنها هوسها بكل ماهو فني حقا . تنحت لطيفة في الصخر فعلا في بلد مثل المغرب، وتشغل بالها بالتنقيب عن الأشياء التي ستضيف للفن الذي تقدمه شيئا، ولاتهرب إلى التافه الرخيص أبدا، أو لنقل بعض اأحايين تحت مسميات اضطرار كثيرة. لذلك وحين رأيتها في "كوميديا" فهمت أنها تستوعب الفكرة المؤسسة للبرنامج والقائمة على اكتشاف مواهب شابة، وهذا أمر جيد، لكنني لم أفهم اصطفافها إلى جانب الرداءة التطبيقية التي كنا نراها في ذلك البرنامج، مثلما لم أفهم إلا قليلا مشاركتها في سيتكوم منذ سنتين على القناة الثانية، إن كنت مقتنعا أن الفنان ملزم بأن يعيش، وبالتالي هو ملزم بأن يشتغل ولو أن هذا النقاش ذو حديث فعلا.
لذلك أحتفظ عن لطيفة بشكل عام بتصور راق للغاية، وأعتبرها واحدة من الفنانات اللائي استطعن المزاوجة بين تكوينهن الأكاديمي الراقي وبين ماتفرضه الحرفة وظروف ممارساتها في المغرب. وحين علمت منذ زمن أن لطيفة بصدد الاشتغال على نص الشاعر المغربي ياسين عدنان "رصيف القيامة" فرحت كثيرا لسببين أولهما أن المسرح المغربي التفت مجددا إلى الشعر المغربي يجد فيه السند والعون على الرداءة القاتلة المحيطة به من كل مكان، والمتسربلة في شتى الرداءات، وثانيهما أنني كنت أظن باستمرار أن الشاعر والفنانة خلقا لكي يتفاهما - لكي نتذكر واحدة من الأعمال المسرحية المغربية التي لم يكتب لها كثير انتشار رغم الفكرة النبيلة التي حركتها - وأنه ليس هناك ماهو أفضل من ركح مسرحي لكي يمتشق فيه الشعر مكتوبا للمسرح صهوة كل الحكي، وصهوة كل الممكنات في القول والستحيلات.
هذا نظريا، لنمر الآن إلى التطبيقي، والعملي. كنا نعرف أن المسرحية حين ستعرض، "غادية تنوض القوق للخوانجية". ولطيفة كانت متأكدة من الأمر لأنها أسست لعرض قائم على التعبير الجسدي - ـوالتعبير الجسدي مادة فنية قائمة لوحدها تدرس في كل معاهد التكوين المسرحي لعلم المتطرفين - وقد عمدت لكي تمتص صدمة التلقي الأولى لبث صور تدريباتها المسرحية، وكان واضحا أن جسدها سيحضر في العمل لأنه من المستحيل ومن المضحك أيضا تخيل عمل قائم على التعبير الجسدي دون استعمال الجسد فيه
لكن عندما عرضت المسرحية وجدنا أن كل هذا الكلام النظري وكل هذه التهييئات التي قدمت لم تنفع في منع المتطرفين من التصريح بما يتقنونه أكثر من أي شيء آخر في الكون: تحريمهم للفن. خرج علينا النابحون من كل مكان معتبرين أن لطيفة أحرار ارتكبت جرما غير مقبول وقالت حركة التوحيد والإصلاح الإسلامية في منشورها "التجديد" كاذبة إن "لطيفة أحرار تعرت أمام الجمهور، علما أن مفهوم لتعري يتطلب بعض التدقيق لأننا لانعتبر المغربيات اللائي يذهبن إلى الشاطئ والمسبح في الصيف عرايا، واحتد المهاجمون في الأنترنيت والمواقع المشبوهة وكالوا لأحرار مايريدونه من التهم، كاشفين عن شيء واحد لاثاني له : هو أن معركتنا الحقيقية ليست ضد التطرف. هي ضد ماينتج التطرف أي ضد الجهل.
لو كان من انتقدوا لطيفة والعرض المسرحي التعبيري الذي قدمته يعرفون معنى التعبير الجسدي لما وصلوا إلى هذا الحد من الرداءة في تعليقاتهم واتهاماته لها، ولو كان من نصبوا أنفسهم حماة للأخلاق الكاذبة في هذا البلد يشاهدون قليلا من المسرحيات العالمية، أو لو كانوا على الأقل يديرون "الطبسيل" الذي يلتقط لهم برامج القنوات الفضائية جهة قناة "آرتي" الفرانكو ألمانية، لشاهدوا "العجب" من هذه الناحية، لكننا نتحدث هنا عن أناس لايقرؤون ولا يشاهدون، ولايسمعون، ولا يستمتعون، كل مايعرفون فعله هو التحريم والمنع.
معنا أناس يقولون كلما حرموا فيلما أو أغنية أو مسرحية إنهم لم يشاهدوها، وأنهم فخورون بعدم مشاهدتها وعدم الاستماع إليها، وأنهم لايجدون غضاضة في الأمر ولايجدون أي مشكل في انتقادها بل وتحريمها رغم عدم الاطلاع عليها. ما الذي يمكنك أن ترد به على شخص يقول لك إنه لم يشاهد المسرحية أو الفيلم أو العمل الذي ينتقده ولكنه رغم ذلك متأكد أنه يسيء للهوية ويحمل قيما مناهضة لها؟ وما الذي يمكنك أن تقوله لشخص تقدم له ممثلة عرضا من عروض التعبير الجسدي في قالب مسرحي رفيع، ويحكم حكما واحدا على العمل بالقول إن "لطيفة أحرار تتعرى أمام الجمهور في مراكش"؟ طبعا لارد إطلاقا.
كل ما في الأمر هو أننا يجب أن نلتزم أكثر فآكثر بهذه المواقع القليلة التي أضحت للراغبين في التعبير عن أنفسهم وعن إبداعاتهم دون حجر أو وصاية، وعلينا أن نفهم أن واحدة من أهم معارك المغرب اليوم هي معركة الحرية الفكرية والإبداعية لأن من يضربون في هذا الجانب الآن يعلمون علم اليقين أنها البوابة الوحيدة للانعتاق من تخلفهم الذي لايريد عنا فكاكا.
علينا نحن فقط أن نمتلك مايكي من الوضوح الفكري لكي نعرف أن وقت الصمت عليهم قد فات، وأن من يسكت اليوم هو متواطئ معهم دون أدنى جدال.
لطيفة، شكرا لكل لأنك كنت سبب خروجهم من الجحور مرة أخرى.
ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق
لم يتأخر رد المغرب على التصريحات الاستفزازية لرئيس فريق الهلال عبد الرحمان بن مساعد الذي هدد باللجوء لما أسماه "وسائل أخرى" لإجبار الجامعة المغربية على عدم استقدام غيريتس إلى المنتخب، حيث قال منصف بلخياط إن غيريتس سيلتحق فعليا بالفريق الوطني يوم ١٥ نونبر المقبل واضعا بذلك حدا لهذا المسلسل الكاريكاتوري الذي عاشه المغاربة على امتداد شهور.
في حالة العكس، أي في حالة عدم قدوم غيريتس في هذا التاريخ، تعرف جيدا سيد منصف ماعليك أن تفعله. أليس كذلك؟